kayhan.ir

رمز الخبر: 6088
تأريخ النشر : 2014August30 - 20:12

المعادلة “الإسرائيلية” الأميركية

علي بدوان

كثيراً ما ينشب اللغط الكبير عند التطرق للعلاقات التي تربط الولايات المتحدة الأميركية بالدولة العبرية الصهيونية. فالعديد من الباحثين في بلادنا العربية يتجهون على الفور لإصدار الأحكام التعسفية المسبقة، دون تدقيق ودون بحث جدي، عندما يَسِمون، وبكل بساطة، تلك العلاقة وكأنها تبعية أميركية للقرار "الإسرائيلي” وليس العكس، شاهدهم الأخير على ذلك حجم التغطية الأميركية للعدوان على قطاع غزة، وقيام واشنطن على الفور برصده مئات ملايين الدورات لتطوير شبكة "القبة الحديدية” التي أقلقها الأداء القاصر لها في صد الصواريخ الفلسطينية التي كانت ومازالت تنطلق باتجاه عمق الداخل المحتل عام 1948.. ومبادرتها لمد جيش الاحتلال بالذخيرة المطلوبة من احتياطيها الاستراتيجي المُخَزّن في المنطقة.. كما في انفراد واشنطن في لجنة حقوق الإنسان في اجتماعها الأخير بالدفاع عن المعتدين "الإسرائيليين” في عدوانهم على قطاع غزة.. فأين تكمن الحقيقة في تخوم العلاقات الأميركية "الإسرائيلية”..؟

نبدأ القول بأن الحضور الإثني اليهودي كجزء من شعب الولايات المتحدة، ضئيل ديموغرافيا، ونافذ اقتصادياً وإعلامياً ومؤسساتياً وإستراتيجياً.. فاليهود يمثلون نحو (2% إلى 3%) فقط من سكان الولايات المتحدة، تقطن غالبيتهم المطلقة بنسبة (94%) في (13) ولاية من مجموع الولايات الخمسين.. إلا أنّهم حاضرون في نحو (22%) من النخبة العاملة في عالم الصحافة والإعلام والنشر، وهذا الميدان أساسي للتأثير على الرأي العام وتوليد الضغط على مصادر القرار.. ويسيطرون كذلك على نحو أكثر من (17%) من قادة المنظمات غير الربحية التي تدعي بأنها تبغي المصلحة العامة، ونحو أكثر من (15%) من كبار الموظفين في الخدمة العامّة من اليهود.. ولكنهم مع ذلك لم ولن يصلوا إلى حدود التقرير الكلي في صناعة القرار الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه مختلف القضايا الساخنة في العالم، ومنها القضية الفلسطينية.. فـ”إسرائيل” دولة وظيفية بالعرف السياسي والاستراتيجي الأميركي في نهاية المطاف، وهي دولة مازالت تحتفظ بموقعها ودورها في خريطة الاستراتيجيات الأميركية بالنسبة للمنطقة الأكثر حساسية على الكرة الأرضية.

إن اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة له من النفوذ بما لا يقاس بأي إثنية من الإثنيات الدينية المكونة للولايات المتحدة، بنفوذه عبر المفاتيح الاجتماعية الأساسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها، وعبر السخاء في الدعم اليهودي للديمقراطيين في الولايات المتحدة أثناء حملاتهم الانتخابية، فنصف الأموال التي تلقتها حملة الرئيس الأميركي السابق، بيل كلينتون، في معركة إعادة انتخابه عام 1996 تبرع بها اليهود.. ولكن قصة اليهود مع السياسة الأميركية وتأثيرهم عليها، شيء والقرار الأميركي الخالص شيء آخر.. فالقرار الأميركي تحكمه سياسات واستراتيجيات ومصالح كونية لواشنطن، وعلى الأخص بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، ولا تحكمه في نهاية المطاف تأثيرات اللوبي اليهودي (منظمة الإيباك) على أهميتها ودورها الكبير في الإسناد والدعم الأميركي للدولة العبرية الصهيونية.

