kayhan.ir

رمز الخبر: 86891
تأريخ النشر : 2018December11 - 20:04

" ربيع فرنسا" الى أين؟


سركيس أبوزيد

إيمانويل ماكرون رئيس لفرنسا منذ ربيع العام 2017، وصل الى قصر الإليزيه من خارج الطبقة السياسية والمؤسسة الحزبية. صعوده كان سريعاً. فاز بالرئاسة ومن ثم عزز فوزه بالسيطرة على البرلمان. ماكرون الذي حاز على شعبية واسعة، يواجه مساراً عكسياً مع تدهور دراماتيكي في شعبيته الى درجة أنه بات الرئيس الأقل شعبية بعد مرور أقل من سنتين. ومثلما كان صعوده صاروخيا، فإنه يواجه خطر واحتمال "السقوط الصاروخي" أيضا، فهذه أسوأ أزمة تواجهه حتى قيل أنها الأسوأ منذ العام 1968. وهذه الحركة الإحتجاجية أتت كمتنفس عن الإحتقانات المتراكمة.

بداية، جاءت "فضيحة بنعالا"، وهو اسم أحد موظفي القصر الرئاسي المولج بشكل غير رسمي مرافقة الرئيس وحمايته الذي صُوِّر وهو ينهال ضربا على ثنائي من المتظاهرين يوم عيد العمال في الأول من أيار من غير أن تكون له أي صفة رسمية. ثم جاءت سلسلة الاستقالات الوزارية، وأهمها استقالة أهم وزيرين في حكومة إدوار فيليب، وهما وزيرا البيئة والداخلية نيكولا هولو وجيرار كولومب، وتأخر ماكرون في تعيين بدائل عن المستقيلين، وتراجعت شعبيته إلى الحضيض إذ بلغت 26 % من الفرنسيين الذين يؤيدون سياسته.

وكان ثمة إجماع في فرنسا على أن التعاطي مع أزمة "السترات الصفراء"، وكبح الأقلية من المخربين والمشاغبين القادمين من أقصى اليمين واليسار، يمران عبر تمكن الدولة من توفير رد مزدوج: أمني من ناحية، للضرب بيد من حديد على من حطم وأحرق ونهب واستهدف قوات الأمن، ومن ناحية ثانية سياسي، لا يمكن أن يكون دون الحد الأدنى المطلوب، أي تجميد زيادات الرسوم على المحروقات التي قررتها الحكومة.

وهناك من طرح الإستقالة تحت ضغط الشارع وأيضا تحت ضغط القوى السياسية والحزبية، حيث يسجل إلتقاء بين اليسار واليمين المتطرف. فقد طالب القائد اليساري جان لوك ملانشون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن باستقالة الرئيس ماكرون وحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، واتهما الحكومة بأنها هي من سمحت بحصول أعمال عنف بهدف ضرب مصداقية غضب شعبي تعجز عن تهدئته.

مشكلة ماكرون اليوم أن الضغوط لم تعد محصورة في الشارع والرأي العام، وإنما تأتي من الأحزاب، يساراً ويميناً، التي تتحين الفرصة للإنقضاض عليه واستعادة ما أخذه في غفلة من الزمن. ومشكلته أيضا أن الإحتجاجات تحولت الى "سلة مطالب" تتضمن خفض الضرائب وزيادة الحد الأدنى للرواتب ورفع المعاشات التقاعدية.

"التمرد" خرج عن دائرته الضيقة، واتسع ليشمل مطالب اجتماعية وأخرى سياسية. مطالب اتخذت أشكالاً أكثر حدة، كإحراق عشرات السيارات واستهداف بعض المحتجين "قوس النصر"، ليكتبوا على واجهته عبارة: "ستنتصر السترات الصفراء"، فيما كتب آخرون على "دار الأوبرا: "ماكرون = لويس السادس عشر"، آخر ملوك فرنسا قبل الثورة.

