‘غيفارا’ اليمن يغير المعادلات في المنطقة
أحمد الشرقاوي
الحوثي يصنع التاريخ..
أخيرا، أصبح للعرب رجل يستحق أن يحمل لقب "غيفارا” المخلص، شاب يمني أصيل يحمل كل مواصفات القائد الكبير.. وهو يخطب، تشعر أنك أمام أحد الأعلام الذي يخاطبك بصدق، بمنطق بسيط، ولغة سياسية يفهمها الجميع، ويقتنع بمضمونها كل ذو قلب سليم وعقل نظيف.
رجل عقلاني له رؤية لليمن الجديد، ليكون سعيدا فعلا لا قولا فقط، يتعامل بجدية وحزم مع تطورات الميدان.. صلب لا يلين، وشامخ لا ينحني، وشجاع لا يهاب السعودية وأمريكا وجوقة المجتمع الدولي.. رفع شعار "مصلحة الشعب فوق الجميع”، فالتف حوله الشعب اليمني المظلوم حين شاهد في بريق عينيه الخلاص الجميل، وفي حديثه الوعد الصادق.. وقد أثبت بالقول والفعل، أنه منقذ اليمن المنتظر منذ عقود.. ولا غرابة، فالأمر يتعلق بميلاد قائد كبير، خريج مدرسة المقاومة.
من السابق لأوانه الحديث عن إنتصار كامل ونهائي للثورة الشعبية اليمنية، ثورة المستضعفين والشرفاء من اليمنيين، ضد الظلم والفساد والتدخل الخارجي (السعودي تحديدا)، والتي قادها السيد عبد الملك الحوتي الذي يستحق عن جدارة لقب "الزعيم المخلص”.. غير أن ما حققه هذا الرجل في ظرف وجيز يكاد يلامس المعجزة.. من إحتجاجات سلمية تحولت إلى إعتصامات ووجهت برصاص السلطة بأمر من وزير الخارجية سعود الفيصل الذي أنب الطرطور ‘هادي’ على تراخيه في مواجهة الحوثي، فانقلبت الصورة، حيث تطورت الأحدات بسرعة مذهلة بما لا تشتهيه رياح السعودية.
من الواضح أن الرجل كان يعمل وفق خطة مدروسة بسيناريوهات متعددة، وما كان له أن يقدم على هكذا مغامرة ويتحدى السعودية والمجتمع الدولي لولا ثقته في نفسه ورجاله وشعبه أولا، ودعم الحلفاء والأصدقاء ثانيا.
المشهد يشبه فيلم "أكشن” سريع.. سقطت كل مؤسسات الدولة في يد اللجان الشعبية بما في ذلك رئاسة الحكومة، وقيادة الجيش، ووزارة الدفاع، والبنك المركزي، والإذاعة والتلفزيون… وتبين أن اليمن كان دولة موز فاسدة، له جيش مرتشي لحماية كراكيز السعودية لا للدفاع عن البلاد والعباد (إلا من رحم الله).
