kayhan.ir

رمز الخبر: 5576
تأريخ النشر : 2014August20 - 21:45

حرب الأنفاق في لبنان وغزة: إسرائيل لم تعـتبر من حرب 2006

علي حيدر

من المؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد دراسات إسرائيلية حول الدور "الاستراتيجي” الذي لعبته الأنفاق في العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة. الى ذلك الحين، من المجدي تسليط الضوء على دور هذه الانفاق في عدوان تموز 2006. تجربة حزب الله الناجحة على مستوى الانفاق خضعت، كما تكشف دراسة صادرة عن جيش العدو عام 2008، لعملية استخلاص عِبَر بهدف الاعداد للمواجهة المقبلة، واستشراف امكانية نقل هذا التكتيك الى قطاع غزة. ولكن، رغم ذلك، لم ينفع هذا الاستشراف في توفير الحل الملائم

لم يثبت أن حزب الله اعتمد خلال مواجهات حرب عام 2006 تكتيك التوغل عبر الانفاق الى داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة. لكن منسوب القلق في الداخل الاسرائيلي ازداد أخيراً لدى القيادات والاجهزة المعنية والجمهور، وتصاعد بعد المواجهة في غزة، خشية اعتماد حزب الله هذا التكتيك العملاني. لكنّ أحداً لن يملك الجواب النهائي الى حين ساعة الاختبار.

وفي ضوء الأدوار المتنوعة للأنفاق في قطاع غزة، بين لوجستي ودفاعي وهجومي، ومنعاً للالتباس، تنبغي الإشارة الى أن حزب الله لم يكن في حاجة الى أنفاق "يُهرِّب” من خلالها وسائله القتالية، كما هي الحال بين غزة ومصر. فقوة المقاومة في الداخل اللبناني، وموقف سوريا التي احتضنت المقاومة في لبنان ودعمتها، يغنيان الحزب عن "أنفاق التهريب”.

على ما تقدم، كان الدور الاساسي للأنفاق، أو، بحسب التعبير الاسرائيلي، لـ”المجال تحت أرضي”، دفاعياً. أما الترجمة العملية لهذا التكتيك، فتجسدت وفق صيغ وأساليب متعددة، منها ما يتعلق بحماية المقاومين ومنظوماتهم القتالية بما يسمح لهم بمواصلة إطلاق الصواريخ ومواجهة أي محاولة تقدم بري على مستوى المدرعات والمشاة. من هنا، يبدو واضحاً أن كل ما ورد في الدراسة الاسرائيلية، التي أعدّها العقيد ايتان يتسحاق ونشرتها ــ عام 2008 ــ مجلة "معرخوت” الصادرة عن جيش العدو، تمحور حول "الأنفاق الدفاعية”، مع الإشارة الى أنه قد يتم أحياناً اختيار مصطلح "مجال تحت أرضي”، لكونه التعبير الأكثر استخداماً في الدراسة.

تؤكد الدراسة أن الضعف البنيوي لأعداء إسرائيل، على المستوى التكنولوجي والقوة النارية والاستخبارات، دفعهم الى اعتماد أسلوب قتال حرب عصابات. ونتيجة الانتصارات التي حققها الجيش الاسرائيلي في الحروب التي خاضها، بحث هؤلاء عن طرق لجسر الفجوة القائمة مع الجيش في القتال. وفي نهاية الأمر، خلص حزب الله الى خيار استغلال "المجال تحت أرضي” بهدف "إلغاء عناصر تفوق الجيش الاسرائيلي، وبما يمنح مقاتلي الحزب القدرة على المناورة والبقاء”.

وفي هذا المجال، يؤكد يتسحاق أن حزب الله استثمر جهداً كبيراً في "المجال تحت أرضي”، وازدادت هذه الجهود إثر الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. والى جانب منظومته العلنية على خط الحدود التي أقامها، للمحافظة على السيادة وجمع المعلومات، أقام حزب الله منظومة عسكرية سرية في مناطق مفتوحة في خراج القرى، وأطلق عليها الجيش الاسرائيلي "محميات طبيعية”. هذه "المحميات” سمحت للحزب، كما يؤكد يتسحاق، بأن يكون موجوداً في ساحة القتال سراً وفي شكل متواصل... كما استخدمها كمراكز لوجستية يخزن فيها وسائله القتالية والتموين، فضلاً عن أنها كانت مراكز اتصال يستطيع من خلالها التواصل مع القيادة. وتوضح الدراسة أن عدم معرفة الجيش الاسرائيلي بهذه المنظومة ساعد حزب الله على الاستمرار في إطلاق الصواريخ الى اليوم الأخير من القتال.