إن الولايات المتحدة، تستطيع بقرار صغير أن تدفع باتجاه لي عنق الموقف "الإسرائيلي” عندما ترى ضرورة للقيام بهكذا عمل سياسي من منطلق المصالح الكبرى للولايات المتحدة، وهو ما ينفي نظرية التبعية الأميركية للموقف "الإسرائيلي” التي يطلقها البعض، ويؤكد الدور الوظيفي للدولة العبرية الصهيونية. فالعديد من الوقائع، تشي وتؤكد أن الافتراق الأميركي "الإسرائيلي” موجود حول العديد من القضايا، سابقاً وحالياً، منها على سبيل المثال الخلاف الذي دار إبان انطلاقة أعمال مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط في أكتوبر 1991، عندما أوقف الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب ضمانات القروض لـ”إسرائيل” ودفعها للقبول بالمشاركة في أعمال مؤتمر مدريد، ووقف عمليات الاستيطان في حينها.. ومنها أيضاً الاختلاف والتباين الكبير بشأن الموضوع الإيراني، حيث مازال الجفاء بين تل أبيب وواشنطن قائماً حوله حتى الآن، حيث كانت ومازالت الدولة العبرية الصهيونية تريد التعجيل بحسم الأمر عسكرياً، فيما ترى الولايات المتحدة بأن السبيل الدبلوماسي هو الطريق والخيار الأفضل في معالجة الملف النوي الإيراني.

في هذا السياق، وعند قيامنا بدراسة معادلة العلاقات (الأميركية-الإسرائيلية)، علينا أن نلحظ العديد من المعلومات والمعطيات المُستقاة من مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة. أولها أن غالبية اليهود من مواطني الولايات المتحدة ينظرون إلى أنفسهم كمواطنين أميركيين أولاً، واهتمامهم بــ”إسرائيل” يحتل المرتبة الثانية.. وثانيها أن نحو (71%) من اليهود غير المتدينين يتزاوجون خارج الطائفة اليهودية، مع الإشارة إلى أن الجيل الفتى تحت سن الثامنة عشر من يهود الولايات المتحدة والذي ويُشكّل نحو (75%) من مجموع اليهود، يميل لتأييد الحزب الجمهوري الأميركي لدوافع اقتصادية وتجارية بالدرجة الأولى.. وثالثها أن العدد الكلي لليهود في شمالي أميركا وتحديداً في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لم يتغير، بل ويطرأ عليه تراجع، لأسباب معلومة ومنطقية، رغم موجات الهجرة اليهودية الكبرى من شرقي أوروبا باتجاه القارة الأميركية، حيث تبلغ الآن أعداد المواطنين من اليهود في البلدان المذكورة (5.6) مليون مواطن يهودي. ورابعها وجود وانتشار ظاهرة الزواج المختلط والذوبان في المجتمعات الأصلية المحلية، حيث تدل المعطيات أن نسبة الذوبان وصلت إلى (50%) أميركا الشمالية، حيث أمست مصادر الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية تتحدث عن إشارات عدة لترك اليهودية وهم يخشون حتى من اضمحلال يهود الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.. وقد قدمت اقتراحات عدة لمواجهة مسالة الزواج المختلط والحد منها والتخفيف من زواج شباب وشابات الديانة اليهودية من أبناء الديانات المغايرة.. خامسها أن هناك تحولاً داخل الأوساط اليهودية في بلدانها الأصلية بدأ يحفر أخاديده على أرض الواقع من خلال ارتفاع نسبة التراجع المتواصل بالشعور باليهودية، وبالانتماء إلى "إسرائيل” لدى الأجيال الناشئة يوماً بعد يوم، وعاما بعد آخر، وهو ما يدفع بأعداد متزايدة من الشبان والشابات من أصحاب الديانة اليهودية للاتجاه نحو الزواج المُختلط، فالجمهور اليهودي في الولايات المتحدة وبالرغم من سطوة ونفوذ وحضور منظمة (الأيباك) يتجّه نحو التراجع، فإسرائيل في نظر الأعداد المتزايدة من يهود العالم باتت تُعقّد الحياة الاجتماعية، وتؤثر على الهوية السياسية للشبان اليهود دون الخامسة والثلاثين، فالهبوط المتواصل في نسبة الشعور بالانتماء إلى "إسرائيل” لدى الأجيال الشابة في الولايات المتحدة، مؤشراً على تزايد الاختلاط وتفكك الغيتو اليهودي من جهة، واضمحلال الجمهور اليهودي المؤيد والداعم لـ”إسرائيل” في الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية.