يجهد الرئيس ماكرون في احتواء الأزمة التي باغتته وهزت إستقرار باريس الأمني والاقتصادي، المتمثل بحركة "السترات الصفراء"، الذي تلا "سبتاً أسود" عمم الفوضى. وبعد أن ترددت الحكومة طويلاً ومانعت في التجاوب مع مطالب "السترات الصفراء" بحجة رفض الخضوع لضغوط الشارع، اضطرت إلى التراجع بعد أن اقتصرت الخيارات المتاحة أمامها بأحد أمرين: إما المكابرة وعدم التراجع، وبالتالي ركوب المخاطر بمواجهة موجة أكبر من العنف والمطالب، وإما التراجع والانحناء أمام الموجة التي ما زالت رغم أعمال الشغب والعنف تحظى بتعاطف شعبي لم ينزل تحت عتبة 70% وفق آخر استطلاع للرأي.

لقد بدأ النموذج الاجتماعي بالتآكل مع انطلاق مسار العولمة الاقتصادية التي ظنت النخب الغربية أنه سيفضي إلى تعزيز هيمنتها السياسية والاقتصادية على العالم ويسمح لها بالتحرر من العقود والضوابط الاجتماعية الداخلية.

لم تكن نتائج العولمة كما توقعتها النخب الفرنسية والغربية. فقد سرّعت من صعود منافسين اقتصاديين وسياسيين غير غربيين، وإلى بداية تراجع نفوذ القوى الغربية وحصتها من الأسواق العالمية. ومع تزايد حدة المنافسة مع الصاعدين الجدد، باتت النخب الحاكمة في الغرب معنية بإقناع شعوبها، وليس أصحاب الرساميل الكبرى، بضرورة شد الأحزمة وتقديم التضحيات لتستطيع الشركات الفرنسية منافسة تلك الصينية أو الهندية وإلا فإن أوضاع الشعوب ستزداد بؤسا.

لقد إنطلق ماكرون، مدعوما من أكثريته النيابية، في كسر "النموذج الاجتماعي" الفرنسي القائم على دولة الرعاية، وضرب قانون العمل الذي هو نتيجة نضالات شعبية ونقابيّة طويلة تعود إلى "الجبهة الشعبية" عام 1936، وذلك خدمة لمنطق السوق وأرباب العمل، والمصالح الرأسمالية. ولم تستطع ثنيه عن عزيمته المعارضة الخجولة التي نزلت إلى الشارع. لكن كان يكفي أن تقرر حكومته رفع الضريبة على المحروقات حتى يلتهب الشارع، ويشتعل حريق بات من الصعب إخماده.

كما ساهمت شبكات التواصل الإجتماعي، وخصوصا الـ"فايسبوك"، في مساعدة الناس على إذكاء جذوة الغضب والسخط.

الإحتجاج الاجتماعي الذي انطلق اعتراضا على رفع أسعار الوقود، آتٍ من بعيد. فهو نتاج لجميع السياسات النيوليبرالية التي جرى تطبيقها منذ عقود من قبل جميع الحكومات المتعاقبة، اليمينية منها واليسارية. فتظاهرة "السترات الصفراء" استقطبت أبناء الطبقة الوسطى المنشغلة برخائها وامتيازاتها الاجتماعية، بكل أطيافها السياسية من "اليمين المتطرف" إلى "اليسار الشيوعي". لكن الدينامية التي تحركها هي في العمق نتيجة تراكم حقيقي للنقمة الشعبية على منظومة اقتصادية وسياسية يحكمها البنك المركزي الأوروبي، وتشكل ملامحها منطق السوق على حساب الرخاء والأمان الاجتماعي.

الانتفاضة الشعبية في فرنسا، على طريقة "الربيع العربي" ولكن تحت سقف "الشتاء الأوروبي"، إتخذت أبعاداً مفاجئة ومقلقة باتت تهدد الرئيس الفرنسي بالترنّح، واتسمت بالعفوية وبرفض الحزبية الضيقة، بحيث يصعب احتواؤها من قبل قوة سياسية حصرية. هل تستمر وهل تتمدد في اوروبا؟ سؤال من دون جواب في الوقت الحاضر.