وفي الخلاصة التي انتهى اليها جيش العدو بعد حرب 2006، حددت الدراسة أن الجيش اكتشف "للمرة الأولى أن نظريته الامنية غير قادرة على مواجهة عدو يكون موجوداً في الوقت نفسه في مجالين: أرضي وتحت - أرضي. (...) هذا الواقع سمح لحزب الله بإيجاد ترابط وتبادلية بين المجالين، بينما لم يكن لدى الجيش ردّ ملائم يسمح له بإلغاء هذا الترابط. واتضح له أيضاً أن المناورة التقليدية لا تشكل الحل الصحيح”.

وعلى ذلك، قدم يتسحاق مجموعة خلاصات، رأى أن حزب الله خلص إليها بفعل المواجهات في 2006:

- الجيش الاسرائيلي لم يكن يعلم بحجم التهديد الذي مثله تبنّي حزب الله للتكتيك الـ”تحت أرضي”.

- ليست لدى الجيش تقنية قتال تسمح له بمواجهة هذا التكتيك، بسبب قتاله التقليدي الذي يعتمد على مناورة قوات ثقيلة.

- امتنع الجيش عن الدخول الى المجال الـ”تحت أرضي” والقتال داخله.

- أثبتت منظومة الـ”تحت أرضي” نجاعتها، وسمحت لحزب الله بالاستمرار في القتال من جهة، والمحافظة على حياة مقاتليه من جهة أخرى.

- تشكل منظومة القتال المخفاة تحت الأرض عقبة مفاهيمية أمام جيش يقاتل بأسلوب الجيوش الغربية.

أما لجهة المعلومات الاستخبارية، فأوضح يتسحاق أنه "على المستوى التكتيكي كانت هناك صعوبة في جمع معلومات عن التهديد التحت أرضي، لأن حزب الله يعمل من دون بصمة لإخفاء نشاطاته في هذه المنطقة”. وأشار إلى أنه "كجزء من عملية الإخفاء، تم إيجاد فتحات خروج في أروقة خلفية أو في أي مكان آخر بعيداً عن عيون قواتنا”.

توضح الدراسة أن حزب الله بنى منظومة دفاع "شملت منظومة "تحت أرضي”، منظومة قيادة وسيطرة، منظومة اتصال، ومنظومات إلكترونية لجمع المعلومات عن قواتنا، إضافة الى أساليب التضليل”، وهي منظومة بناها "استراتيجيون بارعون، فحصوا تكتيكات الجيش الاسرائيلي وطوّروا نموذجاً لتحييد التفوق الجوي”. وأضافت أن "هذا النموذج مكَّن الحزب من الفصل بين قوات المشاة والمدرعات، وفي موازاة ذلك إلغاء التفوق النسبي للدبابة”. وأقرّت بأن "قوات المشاة تحوَّلت في حرب لبنان الثانية الى وحدات مستقلة لا تستطيع تلقي” المساعدة المدفعية والجوية، خشية إصابة الجنود بنيران الدعم.

وأوضح يتسحاق أن "استراتيجيي حزب الله” بنوا "منظومة "تحت - أرضي” تملك القدرة على الصمود في مواجهة الضربات الجوية والمدفعية. (...) ونتيجة ذلك كانت الخسائر التي تلقاها الحزب في حرب لبنان الثانية منخفضة نسبياً، إذا ما أخذنا في الحسبان القوة النارية للجيش الاسرائيلي”. ولفت إلى أنه "في مقابل نقاط التفوق التي يتمتع بها الجيش الاسرائيلي على مستوى سلاح الجو والمدرعات، اعتمد حزب الله تكتيكات قديمة تلائم حاجاته: منظومات تحت أرضية، تحصينات تحت الارض، حفر وخنادق فعالة ومحصنة ومموّهة، وتسمح له بأن يكون مرناً ومختفياً ومحصناً وصبوراً وإبداعياً، والاهم من كل ذلك: نيران نوعية في اتجاه الجبهة وعمق إسرائيل”.

وخلصت الدراسة الى أن "المشكلة الاستراتيجية التي يواجهها أعداء إسرائيل بعدم امتلاكهم القدرة على مواجهة سلاحي الجو والمدرعات، تحولت بفعل هذا الابداع الى مشكلة تكتيكية فقط”. ونتيجة ذلك، دعا يتسحاق "الى إعادة دراسة أسلوب القتال من أساسه”. ولفت الى أن "استناد الجيش إلى سلاح الجو الذي يمهد الارض في مرحلة ما قبل المناورة لم يعد بالضرورة ينتج الشروط الافضل، في مقابل خصم يتموضع في حفر وبشكل مموّه”.

