المواجهة الأمريكية ـ الايرانية إلى أين؟
سركيس أبوزيد
وصلت سياسة التضييق الأميركي على إيران الآن الى نقطة الذروة ولم يعد الأمر مجرد عقوبات مالية، وإنما وصلت الى محاولة خنق الاقتصاد الإيراني، مع الدخول في عملية "تصفير" صادرات إيران النفطية.
واضح أن واشنطن ماضية قدما في محاصرة إيران وشد الخناق عليها، وبعد تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية يأتي وقف صادرات النفط، وواضح أيضاً أن ترامب بات مقتنعا أن سياسته الهجومية الضاغطة والحرب الاقتصادية على إيران بدأت تؤتي ثمارها وستدفع بها يوما للعودة الى طاولة التفاوض على إتفاق جديد. وما يفعله ترامب هو محاولة إخضاع إيران لإجبارها على القبول بحوار جديد وإتفاق جديد تطبق فيه الشروط الـ 12 التي أعلنها وزير الخارجية مايك بومبيو. كما أن إدارة ترامب لجأت الى محاصرة الحرس الثوري الإيراني ماليا لسببين أساسيين:
ـ الأول: يتصل بالحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن على طهران كبديل عن الحرب العسكرية، وتريدها حربا شاملة، لذلك فرضت عقوبات مالية على الحرس الثوري الذي يشكل "قوة اقتصادية" هائلة في إيران، عن طريق العديد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات التي تعمل في مختلف المجالات. إضافة الى قوته الأمنية والعسكرية.
ـ الثاني: يتصل بالخطة الإسرائيلية الأميركية الهادفة الى إضعاف إيران إقليميا ووقف تمددها في كل أرجاء المنطقة لأنها تشكل العقبة الرئيسية والكبرى في وجه المشاريع الأميركية، بما في ذلك مشروع ما سُمّي "صفقة القرن".
إيران تشعر بغضب شديد ترجمته في رفع درجة ومستوى تهديداتها. فالحرس الثوري أوصى ترامب بإبعاد سفنه الحربية عن الزوارق الإيرانية، والرئيس روحاني لوّح بإعادة إنتاج أجهزة طرد مركزي متطورة، والمتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية يوضح أن تصنيف إيران للقوات الأميركية في المنطقة بأنها إرهابية يعني أن مواجهة إيران مع الإرهابيين تشمل هذه القوات، في نفس الوقت زاد وزير الخارجية محمد جواد ظريف من إشاراته الإنتقادية بشأن الإجراءات الأوروبية التي اعتبرها غير كافية ولا تعكس إستعدادا لدفع ثمن في مجال استراتيجي (الإتفاق النووي)، مشيرا إلى تراجع السياسة الخارجية مع الدول الأوروبية وتوجه الرئيس روحاني لوضع أساس مستقبل الخارجية الإيرانية في اتجاه إقامة علاقات مع شركاء بلاده القدماء مثل روسيا والصين وتركيا والعراق، أي التوجه نحو الشرق بدلا من التقارب من الدول الأوروبية، وذلك بهدف ضمان علاقات استراتيجية تمنح إيران دعما في مواجهة الولايات المتحدة في مجلس الأمن باعتبار العضوية الدائمة لكل من الصين وروسيا.
في الواقع، لائحة الرد الإيراني على الحصار الأميركي تتضمن خيارات واحتمالات عدة، وهي تواصل التلويح باستخدام أوراق في يدها للرد على العقوبات الأميركية، وقد صدرت مواقف من طهران رافضة للإنصياع للشروط الأميركية، وللتفاوض في ظل الضغوط والظروف الراهنة لأنه سيكون بمثابة "إستسلام"، وارتفعت أصوات التهديد بضرورة الرد الاستراتيجي على القرار الأميركي بإغلاق مضيق هرمز وضرب المصالح الأميركية في الخليج (الفارسي) والقوات الأميركية في العراق . الرد الأمريكي جاء سريعا بتعزيز قواتها العسكرية في البحر المتوسط ونشر حاملة طائرات وقاذفات قنابل في بحر الخليج، ونشر قطع بحرية أميركية لحماية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. وأرادت واشنطن من كل ذلك إرسال رسالة سياسية عسكرية الى طهران أن الهجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائها سيُقابل بقوة.
