تفاوض ام املاء؟
1ـ يذكر ان شخصا كان قد ارتكب خطأ فاحشا وتضرر كثيرا، وهو يقول: ليتني سمعت نصيحة ابي واخذت تحذيره على محمل الجد. فسألوه وماهي نصيحة ابيك؟ فاجاب لا اذكر، كلما في الامر اني لم اسمع نصيحته ولست ادري عن ماذا ومن اي شيء حذرني؟!
وكما قيل الامثال تضرب ولا تقاس فلربما تكون المزحة اكثر وقعا من عدة مقالات وساعات من الخطابة. من هنا ومع الاعتذار ينبغي القول؛ لقد لاحظنا مدى الخسائر التي ترتبت على خطة العمل المشترك منذ الايام الاولى لتطبيقها، ومنذ ذلك التاريخ والى اليوم نشهد ابتزازات جديدة من الخصم جراء عدم التفات الحكومة المحترمة والفريق النووي لبلدنا، للتحذيرات المتكررة والموثقة للمنتقدين المتحرقين. الانتقادات التي ترجمت على ارض الواقع اليوم، ولكن فريقنا المفاوض مازال غير مستعد لقبولها ويصر على النهج الباعث للاضرار الذي سلكه من قبل.
2 ـ فبالامس صرح الدكتور ظريف وزير الخارجية ردا على تصريحات ممثلة اميركا لدى الامم المتحدة السيدة "نيكي هيلي"، قائلا: "ان خطة العمل المشترك تتضمن اطارا كاملا قد حدد سبله في جميع المجالات وقد تم التدقيق في سجاله ونصوصه"!
إلا ان فريقنا المفاوض لم يوضح؛
الف: ان كانت خطة العمل المشترك قد كتبت بدقة! فلماذا الخصم يطالب في كل فرصة بابتزاز جديد، اعتمادا على فصول كتبت بشكل تحتمل تفسيرين وقد غفل عنها فريقنا النووي للاسف الشديد؟!
باء: ولماذا الى الان ليس لم يتم التوصل الى الهدف الاساس للمفاوضات وحسب بل تضاف عقوبات اخرى في كل فترة، يمثل اقرار "العقوبات الام" احدث نموذج لها؟!
جيم: واذا يعتبرون عدم وفاء اميركا نقضا لخطة العمل المشترك فلماذا يهابون الافصاح عنه ويتجنبون ذلك بشدة؟ واذا لم يعتبروه نقضا لخطة العمل، فينبغي ان يجيبواعلى التساؤل المنطقي انه كيف تكون المفاوضات والنصوص الدقيقة والخصم تمكن ليس بالتملص بسهولة من عهوده وحسب بل طالبوا بامتيازات اضافية؟!
هذه الحالة اذا لم تكن نقضا لخطة العمل المشترك فهي بوضوح تعكس وخلافا لتصريحات ظريف فخطة العمل لم تكتب بدقة، ومع الاعتذار لابد من القول: ان فريقنا المفاوض لم يكن مستعدا لاتمام المفاوضات ولم يتمكن ان يمنع من الخدع التي خطط لها الخصم للبرنامج النووي وللاقتصاد الايراني، وعشرات التساؤلات التي بقيت دون اجابة تطول قائمتها. ولكن في هذه العجالة نشير الى نماذج سبق وتم التحذير منها ولم يعير فريقنا النووي اي اهمية للامر!
3 ـ في مقال بتاريخ (13 ابريل من عام 2014) تحت عنوان "الظل الذي سيشملنا"، اشرت لخبر يمكن اليوم ان نشهد نتيجة اهمال رجال دولتنا المحترمين وقد جاء في جانب من المقال؛
في اليوم الذي سبق التوقيع على اتفاق جنيف ـ الاحد 24 نوفمبر 2013 ـ كتب "فرد كابلن" الاعلامي الاميركي المعروف، والكاتب الصحفي في صحف؛ نيويورك تايمز، ونيويوركر، واتلانتيك، واسليت آنلاين. ومؤلف العديد من الكتب في المجال العسكري والحرب الذرية، كتب باستغراب:
"قبل اسابيع دعيت والعديد من الاعلاميين من قبل مسؤول رفيع في البيت الابيض، ليستخبر راينا بخصوص مسودة اتفاق كان من المقرر ان يطرحه اوباما على ايران في المفاوضات التي اجريت بين مجموعة 5+1 وايران.
وحين اطلعت على مسودة الاتفاق قيمناها من طرف واحد وجميعنا على علم ان الايرانيين سوف يرفضونه ولا يخضعوا لاملاءاته ابدا. وكانت المسودة بشكل لا يعترض على موادها اي اميركي او اسرائيلي او عربي متشدد. وحين نشر نص الاتفاق الموقع يوم الاحد شاهدنا باستغراب انه نفس المسودة التي شاهدتها قبل اسابيع وقد قبل بها الفريق النووي الايراني على العكس من توقعنا دون اي تعديل على متنه"!
