kayhan.ir

رمز الخبر: 87996
تأريخ النشر : 2018December31 - 19:56

المخطط التركي في سوريا إلى أين؟


سركيس أبوزيد

ترك قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء العملية العسكرية الأميركية ضد تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا تساؤلات عما يمكن أن يحدث للأكراد، شركاء واشنطن الرئيسيين على الأرض، وعما إذا كانت تركيا عرضت أي شيء على ترامب مقابل انسحابه.

وعكست التقارير والمعلومات الواردة من واشنطن وجود علامات استفهام حول أسباب القرار وتداعياته وأسلوب اتخاذه، لأنه يتعارض مع تصريحات كبار القادة العسكريين ومسؤولي الأمن القومي، ومع الأهداف الاستراتيجية التي أعلنتها إدارة ترامب لمساعدة القوات الكردية السورية ومكافحة نفوذ كل من إيران وروسيا.

قصة القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا تبدأ من المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 كانون الأول/ ديسمبر2018، وأوردت صحيفة "الواشنطن بوست" تفاصيلها، فذكرت أن أردوغان كرر على ترامب في هذه المكالمة ما سبق له أن قاله في لقائهما خلال قمة العشرين في الأرجنتين في شأن عجزه عن فهم سبب استمرار الولايات المتحدة في تسليح المقاتلين الأكراد السوريين ودعمهم لشن حرب برية على "داعش".

وفي المحادثة الهاتفية، قال أردوغان إن "داعش"، كما يقول ترامب نفسه، قد هزم، و"إن الجيش التركي قوي بحيث يمكن أن يتولى أي جيوب مسلحة متبقية. لماذا لا يزال هناك نحو 2000 جندي أميركي هناك؟" في إشارة إلى المنطقة الواقعة شرق الفرات في سوريا. فأجاب ترامب: "تعرف ماذا؟ هي (سوريا) لك، أنا سأخرج".

ويتفق ما أوردته "واشنطن بوست" مع ما نشرته صحيفة "حرييت" التركية، التي نقلت عن محضر المكالمة أن ترامب سأل الرئيس التركي: "هل ستتخلّصون من فلول "داعش" إذا ما انسحبنا من سوريا؟" فأجابه أردوغان:"سنتولّى الأمر"، مذكّراً الرئيس الأميركي بأنه سبق لتركيا أن قضت على أربعة آلاف عنصر من "داعش" خلال عملية "درع الفرات" التي شنتها في 2016، وفق قوله.

ويهمس البعض أن ترامب، الذي يهوى الصفقات، قد يكون قايض وقف الضغط التركي على السعودية في ملف الخاشقجي، وفتح الطريق أمام تركيا لتصبح اللاعب الإقليمي بدلاً من السعودية. فلتركيا هاجس أساسي وهو الأكراد. ومن الواضح أن القرار الأميركي يقدم الأكراد للدبابات التركية، ويعطي أمثولة بالغة السوء لكل من يتحالف مع الأميركيين في الشرق الأوسط.

بالنسبة إلى تركيا، يبدو من الواضح أن الأميركيين يريدون إنشاء جيب كردي وتوحيده بطريقة ما مع كردستان العراق من أجل تغيير خريطة الشرق الأوسط لصالح الكيان الاسرائيلي. وهذا الكابوس يتحول إلى واقع ويشكل تهديدا حيويا لتركيا. لهذا السبب يشدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقوة على أن تركيا مستعدة لاتخاذ جميع الإجراءات بما في ذلك الإجراءات العسكرية لمنع مثل هذا الموقف.

لهذا فإن الرئيس أردوغان يعيد جدولة أولوياته في سوريا مجددا، ويسعى في هذا الإطار الى فتح ملف شرق الفرات لإنهاء ملف الأكراد. لذا لم يقتصر التصعيد الأخير على الشق الميداني، بل اشتمل أيضا على تكثيف لافت لتصريحات الساسة الأتراك، وبصورة تستحضر بدايات التحضير لغزو عفرين. وفي التقديرات التركية للوضع في شرق الفرات أن الأميركيين لن يمانعوا الوصول إلى تسوية ما في نهاية المطاف، وأن موسكو لن تعترض على أي خطوة من هذا النوع. وتضع أنقرة في جملة خياراتها احتمال القبول بمنطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي السورية على طول الحدود بصورة تستحضر اتفاق سوتشي الخاص بإدلب.

حاليا، تبدو العلاقات الأميركية ـ التركية أفضل من السابق، وقد قامت واشنطن بسلسلة خطوات لبناء الثقة مع أنقرة، فواشنطن تسعى إلى المواءمة بين أمرين: هزيمة "داعش" وتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة التي تشكل ثلث مساحة سوريا من جهة، والحفاظ على العلاقة مع تركيا باعتبار أن البلدين عضوان في حلف شمال الأطلسي (ناتو) من جهة أخرى.

ونتيجة لذلك فإن الأكراد بعد الإنسحاب الأميركي أمامهم خياران:

- الخيار الأول: هو خوض قتال ضد القوات التركية.

- الخيار الثاني: هو إبرام صفقة مع الحكومة السورية، إذ من الممكن أن يقرر الرئيس الأسد في نهاية الأمر التنسيق والتحالف مع "قوات سوريا الديمقراطية" كونها أقل خطورة من الوجود التركي الذي قد يطول في شمال سوريا.

في المقابل عكست الصحف التركية أجواء سياسية جديدة بخصوص المسألة السورية، إذ بدأت تتحدث عن نهاية الحرب في سوريا، وعن مصالحة قريبة، برعاية محور أستانة (روسيا وتركيا وايران). كتب كورتولوش تابيز في صحيفة "أكشام": "إن الظروف في سوريا باتت ملائمة لتطبيق الحل السياسي ووضع دستور جديد وإجراء انتخابات، تطبيقاً لخارطة طريق أعدتها تركيا وروسيا وايران". ورأى الكاتب أن أميركا هي التي تعرقل إتمام الحل السياسي.

في نفس السياق، دعا زعيم "حزب الشعب الجمهوري" التركي كمال كليجدار أوغلو سلطات بلاده بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى بدء التفاوض مع إدارة الرئيس السوري بشار الأسد.

باختصار، إن أي عملية عسكرية محتملة لتركيا شرق الفرات لن تكون معركة شاملة على غرار عملية "غصن الزيتون"، لأنها ستكون مرتبطة بشكل وثيق بالتفاهمات مع الأميركيين الذين يمتلكون كل أوراق "قوات سوريا الديمقراطية"، وليس لدى واشنطن ما تخسره إذا ما نجحت أنقرة في إقامة منطقة عازلة في شرق الفرات، بدليل أن واشنطن غضت النظر عن الغزو التركي لعفرين. وعلى امتداد الأعوام الماضية أدارت واشنطن لعبة العداء بين أنقرة و"قسد"، بما يضمن إبقاء خيوط اللعبة في قبضتها ويتيح لها الإفادة من النقيضين وفقا لأولويات كل مرحلة.

فالولايات المتحدة الأميركية لا تريد خسارة الأتراك لصالح الروس. ومن الواضح أن ما يحدث اليوم من ترتيبات جديدة في المنطقة يتصل مباشرة بحقيقة التفاهمات التركية ـ الأميركية والأوروبية الجديدة، التي غيرت موقع تركيا في تفاهماتها مع روسيا، وهو مؤشر أيضاً الى أن سوريا مقبلة على رسم خرائط مناطق النفوذ الجديدة. ودخول الجيش السوري الى منبج وتداعياته هو بداية مرحلة جديدة لم تتوضح معالمها بعد.