kayhan.ir

رمز الخبر: 861
تأريخ النشر : 2014May20 - 21:11

دعاة الديمقراطية يمنعون الانتخابات حتى في الاردن

اسماعيل القاسمي الحسني

لا أدري في أي عُرف دبلوماسي، ولا وفق أي معاهدات دولية، يحدث أن تمنع دولة ما على سفارة معتمدة لديها، اجراء انتخابات وتحرم جالية من ممارسة حقها المكفول في كل المواثيق؟ يكون الموقف مفهوما لوأنه صدر عن سياسيين مستقلين، ومقبولا كذلك لوجاء كرأي لمفكرين ومعنيين بالشؤون الدولية، لكن أن يفكر فيه وزير خارجية دولة، فهذا ما لا يمكن فهمه ولا تفسيره.

لا نحتاج للقول بأن الصف العربي منقسم، ليس بداية من الأزمة السورية، كما يتوهم البعض، بل من لحظة معاهدة كامب ديفيد، ولا يمر عقد على الامة الا وتتعرض لكارثة تكرسه وتزيد الهوة اتساعا، ولعل انفصال مشرقها عن مغربها ترسخ مع حرب الخليج الفارسي 1991، ثم احتلال العراق الذي أشّر على بداية تفسخ المشرق العربي نفسه، وما بلغنا 2011 إلا والأمة العربية تحديدا، تتوجس من تشققات أخرى لم تسلم منها حتى دول الخليج الفارسي التي عُرفت بالوحدة، كمُكوّن مُتميز عن باقي العالم العربي، لا أدل على ذلك من تدهور العلاقات البينية، وتباين المواقف حيال المستجدات؛ ويبدوأن الأزمة السورية ستكون تداعياتها على الأمة، غاية في الخطورة وعلى دول المنطقة بشكل أخص.

لقد أفرزت الأزمة السورية مواقف عديدة بالغة الغرابة والعجب، ليس على مستوى الدول المحيطة بها، بل كذلك على المستوى العالمي، ومنها تلكم التي اتخذتها مؤخرا فرنسا وألمانيا، حين منعتا الجالية السورية المقيمة على أراضيها، ممارسة حق لطالما زعمت الدولتان أنها تدعمه، وتسعى للتبشير به بين شعوب العالم، خلاف بقية الدول الاوروبية الى حد ساعة كتابة هذا المقال على الأقل، وإن توارت قيادة الدولتين خلف مبرر شبه موضوعي، وهوعدم اعترافهما بشرعية النظام السوري، مع أنه يحمل في طيه تناقضا صارخا، فالانتخابات الرئاسية فرصة للشعب السوري لأن ينزع الشرعية عن الرئيس بشار الأسد، كما يزعم خصومه الدوليون، خاصة وأنها ستتم تحت أنظار إعلامهم وعلى أراضيهم، كان على هؤلاء استغلالها والسماح للجالية السورية بممارسة حقها، وعلى ضوء سير عمليتها ونتائجها يمكن لألمانيا وفرنسا أن تقدما للعالم ما يدعم تقديرهما؛ غير أن منع الجالية عن ذلك، قد ينطوي على توجس قيادة الدولتين من انكشاف أمرهما، ويتبين لشعوبهم وإعلامهم بأن قرارهما لم يكن مبنيا على سياسة واقعية، وإنما على قواعد الدجل والتصورات الوهمية. مع ذلك نفهم موقف القيادة السياسية للدولتين، من منظور الخلفية التاريخية، والصراع المستديم بين الحضارتين بكل تفاصيله السياسية والعسكرية وغيرهما.