وحول خطر نقل نموذج القتال "تحت أرضي” - الذي تعتبر الأنفاق أحد أبرز تجلياته - الى قطاع غزة، تناولت الدراسة هذا التحدي في أكثر من موضع، وحذرت من أنه "في ضوء امتلاك حماس لتقنية حفر الأنفاق الطويلة، على الجيش أن يأخذ في الحسبان إمكانية استنساخ حماس نموذج قتال حزب الله، الى غزة. والى جانب الدور الذي لعبته الانفاق في تهريب الاسلحة الى قطاع غزة، وفي أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، رأى يتسحاق أنه في ما يتعلق بالمستقبل، يمكن طرح الفرضية الآتية:

"في حال تجدد القتال، سيستخدم مقاتلو حماس الأنفاق للالتفاف على السياج (الفاصل عن غزة) والوصول الى الجبهة الداخلية المدنية المكشوفة”. كذلك فإن حماس يمكن أن ترغب في حفر "محميات طبيعية” مشابهة لتلك التي حفرها حزب الله في جنوب لبنان. وأكد يتسحاق أنه "لا توجد في العالم حتى الآن تكنولوجيا تحظى بالرضا يمكن من خلالها اكتشاف الأنفاق، لا خلال عملية الحفر التي تجري ببطء، ولا عندما تكون قائمة وتؤدي دورها”.

وتجدر الاشارة الى أنه رغم استشراف الاسرائيلي، كما تظهر هذه الدراسة، إمكانية نقل تجربة القتال "تحت أرضي” الى غزة، وتقديم توصيات في هذا المجال، فشلت الاستخبارات الاسرائيلية فشلاً ذريعاً في تقدير تفاصيل هذا المسار، وتحديداً لجهة تقدير حجم الأنفاق ومستوى تهديدها وكونها باتت جاهزة للاستفادة منها في أي مواجهة.

حكومة حرب سورية قريباً

سامي كليب

لن تحمل الحكومة السورية العتيدة اختراقات كبيرة. تمدُّد داعش في العراق وسورية خفف سقف التوقعات السياسية ورفع مستوى الاتجاهات العسكرية او تلك المرتبطة بها. لا أسماء معارضة من الخارج، ولا تغييرات جوهرية سوى ببعض الأسماء المعروفة التي قد تغيب لأسباب خاصة. دور الحكومة إذاً هو ادارة شؤون الناس بما يتلاءم مع العملية العسكرية وتشجيعهم على العودة وتعزيز المصالحات الداخلية.

ادارة الرئيس بشار الاسد لم تقتنع أصلاً منذ بداية الأزمة والحرب بمعارضة الخارج. البعض يقول انها لو اقتنعت لربما غيرت بعض مسارات الحرب خصوصاً أن جزءاً من المعارضين ليسوا من انصار التدخل الخارجي ومؤمنون بالحوار للحل.

غالباً ما نظرت القيادة السورية الى معارضة الخارج على أنها "عميلة” لمشاريع خارجية. المرة الوحيدة التي اقتنعت بمجالستها على طاولة واحدة كانت في جنيف. لعل ذلك حصل فقط من اجل تسهيل عمل الحليف الروسي دولياً وليس اقتناعاً بجدوى الحوار. اليوم يبدو الاسد ونظيره الروسي فلاديمير بوتين وحلفاؤهم الآخرون مقتنعين بصوابية الخيار العسكري. (كيف لا وبوتين يعتمد الخيار نفسه في اوكرانيا؟).

من يزر دمشق حالياً قد يسمع كلاماً مفاده انه "حتى مجلس الامن الدولي اقتنع أخيراً بأن لا حل مع الارهاب سوى باستئصاله وضرب مصادر تمويله”. القرار الأخير الصادر عن المجلس يريح سوريا، رغم ان ثمة نظرية اخرى تقول انه قد يدفع بعض الموقعين عليه لتوجيهه ضد النظام السوري لاحقاً. أصحاب هذه النظرية يتساءلون مثلاً لماذا كل هذا الرفع بمستوى الاسلحة للكرد، هل فقط لضرب داعش ام لاهداف اقليمية اكبر اهمية لاحقاً؟

لا حاجة اذا لفتح خطوط مع معارضة الخارج لانها بنظر القيادة السورية أعجز من ان تمون على شارع واحد. ثمة معارضون في الداخل سيدخلون الحكومة ولكن ليس في مواقع مؤثرة. الاولوية لا تزال للحسم على الأرض.

