"الحرب التجارية" بين أميركا والصين.. هل نشهد ركوداً عالمياً آخر؟
سركيس أبوزيد
تُعتبر قمة أوساكا واحدة من أكثر المحطات أهمية بالنسبة لمستقبل التجارة المتعددة الأطراف التي قد يكون لها تداعياتها على المشهد الاقتصادي لعقود قادمة. فقد اجتمع فيها رؤساء ومسؤولون من 37 دولة، لمناقشة الأوضاع الاقتصادية التي حملت في ثناياها أسباباً سياسية بغية الوصول إلى لحل النزاعات والازمات الاقليمية التي من شأنها تساعد على انتعاش الاقتصاد العالمي المهدد بالركود في حال استمر الوضع هكذا او زاد عن حده.
فقد رأت التقارير أن الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة والصين يمكن أن تكون الحافز الجديد للركود الاقتصادي العالمي:
- بنك الإستثمار الأميركي "مورغان ستانلي" أشار في تقرير للمحللين إلى أنه في حين أن التصعيد المؤقت في التوترات التجارية يمكنه أن يمر من دون ضرر على الإطلاق، فإن الإنهيار المستمر قد يسبب ضررا خطيرا.
- منظمة التعاون الاقتصادي لاحظت تباطؤ التجارة الدولية بشكل حاد. فقد انخفض معدل الإرتفاع من 5.5% في عام 2017 إلى ما تعتقد المنظمة أنه سيكون 2.1 % و 3.1 % على التوالي خلال هذا العام والعام المقبل. وهاتان النسبتان أدنى من النمو الاقتصادي المتوقع، ما يعني أن التجارة تسجل انكماشا كحصة من النشاط الاقتصادي العالمي.
- ووجد إستطلاع آخر أن العديد من الشركات الأميركية العاملة في الصين تؤجل الإستثمار. وسيكون التأثير على قطاع الشركات الأميركية أوسع، إذ من المتوقع أن تفرض الصين عقبات غير جمركية مثل القيود على المشتريات. ونظرا إلى التباطؤ في النموّ الاقتصادي العالمي الذي سيعقب ذلك، من المتوقع أن تتضرر أرباح الشركات من العمليات التجارية الدولية، وألا تتمكن الشركات من عبور الزيادات في التعرفة الجمركية للوصول إلى المستهلكين، يُضاف الى ذلك أن الحرب التكنولوجية مع الصين ستضرب الأرباح التكنولوجية أيضا، حتى لو توصلت الولايات المتحدة والصين الى إتفاق تجاري.
واستنادا الى نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، فإن التوترات التجارية هي الخطر الرئيسي على النمو، محذرا من أنها قد تؤدي الى إنخفاض أسعار الأصول، بما يمكن أن يزعزع استقرار الشركات والمصارف والإستقرار المالي أيضاً.
في المقابل، خبراء صندوق النقد الدولي لاحظوا أن التوتر التجاري بدأ يؤثر سلبا على المستهلكين، والعديد من المنتجين في كلا البلدين. فالرسوم الجمركية أدت الى خفض المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ولكن العجز التجاري بينهما لم يتغيّر بشكل عام.
المخاوف من تفاقم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين رتبت مخاوف أوسع على أكثر من صعيد:
- إقبال المستثمرين على الأصول التي تعتبر آمنة، فتراجعت العائدات على السندات السيادية، واستفاد المعدن كونه يُعتبر إستثمارا آمنا، فارتفعت أسعار الذهب، وحافظ الدولار على تماسكه رغم انخفاض عائدات سندات الخزينة الأميركية.
- تراجع أسعار النفط بفعل مخاوف من أن تؤدي هذه الحرب الى تباطؤ اقتصادي عالمي.
خبراء يقولون إن هناك "مسكوتاً عنه" في الصراع التجاري الحاصل راهنا بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، والذي يمثل الأسباب الحقيقية لإصرار الرئيس الأميركي على التصعيد:
1- أصبح الاقتصاد الصيني منافسا حقيقيا لنظيره الأميركي، إلى درجة وصل فيها الميزان التجاري بينهما، الذي يقارب نصف مليار دولار تقريبا، إلى أن يكون في صالح الصين بفارق ليس بقليل.
2- الدور" الصيني في تمويل "الدين" الأميركي عن طريق شراء أذون الخزانة والسندات الأميركية.
3- مبادرة "طريق الحرير الجديد"، والتي بدأت من خلالها الصين في إنشاء منظومة عالمية خاصة بها وقيادتها، بما تشمله من مؤسسات دولية جديدة وبديلة لكل المؤسسات الغربية أو الأميركية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أضف إلى ذلك، الوجود العسكري الصيني المتزايد في مناطق جغرافية تختص بالمبادرة وهو ما سيُنشئ إطارا جغراسيا وجغراستيا جديدا، في إطار محاولة بكين قيادة المنظومة الجديدة للاقتصاد الدولي.