وكانت صحيفة "كيهان" في الايام الاولى لاتفاق جنيف، وخلال رصد الاعلام الاميركي بقلم "فرد كابلي" على موقع "اسليت آنلاين"، الا انه وحسب الآية "ان جاءكم فاسق بنبأ..." لم تر المصلحة في نشره ورجحنا حينها مواكبة الاعلان عن نصر فريقنا النووي ورئيس الجمهورية المحترم، ولكن حين نشر متن اتفاق جنيف ـ حسب رواية وزارة الخارجية وليس Fact Sheet البيت الابيض ـ شهدنا وللاسف ان ما كتبه "فرد كابلن" حقيقيا، وقد اومأنا لذلك في مقالنا الذي اشرنا اليه.
4 ـ خلال المفاوضات كنا حذرنا في مقال حول المادة 4 من معادة NPT، وكتبنا انه وفي هذه المادة ادرجت قضية التخصيب لدول اعضاء بحيث لا يستبعد ان يلجأ الخصم في تفسيره الى مقلب يدعي فيه ان عبارة "يحق للمتحالفين في العمل على التحقيق والانتاج والاستفادة من الطاقة الذرية للاغراض السلمية" لا تعني حق التخصيب. وكتبنا من الضروري في حال اعتماد الخصم على هذه المادة فعلى فريقنا النووي ان يصرح بحق التخصيب. هذا التحذير كذلك لم يعر له اهمية، وبعد ان اعلن ظريف في نهاية المفاوضات انه تم الاعتراف رسميا بحق بلدنا بالتخصيب، سارع "جان كيري" لينكر هذا الحق في تصريح من وراء المذياع مستندا على المادة 4 من NPT. كما وتماهى وزير خارجية فرنسا "فابيوس" وتصريحات "كيري" بعد يوم من تصريحاته السابقة والقاضية بحق ايران بالتخصيب اعتمادا على نفس المادة.
5ـ ان المنتقدين ومنهم كيهان قد طالبوا من فريقنا المفاوض ان تجري المفاوضات حسب المتفق دبلوماسيا باللغة الفارسية وان يدون المتن الكامل للاتفاق النهائي بلغتين فارسية وانجليزية.
هذا الطلب فيما اذا كان المفاوضون يجيدون اللغة الانجليزية سيجنب سوء الاستفادة من قبل الخصم الا انه لم يعر فريقنا النووي له الاهمية، وبالتالي استخدم الجانب الاخر في بعض المواد والبنود الهامة مصطلحات تحتمل تفسيرين، ولما لم يشمل المتن اللغة الفارسية، باتت خطة الخصم مستنبطة للمشاكل. فالعبارات الآتية هي نص كلمة السيدة "وندي شرمن" بتاريخ 22 مارس 2017 في معهد "وودرو ويلسون". لنقرأ: "ان عبارة LIFT في الانجليزية تعني التعليق والايقاف المؤقت، الا ان الجانب الايراني كان يفسر عبارة LIFT بمعنى الانتهاء ـ REMOVEـ ولذا استغلينا هذه العبارة"! وتقول شرمن بصراحة اننا استغلينا جهل الجانب الايراني بحقيقة المطالب التي تعنيها العبارة، وبعبارة اخرى اننا خدعنا الفريق النووي الايراني!
وهنا نترك لكم الحكم انه اذا كانت المفاوضات تجرى حسب العرف الدبلوماسي المتبع، بان تستخدم اللغة الفارسية، وهكذا ينظم الاتفاق بلغتين؛ فارسية وانجليزية فهل كان بامكان الخصم ان يخدعنا؟
ان القاعدة المتبعة في تنظيم الاتفاقيات هي انه لاجل تجنب سوء الاستفادة في تفسير العبارات التي تحمل تفسرين، يأتي بمعنى والتعريف المتفق عليه لهذه العبارات بشكل صريح في المتن، او تعيين مرجع يعتمد من قبل الجانبين لشرح هكذا عبارات. ولكن فريقنا النووي لم يلتفت وللاسف لهذه القاعدة.
الجدير ذكره انه في جانب من مقال صحيفة كيهان تم التاكيد والتحذير بان الاميركان معروفون بـ "حرب الكلمات WORD WAR" وعلى فريقنا النووي ان لا يفغل ذلك!
6 ـ ان احد اعضاء فريقنا النووي يقول؛ "ان المبادرة كانت بيد الغربيين، فالنص الكامل لقسم العقوبات في خطة العمل من قبل الاميركيين قد اعطي للدكتور ظريف، وكنا خلال المسافة بين لوزان الى فيينا منشغلين بقراءة النصوص وتطبيق الملاحق بالمتون وبقوانين العقوبات. وليس من الصحيح القول ان نص خطة العمل مكسب فاننا وافقنا على النص الاميركي فقط. وبالطبع اعترضنا على ابقاء حظر الدولار واستمرار العقوبات على بعض المؤسسات كالحرس الثوري، ولكن قالوا لقد تم العبور بهذه الموارد ولايقبل التغيير"!
7 ـ وهنا لابد من سؤال الفريق المفاوض، اي من الموارد السابقة يمكن انكارها؟ واذا لم تكن قابلة للانكار، وان وثائقها موجودة، فلماذا تصرون على الاستمرار بخطأ كبير ارتكبتموه، واتبعتم خسارات محضة وخطرة؟! وبهذا الخصوص هنالك كلام.