منذ البداية بدا واضحا ان الولايات المتحدة الاميركية تتعاطى بقدر كبير من الانتهازية مع ما يحدث في العراق من جرائم داعشية، فمآسي تلعفر وامرلي ومدن ومناطق اخرى ذات هوية مذهبية وقومية معينة لم تثر مشاعر صناع القرار وراسمي السياسات في واشنطن وعواصم غربية اخرى، بيد ان استهداف المسيحيين والايزيديين في مركز محافظة نينوى وسنجار وغيرهما من قبل تنظيم داعش عبر القتل والاغتصاب والتهجير، ووقوع الاكراد في مرمى نيران ذلك التنظيم الارهابي، حرك المشاعر واثار النفوس واحدث قلقا بقدر معين في العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن، لتسارع من جانب بتحريك سلاحها الجوي لتوجيه ضربات لاوكار داعش، ومن جانب اخر اغاثة النازحين، فضلا عن اعلان بعض الدول الغربية فتح ابوابها لهم كلاجئين بصفة انسانية.

وينقل سياسي عراقي بارز انه التقى السفير الاميركي في العراق روبرت ستيفن بيكروفت بعد الغارات الجوية الاميركية على اوكار تنظيم داعش في مناطق التماس مع اقليم كردستان، وقال له من باب التهكم”كانت ضرباتكم لداعش موفقة، ولكن لماذا لم تنفذوا مثل هذه الضربات قبل ذلك، وفي مدن اخرى؟”، فردّ السفير قائلا "لدينا هناك قنصلية اميركية ونحرص على حمايتها”، بيد ان السياسي العراقي لم ينه النقاش ورد على السفير "اليس لديكم سفارة في بغداد، وقنصليات في مدن عراقية اخرى؟”، حينذاك تهرب السفير الاميركي من الاجابة وحاول ان يغير الموضوع.

واللافت جدا ان اربيل باتت قبلة الساسة الغربيين، وسنجار المنكوبة مبكى يذرفون الدموع قريبا منها ان لم يكن فيها، علما ان امرلي القريبة منها نوعا ما والتي لا تقل مأساتها عن ماساة سنجار لا تكاد تذكر، حتى ان قرار مجلس الامن الدولي المرقم 2170 لم يشر اليها لا من قريب ولا من بعيد، ونفس الشيء يصدق على مدينة تلعفر.

وبعد مقتل الصحفي الاميركي جيمس فولي ازدادت حدة المشاعر واضطربت النفوس، وتصاعد القلق، وتحديدا في داخل اوساط مراكز القرار السياسي في واشنطن، وما زاد الطين بلة ان تنظيم داعش توعد بتكرار ما فعله مع الصحفي فولي مع مواطنين اميركيين اخرين ان استمرت الولايات المتحدة في غاراتها الجوية ضده.

ولم يكن امام واشنطن سوى خيارين، امام الاستسلام والخنوع، او التحدي والتصعيد، حتى وان بدا الاخير شكليا، وما خطاب اوباما الذي اشرنا الى عبارات منه الا تعبير عن الخيار الثاني، وكذلك ما قاله كل من وزير الحرب تشاك هيغل، ورئيس هيئة اركان الجيش الاميركي الجنرال مارتن ديمبسي.

بيد ان الامر لا يمكن له ان ينتهي بمثل تلك العبارات، لان من يريد ان يصدق بما قاله اوباما، ينبغي عليه ان ينظر قليلا الى الوراء، ليتوقف عند الكثير من مواقف وتوجهات واقوال وادعاءات الولايات المتحدة، ويتوقف عند الكثير مما تتحدث عنه وسائل الاعلام الاميركية والغربية عن دور واشنطن وبعض حلفائها في ايجاد تنظيم داعش ودعمه ومساندته، وعن المئات –ان لم يكن الالاف-من حاملي الجنسيات الاجنبية، وبالتحديد جنسيات دول اوروبية مثل بريطانيا والمانيا وبلجيكا، الذين جاؤوا الى سوريا والعراق ليقاتلوا تحت راية تنظيم داعش، ويتوقف عند ما تفعله الولايات المتحدة هنا ولا تفعله هناك، مع ان المشهد واحد بكل تفاصيله وجزئياته وادواته.

من يقول ان ما نشهده من مواقف وادوار اميركية وغربية يعكس النفاق بأوضح صوره، والازدواجية بأجلى مصاديقها، والانتهازية بأبشع اساليبها، فهو صائب جدا، والا هل علينا ان ننتظر حتى يذبح "داعش” فولي لتعرف اميركا انه-اي داعش-سرطان العصر ولا مكان له في القرن الواحد والعشرين؟!.

captcha