إيران التي تقلل من شأن التهديدات الأميركية أو لا تأخذها على محمل الجد، بالقول إن إرسال حاملة طائرات وقاذفات أمر إستعراضي ويأتي في إطار حرب نفسية، وقد تحولت إيران الآن الى مستوى آخر من الرد، المستوى السياسي، مع إعلان وزارة الخارجية فيها أنها ستوقف جزءا من الإلتزامات في الإتفاق النووي، وأن الرئيس روحاني بعث رسالة الى الأطراف المتبقية في الإتفاق، حيث كتب رسائل الى الدول الموقّعة على الإتفاق النووي لإبلاغها بأن طهران ستبدأ التراجع عن بعض إلتزاماتها وذلك بالتوقف عن بيع اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة لدول أخرى، وأنها ستستأنف في غضون 60 يوما تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية إذا لم تفِ الدول المتبقية في الإتفاق بتعهداتها بحماية القطاعين النفطي والمصرفي في إيران من العقوبات الأميركية.
يشكل هذا الموقف الإيراني أول رد عملي على الهجوم الأميركي المتواصل منذ الإنسحاب من الإتفاق النووي، فإيران نجحت عبر هذا الموقف في إحداث بلبلة دولية وحالة إرتباك في المواقف وردود الفعل: "إسرائيل" هددت بأنها لن تسمح لإيران بتطوير أسلحة نووية والحصول عليها، الصين دعت كل الأطراف الى ضبط النفس والتزام تطبيق الإتفاق النووي، روسيا تجنبت إدانة الحكومة الإيرانية وفضّلت تحميل واشنطن المسؤولية عن تصرفات طهران بسبب "القرار الأميركي المتهوّر بالإنسحاب من الإتفاق قبل عام. ودعت الأوروبيين الى القيام بخطوات ملموسة من خلال مواجهة العقوبات الأميركية. أما الأوروبيون، فإنهم انتقدوا الخطوة الإيرانية غير المرحب بها، وأظهروا قلقهم من قرار إيران تجميد أجزاء من الإتفاق النووي، ولوّحوا بإعادة العقوبات.
يعتبر محللون سياسيون أن الإيرانيين امام خيارين: إما المواجهة، وإما الجلوس على طاولة المفاوضات، و خيار ثالث هو "الإنتظار الى حين رحيل ترامب" أو "الرهان على تناقضات أميركية داخلية"، فالأنظار تتجه الآن الى رد فعل إيران، وكيف ستتصرف؟ خصوصا وأن الرئيس ترامب لا يفسح في المجال عبر قراراته المتشددة والمتلاحقة، أمام إيران في أن تطبق إستراتيجية الإنتظار، أي انتظار رحيله عن البيت الأبيض، فهذه الاستراتيجية لم تعد متاحة كما في السابق لسببين على الأقل:
أولا، الحصار الأميركي المشدد على إيران لا يتيح لها إنتظارا لعامين في ظل الوضع الاقتصادي "المأزوم".
وثانيا، فرص ترامب بالفوز والبقاء في البيت الأبيض مرتفعة.
القرارات الأميركية المتسرعة تفتح الباب أمام الكثير من الإحتمالات، بما فيها إحتمال التصعيد العسكري، وإن كانت التقديرات ترجح استبعاد مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات الإيرانية والأميركية، وأن تأخذ هذه المواجهة أشكالا أخرى أمنية واقتصادية. والمرحلة القادمة تحمل الكثير من الترقب. وايران جاهزة لكل الاحتمالات.