4- إعتماد الكثير من الدول الأوروبية على عملاق الإتصالات الصيني "هواوي" في بناء شبكات الجيل الخامس للإتصالات، أكثر من اعتمادها على الشركات الأميركية والأوروبية، لأنها تقدم بنية تحتية متقدمة، وحلولا تقنية متميّزة، وأسعارا لا تُقارن بأسعار الشركات الأخرى.
ولحل هذه الأزمات المتراكمة والمتزايدة، عُقدت قمة "مجموعة العشرين" في أوساكا اليابانية وسط توتر استراتيجي يرتبط خصوصا بنزاع واشنطن وبكين حول الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية، ومواجهة ثنائية تشمل أيضا ملف إيران، حيث تدور أسخن الأزمات الدولية الراهنة.
ترامب بدا مصمما على عدم مراعاة أي من شركائه في "قمة العشرين". وندد في طائرته الرئاسية "إير فورس وان" بالرسوم الجمركية غير المقبولة التي تفرضها الهند، كما وصف ترامب ألمانيا بأنها شريك فاشل واتهمها بأنها "تدفع مليارات ومليارات الدولارات لروسيا لشراء موارد الطاقة، ورغم ذلك علينا تأمين حمايتها"، وقال ترامب الذي يعمد منهجيا إلى الإثارة في كل اللقاءات الدولية الكبرى: "كل دول العالم تستغل الولايات المتحدة، إنه أمر لا يصدق".
وإذ يحذر الخبراء من فقدان الولايات المتحدة دورها القيادي في صوغ النظام الاقتصادي الجديد، ووضع القواعد والمعايير لكيفية إجراء التجارة والإستثمار، تسعى اليابان ودول أخرى إلى إحراز تقدم في بعض المجالات المتعلقة بالتجارة المتعددة الأطراف.
كما إن اللقاء بين الرئيسين الصيني والأميركي آثار الآمال بهدنة في الأزمة المتصاعدة بين أكبر اقتصادين في العالم، لكون المواجهة بين العملاقين الاقتصاديين، التي عمّقتها عقوبات أميركية ضدّ منتجين صينيين كبار على غرار شركة "هواوي" للإتصالات، تنذر بتداعيات لا بد من أن تطاول اقتصادات العالم أجمع.
وحسب "وول ستريت جورنال"، فإن شيئا ما سيحث ترامب على قبول مقترحات الصين لوقف الحرب التجارية واستئناف المحادثات. وبحسب الصحيفة الأميركية، وضعت بكين عددا من الشروط لإنهاء الحرب: رفع شركة "هواوي" من القائمة السوداء، إلغاء جميع الرسوم الجمركية التي فرضت أخيرا على الواردات الصينية إلى أميركا، إسقاط الجهود التي تجبر الصين على شراء المزيد من السلع الأميركية.
مطالب مهمة للغاية بالنسبة إلى الصين، ليس واضحا إن كان ترامب سيقبل بها، ما لم تقدم بكين من جهتها تنازلات كبيرة في شأن التكنولوجيا، والوصول إلى اقتصادها.
ومؤخراَ أعلنت الصين أنها ستسعى لحشد التأييد للتبادل الحر والتعددية منددة بالحمائية، وسط حرب رسوم جمركية تخوضها مع الولايات المتحدة، فيما تدعو بكين بقوة الى أن الطرفين عليهما أن يقوما بتنازلات، وأي حديث بين الجانبين يجب أن يكون مبنيا على الإحترام المتبادل والمساواة والفائدة المشتركة والإلتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية.
منظمة التجارة العالمية ترى حاجة الى رؤية قيادة من مجموعة العشرين لتخفيف التوترات التجارية ومتابعة التزامهم بالتجارة والنظام التجاري الدولي القائم على القواعد، ولفتت المنظمة الى عدة أمور:
- إستمرار القيود التجارية بين مجموعة العشرين عند مستويات عالية.
- تعرّض التدفقات التجارية لقيود جديدة، وذلك له عواقب في ظل حالة انخفاض الإستثمار وضعف نمو التجارة.
ورغم ذلك، لا تزال هناك بوادر أمل تلوح في الأفق قد تخرج باتفاق تجاري عالمي يضع حلاً لهذه الحرب، فالحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة دخلت مرحلة خطيرة مع استمرار تبادل الرسوم الجمركية والتهديدات بفرض المزيد منها خلال المرحلة المقبلة، ما سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي أجمع، فهل سنشهد لقاءات واتفاقات بين طرفي الصراع الاقتصادي في المستقبل القريب يحلحل الأمور ويجلب اقتصاداً عالمياً مستقراً، أم سنشهد أزمة اقتصادية عالمية إذا بدأت لا أحد يعرف متى وكيف ستنتهي.