وبرغم هذا الإنجاز الذي أدهش العالم، فبعث الرعب في قلوب حلف المتآمرين الدوليين والإقليميين، وأدخل البهجة والسرور على حلف الممانعة من بيكين إلى غزة، إلا أن "الحوثي” لم يستأثر بالسلطة وهو في موقع قوة وتمكين، لسبب بسيط جدا، وهو أن الثورة، وبعكس ما كان يروج لذلك المرتجفون، ليست ثورة الحوثيين لتنعث بالطائفية، بل ثورة الشعب اليمني الأبي بكل أطيافه، فوضع مصير اليمن بيد الشعب اليمني ليقرر من يحكمه، وهذه قمة أخلاق المقاومة، تذكرنا ب- 7 أيار في لبنان، حين كان بإمكان حزب الله أخذ البلد بين ليلة وضحاها، لكنه بمجرد أن أخمد الفتنة وسلم المجرمين للجيش اللبناني، إنسحب إلى معاقله وترك قرار لبنان للبنانيين جميعا.. فظلت البلاد معلقة منذئذ، تترنح بين فراغ وفراغ إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
لا نريد الخوض في هذا الوقت المبكر في سيناريوهات المرحلة المقبلة، والتي يبشرنا البعض بأنها ستكون حربا أهلية.. لكن حرب من ضد من؟ إذا كان من ثار ضد النظام هو الشعب وليس الحوثي فحسب، وانضم للثورة المباركة عديد ضباط وجنود الجيش والأمن، حتى وزير الداخلية أمر قواته بالتعاون مع الحوثي الذي أصبح الآمر صاحب القرار في اليمن، بعد أن أعلن الرئيس ‘هادي’ الإستسلام، وانهزم جند الإخوان، وفتحت الثكنات العسكرية أبوابها ومخازنها للجيش الشعبي الجديد الذي سيتولى الأمن في البلاد، كل الوزارات ومؤسسات الدولة سيطرت عليها اللجان الشعبية التي ستحرسها إلى غاية ظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود في ما له علاقة بتنفيذ الإتفاق الجديد الذي أشرف عليه السيد جمال بن عمر مبعوث الأمم المتحدة لليمن.
أما على المستوى الدولي، فهناك قلق أمريكي وأطلسي، بعد أن خلص خبراء إلى أن سقوط اليمن له تبعات كبرى على مستوى المنطقة والعالم، فإيران أصبحت اليوم بحكم الواقع، دولة إقليمية عظمى، شاء من شاء وأبى من أبى، ومصالح العالم المرتبطة بالممرات المائية، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب والبحر الأحمر، أصبحت تحت رحمة طهران.. أما الحوثي فقد تحول إلى حزب الله الثاني، وعلى السعودية المبادرة للتعامل مع هذا الوضع الجديد بعقلانية، بعيدا عن منطق التحدي والتصعيد، لتلافي الثورة التي بدأت تباشيرها تلوح من أفق الجنوب.. لقد أنتهى أكثر من نصف قرن من الهيمنة السعودية على اليمن وتفقير شعبه وحرمانه من إستغلال ثرواته وإحتلال أرضه الغنية بالنفط..
إن اليمن يحوي في باطنه ما يوازي إحتياطات السعودية أو يقل قليلا من البترول.. وكون إيران ترقد على أكبر مخزون من الغاز في العالم، وتتحكم في الممرات المائية الدولية التي تشكل شريان الإقتصاد العالمي، بالإضافة لمخزون نفط وغاز محور المقاومة (العراق، سورية، لبنان)، وبتحالفها مع روسيا والصين، وقرب إنضمامها لمنظمة شانغهاي، أصبحت إيران قوة فوق إقليمية، تصنع بمعية شركائها وحلفائها القرار السياسي في المنطقة والعالم، وأي محاولة لتجاوزها ستصطدم بالفشل.. إننا نتحدث هنا عن قوة ستفوق قوة الولاىيات المتحدة وحلفائها في بضع سنين، وستتحكم في عصب الإقتصاد العالمي.
فهنيئا للشعب اليمني بثورته المباركة، وهنيئا لإيران ومحور المقاومة بهذا الإنتصار الإستراتيجي الكبير الذي سيغير وجه المنطقة والعالم، بلا مبالغة.. وها هي المفاجأة تأتي من نيويورك أمس، حيث سارع الوزير ‘جون كيري’ بعد إجتماعه بالسيد ‘محمد ضريف’ إلى الضغط على ‘سعود الفيصل’ لفتح حوار جدي مع إيران حول الأمن والإستقرار في المنطقة، وأن لا حل أمام مملكة الشر والظلام غير مراجعة سياساتها العدائية تجاه إيران، بعد أن فشلت كل محاولات إحتوائها.
فخرج ‘سعود الفيصل’ بعد لقائه ب- ‘ضريف’ ليقول: "أن السعودية وإيران دولتان لهما نفوذ في المنطقة، وأن تعاونهما من شأنه تحقيق الأمن والإستقرار” مضيفا، أنه يجب أن نبدأ صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وأن نستفيد من أخطاء الماضي لنتقدم إلى الأمام”.