للأمر اسباب اخرى. فمنذ خطاب القسم للرئيس الأسد بعد الانتخابات الأخيرة، لوحظ ان وتيرة الهجمات المضادة ازدادت. تعرضت ألوية وفرق لهجمات واسعة من داعش والنصرة وغيرها. تكاد القيادة السورية تعتبر معارضة الخارج داعمة لداعش والنصرة رغم ان هذه المعارضة مستهدفة علانية من داعش.

في أول رد عسكري من القيادة السورية على تلك الاختراقات تمت السيطرة على المليحة. ستليها قريباً السيطرة على جوبر ومناطق اخرى. هذه بشكل عام معاركُ صعبةٌ ومعقدة. الحرفيةُ العالية في شبكة الانفاق عند المسلحين، قتالُهم الشرس من بيت الى بيت، قناعتُهم بأنَّهم يخوضون حرباً جهادية، اكتسابُ مهاراتٍ عسكرية بعد ثلاثِ سنوات من الحرب، والهجوم المباغت بعدد كبير من المسلحين في كل مرة، كلُّها أمورٌ تجعلُ معركةَ جوبر صعبةً ومعقدة وخطيرة. لكن قرارَ السيطرة عليها يبدو أنه اتخذ فعلاً.

لو تحقق للجيش ان يسيطر عليها، فهذا سيمنع اولاً الكثير من القذائف التي لا تزال تنهمر على دمشق، وسيحقق اختراقاً عسكرياً ومعنوياً للدولة السورية.

في المعركة ضد داعش كل المفاجآت واردة. لا مجال اذا بالنسبة للقيادة السورية فتح الأبواب السياسية لأية مغامرات. من المهم استمرار المصالحات في الداخل. كل جبهة تنتهي بالتفاهم لا بالقتال مقبولة لا بل ومطلوبة. العفو يشمل في بعض المرات اخطر المسلحين اذا ما سلموا سلاحهم. عاد الى صفوف الجيش السوري ضباط لم تذكر اسماؤهم، فتحت قنوات اتصال اخرى قد تظهر نتائجها قريباً، ثمة قناعة شبه مطلقة بأن معارضة الخارج لا تستطيع ان تضبط شارعاً واحداً وبأن المسلحين لا يعترفون أصلاً بها، فلماذا الحوار معها؟ الحوار مع المقاتلين أنجع. هذا سيتعزز مع الحكومة العتيدة.

خارجياً، تبدو دمشق مرتاحة للقرار الدولي الاخير. لكنها مرتاحة أكثر للعلاقة مع موسكو وايران. القيادة الروسية ترسل قريباً اسلحة جديدة ومهمة في سياق معارك الشوارع والانفاق. إيران تعمل على سحب فتيل العراق، وتستمر بالتفاوض مع اطراف اقليمية ودولية عديدة لتغيير مجاري الرياح. ليس غريباً ان تظهر بوادر انفراج بين العراق والجار السعودي بعد فترة الاتهامات المتبادلة بين نوري المالكي والسعودية وتركيا وقطر. يجري العمل حثيثاً أيضاً لترتيب اتصال ايراني ـ سعودي.

ادراج قرار مجلس الامن تحت الفصل السابع مهم لوقف تمويل التكفيريين ومنع استيراد النفط منهم عبر تركيا. اللافت في مجال النفط ان بعض خصوم سوريا في لبنان باعوها نفطاً أكثر من مرة، وبعض المسلحين الذين تناوبوا السيطرة على بعض مصافي النفط - أي الجيش الحر ثم النصرة ثم داعش - حاولوا اكثر من مرة استدراج وسطاء لبيع الغاز والنفط لمناطق يسيطر عليها الجيش. دخل هذا أيضاً في سياق تعزيز مصالحات داخلية. الدولة تجاوبت في بعض المرات مع الجيش الحر وتم إطلاق سراح بعض المرتبطين بضباط منشقين.

مختصر القول ان القيادة السورية لاتزال عند القناعة نفسها. ما لم يتم الحسم على الارض لن يتغير شيء. من الافضل إذاً عدم انتظار مفاجآت كبيرة من الحكومة السورية باستثناء تغيير بعض الاسماء المعروفة. المشكلة ان الحسم طال، الناس تعبوا، والجيش يوزع قواته على الاراضي السورية كلها، والشتاء على الأبواب. هل ستُترك سوريا تقاتل داعش والنصرة وغيرهما لوحدها، ام ان قرار مجلس الامن مقدمة لتحولات أهم؟