ما يتعذر فهمه ويصعب تبريره هوما تشي به تصريحات معالي وزير الخارجية الاردني ناصر جودة، والتي تضمنت ايحاء بمنع اجراء الانتخابات الرئاسية السورية على الجالية في الاردن، وقدم بين يدي هذا الموقف المحتمل مبررا نعتقد أنه لا يقوم على منطق سليم، مفاده انقسام الشعب السوري حول الانتخابات، والتخوف من حدوث صدامات بين الطرفين، مستدلا بحادثة وقعت قرب السفارة السورية بعمان مؤخرا؛ وهنا لنا ملاحظتان:

أولا – يبدوأن الانقسام هوبحد ذاته دافع قوي وحجة موضوعية لإجراء انتخابات، ذلك أن الأخيرة هي السبيل الحضاري المتمدن، الذي يفصل في أي خلاف وإن ارتقى الى صراع، وإن كانت القيادة السياسية في الاردن تزعم أنها تؤمن وتعمل بمبادئ "الديموقراطية”، فعليها أن تشجع الطرفين على القيام بحملتيهما، هذا يدعولانتخابات رئاسية متعددة الخيارات، والآخر يدعووذلك من حقه الى مقاطعتها وعدم المساهمة، وعلى الجالية السورية أن تختار بحرية ما تراه مناسبا؛ لا يمكن أن يحدث في مثل هذه الحال أي صدام متى التزم المقاطعون بيوتهم، ولا أعتقد أن الداعين للانتخابات سيهاجمونهم ليسحبوهم بالقوة لصناديق الاقتراع.

ثانيا – الاحداث الأخيرة التي أشار لها معالي الوزير، تابعناها بكل تفاصيلها، ومن المؤسف أن ينسبها الى غير واقعها؛ لم يعد خفيا ولا هووليد أمس الخلاف مع سعادة السفير السوري بالأردن بهجت سليمان، وقد حدث لغط وصدام لفظي وإعلامي مرات عديدة، وثبت بعد سكون العواصف المفتعلة، أن الحق كان لصف السفير السوري، ولم تلمس القيادة العليا في الاردن أي دليل جدي، يمكن الاستناد عليه لاتخاذ موقف طالما سعى لتحقيقه البعض، لكن يبدوأن هذا البعض يعمل المستحيل لاختلاق صدام فعلي بين الدولتين الجارتين الشقيقتين؛ تلقينا منذ أيام شكوى العاملين في الفضائيات السورية بالأردن، وقرأنا عن المضايقات التي يتعرضون لها من قبل مصالح تابعة لوزارة الداخلية تحديدا، وأبينا اثارة الموضوع سعيا منا حينها للملمته؛ ونحن على تواصل مستمر بالمعنيين من الجانب الرسمي السوري كذلك، والحقيقة التي نقلتها الصورة فضلا عن المصادر، أن ما استدل به معالي الوزير، هواعتراض عناصر أمنية أردنية لصحفيين سوريين كانوا يغطون نشاطا سوريا لدى سفارة بلدهم، والخلاف وقع بينهما ولا دخل هنا على الاطلاق لما يسمى المعارضة السورية. وكان حريا في هذا المقام تقديم الشكر والثناء للسفير السوري الذي تدخل لفك الاحتكاك المفتعل، ويقينا ليس من قبل السوريين، كما كان حريا بمعالي الوزير أن يتحقق أكثر من الأمر، قبل أن يعتمده عذرا لإمكانية منع ممارسة السوريين حقهم المشروع. ولعله من المفيد التذكير بمنع الاعلاميين السوريين في الاردن من دخول مخيم الزعتري، مع أنه سُمح لإعلام العدوالاسرائيلي، بتصوير تحقيق فاضح حول بيع أعراض الفتيات السوريات لأثرياء عرب.

من المؤسف جدا أن قادة الدول العربية، لا يعون بحق ان جميعهم في سفينة واحدة، وكل منهم يدق مسمارا فيها ظنا منه بأنه سيغرق أخاه فقط، وأنه غير معني هوبنتائج الثقوب التي يحدثها؛ نهيب بالقيادة في الاردن أن تراجع سياستها وخياراتها حيال سورية أزمة وشعبا وقيادة، وتردها الى ما ينسجم ومصالح الأمة، أوعلى الأقل بما يتفق والأعراف والمعاهدات. ونربأ بها أن تصب في مصلحة فرنسا ومن لف لفيفها وعلى رأسهم العدوالاسرائيلي.