كلام جميل وسليم، لكن.. هل تفلت السعودية بجلدها من الدماء الطاهرة التي أسالتها في بلدان محور المقاومة والخراب الذي نشرته فيها من العراق إلى لبنان، بمعية إسرائيل وبمباركة أمريكية؟..
قد يكون منطق "رابح.. رابح” الذي تتعامل به إيران في السياسة مفيدا لتلافي الأسوأ، ألا وهي الفتنة المذهبية التي تعمل عليها إستراتيجية ‘أوباما’ بمساعدة السعودية نفسها، لتطهير المنطقة من المكون "الشيعي” لفائدة "الديمقراطية السنية” الجديدة بالمفهوم الأمريكي، وصولا إلى محاصرة إيران وراء مياه الخليج الفارسي.
لكن، الإعتقاد بأن السعودية ستغير من نهجها، وتصحح أخطاءها، وتتعامل بإيجابية وحسن نية مع قضايا المنطقة بالتعاون مع إيران بعيدا عن التعليمات الأمريكية والإسرائيلية، هو إعتقاد أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه يمثل قمة السذاجة السياسية. وهذا تعرفه إيران يقينا كما تعرف سوء نية أمريكا وإصرارها على تسعير الحروب ضدها وضد حلفائها بالوكالة ومن خلال إدارة الإرهاب في المنطقة.
كما وأن الملفات التي ستكون مطروحة على طاولة المفاوضات، منها الذي يمكن حله كقضية العراق ولبنان واليمن، لكن هناك الملف الأبرز والأهم والأخطر، ألا وهو الملف السوري، وواهم من يعتقد أن السعودية التي قررت تدريب المعارضة السورية على أراضيها للإطاحة بنظام "الأسد”، تستطيع أن تصل إلى حل مرضي بشأنه، بسبب البعد الدولي لهذا الملف الحساس، بما يتجاوز حدود قدرة البلدين على إتخاذ القرار بشأنه..
لأن في سورية ولد النظام العالمي الجديد، وفي سورية تدور الحرب العالمية الثالثة، والتي على ضوء نتائجها، بالإضافة لما يجري في العراق وأوكرانيا، ووما حدث في اليمن، وما قد يحدث في لبنان، وربما فلسطين، سيتم تحديد معالم النظام العالمي المتعدد الأقطاب الجديد.
قد يكون التقارب الإيراني السعودي على شاكلة الإيراني التركي، حيث الإختلاف في بعض الملفات السياسية كسورية مثلا، لا يحول دون التعاون في مجالات أخرى تتقاطع فيها مصالح البلدين، في حين أن السعودية لا تتعامل بهذا النوع من البراغماتية السياسية، وتحاول الإنتصار بسيوف الآخرين، وحين تفشل، تستنجد بالإرهاب لنشر الموت والخراب.
وفي الختام، سيكون من المفيد للسعودية أن تعي الدرس من كل ماحدث، وتقتنع في النهاية أن سر إنتصار إيران يكمن في إستثمارها في الشعوب، ووقوفها مع المظلومين والمستضعفين، وتمكينهم من وسائل القوة للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم وإيجاد مكانة لهم في لعبة الأمم كقوى فاعلة مشاركة في القرار..
وأن سر هزيمة السعودية وفشل كل سياساتها التآمرية الخبيثة، يكمن في أنها كانت دائما تستثمر في الحكام الفاسدين المستبدين، الذين يقمعون شعوبهم خدمة للإقطاع ومصالح أمريكا وإسرائيل..
هذا الزمن إنتهى، والمنطقة تشهد تحولات كبرى، فإما تحول جذري يضمن لمملكة الظلام حصتها في النفوذ بالمنطقة كممثلة لما يحلو لها أن تسميهم "السنة” أو فلتتحضر لما كان قد حذرها منها سماحة السيد ذات خطاب: "الهزيمة الكبرى”.