النهج الاقصائي للسنيورة والنهج الالغائي لـ’داعش’
علي عوباني
بسطحية مطلقة وسذاجة مفرطة، يحاول البعض تغيير المفاهيم، فيخلط حابلها بنابلها، مردداً ومنظراً بإطلاق شعارات وعبارات ونظريات ما انزل الله بها من سلطان، خلط المفاهيم هذا هو جزء من حملة مبرمجة تستهدف اعادة صياغة الوعي اللبناني على سلم اولويات ضعيفة واهنة لا تميز بين قوة لبنان وضعفه بين ما هو مقاومة وما هو ارهاب لاانساني، بين ما هو خطف واسر، بين احتلال، وسيادة، بين نصر وارتهان وصفقة ومقايضة، بين اقصاء والغاء، ومشاركة وعيش مشترك.
الترهات التي لا تستقم مع اي منطق، اوصلت البعض مؤخراً الى معزوفة "تبريرية"، هجينة، جعلته يقارن بين التفاوض غير المباشر لتبادل الاسرى مع "اسرائيل"، والتفاوض مع "داعش" لاطلاق العسكريين المخطوفين، يتجاهل هؤلاء عن عمد او غير عمد ان لا مجال لمقاربة من هذا النوع، وان الفارق كبير بين التفاوضين، فكيف لمن لم يستسغ يوماً سوى فكرة المؤامرة بوجه المقاومة ولمن حاول شطبها يوماً من سجل العرب، بعد ان اخرجها من قاموسه، كيف له ان يفقه –مع ما لذلك من دلالات قانونية - ان من في سجون الاحتلال الصهيوني هم أسرى حرب لدى كيان محتل بمفهوم القانون الدولي الانساني، أما من لدى "داعش" فهم مخطوفون من قبل تنظيم ميليشياوي ومجموعات مسلحة صدر قرار دولي بالاجماع حول ادانته وضرورة محاربته وايقاف تمويله.
اولئك الذين طبلوا وزمروا للسيادة والحرية والاستقلال، أين هم من تلك الشعارات الفارغة والفارهة وهم يهرولون اليوم للارتماء باحضان "داعش" ويتحولون الى مجرد ابواق في ماكينتها ومنظومتها يسوقون شروطها وافكارها، فكيف يوفق هؤلاء بين سيادة اتخذوها شعاراً وبين المناداة بالتفاوض ومن موقع الضعف مع تنظيم ارهابي يحتل حيزاً من مساحة لبنان، الا يتسبب هكذا تفاوض باضعاف الشعور القومي، وينقص من هيبة الدولة اللبنانية وسيادتها، ويظهرها خاضعة خانعة امام ضغوطات وتصرفات ميليشياوية، فعوضاً عن فرض سلطتها على الارض والظهور بمظهر السلطة الحاكمة النافذة التي تمتلك
التفاوض مع "داعش" ينقص هيبة الدولة وسيادتها ويتسبب باضعاف الشعور القومي فيها
مقومات الدولة القادرة، تظهر وكأنها رهينة بيد الخاطفين وانها مخطوفة الى جانب المخطوفين، يبتزها التكفيريون ويعبثون بها بفرض شروطهم واملاءاتهم عليها غير آبهين، بعدما اضحت دولة بلا انياب. اليس ذلك يناقض تماماً التجارب الرائدة والنموذجية التي خاضتها المقاومة من موقع القوة لاطلاق سراح الاسرى بعمليات تبادل مع العدو والتي حققت السيادة الوطنية الفعلية، وارتقت بمفهوم الحرية الى معناه الانساني الحقيقي حيث لا غبار عليه.
ابعد من ذلك، كيف يغيب عن بال هؤلاء وفيهم "زعماء" و"رجال دولة" ان التفاوض مع تنظيم ارهابي كـ"داعش" يعني اقراراً بوجوده، ويعني اعترافاً من قبل الدولة اللبنانية به وشرعنته، فهل المقصود من هذه السيمفونية التضليلية اضفاء الشرعية على هذا التنظيم، في وقت بدأ يتشكل اجماع دولي حول ادانته؟!.
واذا كان وجه الشبه الوحيد في مقاربة السنيورة وحلفاؤه عملية التفاوض مع كيان اسرائيل وكيان "داعش"، ان كلا الكيانان وان اختلفا في الشكل ما بين "دولة" و"تنظيم" فانهما ارهابيان، لا يختلفان في المضمون والجوهر، فـ"داعش" "فتوتوكوبي" مستنسخة عن "اسرائيل" اذا لم نقل نسخة محدثة ومنقحة عنها، وبالتالي هما وجهان لعملة واحدة، والتاريخ يشهد، على ممارساتهما غير الانسانية وغير الاخلاقية من ارتكاب المجازر، الى الاعدام الجماعي، والتهجير، والتطهير العرقي،.. فاللافت ان منطق وسلوك السنيورة لا يشبه احد سوى سلوك "داعش" ونتنياهو، فـ"اسرائيل" نفسها وعلى لسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وضعت حزب الله و"داعش" في خانة أعداء الانسانية، وهو ما سمعناه في فلتات لسان السنيورة وبعض نواب كتلته، ما يطرح تساؤلات حول سر هذا التشابه ما بين خطاب السنيورة وخطاب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، الى حد وصلت فيه مضامين الخطابين الى حد التطابق، وكيف وجدت تلك التعابير والمفردات لها صدى في بيروت، وترددت على ألسنة "ملهبي" الفتنة في لبنان؟.
انطلاقاً من ذلك، يبدو ان بعض الجهات تحاول اليوم الهروب الى الامام للتغطية على ارتكاباتها وتورطها الفاضح في دعم المسلحين في عرسال، واحتضانهم، والا كيف يفسر السنيورة نفسه تحول تصويب نواب كتلته الشماليين المستمر على الجيش، الى استهداف لعناصر الجيش واختطاف لهم في اكثر من مناسبة لم تكن عرسال اخرها؟، الا يندرج ذلك في خانة التحريض وتمهيد الارضية، والاشتراك في الجرم؟، ألا يتعدى ذلك فكرة البيئة الحاضنة والمحتضنة، الى البيئة الحامية والمحرضة.
ولطالما حّبذ اللبنانيون تصديق اجترار البعض لمقولة "الاعتدال" لكن الوقائع والتجربة اثبتت ان خطاب هؤلاء "داعشي" تكفيري الغائي، لا يمت للاعتدال بصلة، يلوح بالهبات والاموال السعودية، بينما عملياً يضرب الجيش آخر المؤسسات الضامنة للوطن، بعدما اورثنا هياكل عظمية لمؤسسات الدولة المالية والاقتصادية، فجنوح السنيورة وبعض نوابه "الداعشي" مارسه هؤلاء مراراً من خلال لعبة تمييع الحقائق والتأرجح بين كفتي التطرف والاعتدال عبر دعم
بعض الجهات تحاول الهروب الى الامام للتغطية على ارتكاباتها وتورطها الفاضح في دعم المسلحين في عرسال
الجماعات الاصولية وتثمير الحالات الشاذة التي انتجتها لتجييرها في حساباتهم الداخلية والاقليمية، لكن هل تجرأ هؤلاء يوماً الافصاح عن حقيقة ادوارهم المشبوهة وعلاقتهم بالجماعات التكفيرية منذ "فتح الاسلام" في نهر البارد، مروراً بظاهرة الاسير، وصولاً الى الجماعات المسلحة في طرابلس وعرسال.
ثم أليس التكفير أداة السنيورة السياسية، طوال السنوات الاخيرة، سواء لجهة وصمه وبعض نوابه بـ"صقور 14 اذار" كونه اقرب واشبه بحلفائه المتطرفين الالغائيين الذين خاضوا حروب الغاء في الحرب الاهلية كـ"القوات اللبنانية"، او سواء في الخطاب السياسي الطائفي والغرائزي، الذي يلعب على الوتر المذهبي تحقيقاً لمآرب سياسية آنية ضيقة، او حتى بالممارسة والاداء التي تشي باحتكار السلطة والهيمنة على مقدرات البلد، فاذا كان تكريس صيغة العيش المشترك الواردة في وثيقة الوفاق الوطني، تطلب سنوات فإن النهج الاقصائي للسنيورة نسفها بلحظات، تجسد ذلك بالحكومة البتراء التي قادها على مدى سنتين، بغياب أبرز مكوناتها، هذا النهج الاقصائي الا يأتلف مع النهج الالغائي لـ"داعش"، بل الا يشكل لبنته الاساسية؟.
من الواضح ان الممارسة السياسية للسنيورة وبعض نواب كتلته "داعشية" تكفيرية الغائية، تضعف مؤسسات الدولة تحت عنوان "المؤسسات"، وترفع شعار "لبنان اولاً" بينما الممارسة تظهره آخراً، تتحدث عن بناء الدولة وتهدم مقوماتها، تصف نفسها بالاعتدال، بينما هي بعيدة عنها بعد السماء عن الارض، تحتضن التكفيريين، وتدعمهم وتنميهم في كنفها، وتدافع عنهم، وتوفر لهم كل مقومات العيش والنمو. ثم انه لا يخفى على أحد ان مروجي المقاربات غير الواقعية وغير الموضوعية كالمقاربة الداعية للتفاوض مع "داعش"" انطلاقاً من تجربة التفاوض مع "اسرائيل" يحاولون ذر الرماد في العيون، لتضليل الرأي العام والتنصل من مسؤوليتهم عمّا وصلت اليه الامور اليوم، لاسيما بعد الانجراف اللامحدود لنفي وجود "القاعدة" في لبنان يوم حذر منها وزير الدفاع السابق فايز غصن، فهل تنفع المكابرة السياسية بعد اليوم؟ هل ينفع هذا التغاضي المميت عمّا يجري، هل ينفع دس الرؤوس في الرمال، ام انه آن الاوان لتواضع البعض والنزول من برجه العاجي، قبل ان يسقط البرج على رؤس الجميع؟.