kayhan.ir

رمز الخبر: 53128
تأريخ النشر : 2017February17 - 20:57

العالم العربي في أجندة ترامب


سركيس ابو زيد

تدل المؤشرات حتى الآن وبشكل واضح الى أن ترامب "رجل القرارات والمفاجآت" يعتزم إحداث تغيير جذري في قواعد السياسة الأميركية، وفي اتجاه القطع بشكل كامل مع سياسة الإدارة السابقة (أوباما) والانقلاب عليها.

الرئيس الأميركي الجديد لم ينتظر يوماً واحداً بعد وصوله البيت الأبيض، ليبدأ بتوقيع وإصدار قرارات تنفيذية كان أبرزها توقيع قرار حظر سفر رعايا سبع دول إسلامية الى الولايات المتحدة، ولكن الإنطلاقة مع هذا القرار لم تكن موفقة وإنما جاءت متعثرة وانكشف الأمر عن "نكسة قضائية"، بعدما أصدر قاضٍ فدرالي قراراً بوقف تنفيذ "أمر الرئيس"، وبعدما رفضت محكمة الاستئناف الفدرالية الطعن الذي قدمته وزارة العدل في قرار القاضي الفدرالي. وتسبب الأمر باندلاع "مواجهة قانونية حقوقية" في الولايات المتحدة والتأكد من أن الرئيس الآتي من عالم "البزنس" تنقصه المعرفة والخبرة في مجال القانون والسياسة الخارجية، حيث سيواجه أيضا مشاكل وعثرات...

ترامب افتتح اشتباكاً مبكراً مع إيران وعمل على تجويف الاتفاق النووي وإفراغه من مضمونه السياسي ومفاعيله الإيجابية بالنسبة لإيران مالياً ودبلوماسياً، ما تنوي إدارة ترامب أن تفعله هو "التنفيذ الصارم للاتفاق النووي، وليس تمزيقه"، تريد تكثيف المراقبة الدقيقة لكل شاردة وواردة، فـ"إذا قامت إيران بانتهاك للاتفاق، سيسقط وسنقفز إلى المحاسبة".

ترامب، الذي حذَّر الإيرانيين من اللعب بالنار وأحاطهم علماً أنه ليس أوباما، فأولوياته وسياساته مختلفة عن أوباما ومعاكسة لها، أولوية أوباما كانت الاتفاق النووي مع إيران التي أعطيت تسهيلات أميركية وأفادت من "التغاضي" الأميركي لترسيخ نفوذها في العراق وسوريا ومدّه باتجاه العمق الخليجي، وخصوصا في اليمن. وكان أوباما منحازاً الى شراكة إيران في محاربة "الإرهاب التكفيري"، أما أولوية ترامب فقد حددها بمحاربة الإرهاب وخصوصا "داعش". وهو لا يعتمد على إيران في هذا المجال وإنما يرى فيها دولة راعية للإرهاب، كما أنه في صدد إعادة الحرارة الى العلاقة مع "الشريك السني" ولحظ دور له في محاربة الإرهاب، ولكن وفق الشروط الأميركية ولقاء ثمن تطلبه دول الخليج باحتواء نفوذ إيران في المنطقة، بدءا بفرض انسحاب حزب الله من سوريا، وهذا ما كانت أثارته تركيا رسمياً مع روسيا على هامش "عملية أستانة".

مصدر دبلوماسي مقرّب من تفكير أقطاب رئيسيين في الحلقة الضيقة للرئيس دونالد ترامب يقول: "إننا عازمون على مساعدة من يساعدنا حقا ويثبت جدواه في الشرق الأوسط، هذا يضم السعودية ومصر والأردن والإمارات"، في الوقت ذاته، سنقوم بإدانة من نصنفهم في مرتبة المنبوذ مثل إيران وسوريا، باختصار المعادلة واضحة: "كن حليفاً صادقاً، ونحن جاهزون للمساعدة في المقابل".

"إدارة ترامب تريد من السعودية المشاركة الفعلية المكثفة لمنع تمويل الإرهاب ليس بالضرورة علناً طالما تفعل ذلك بإجراءات حازمة سراً، خلاصة الأمر أن السعودية ستكون أكثر تقارباً مع الولايات المتحدة"، وفق المصدر الرفيع.

ففي خطاب التنصيب تعهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب باستئصال "الإرهاب الراديكالي الإسلامي"، وفي زيارته إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، شدد على وجوب إزالة الإرهاب والتخلّص من "داعش": "لا يوجد خيار أمامنا سوى القضاء على الإرهاب، ولم نشهد مثيلاً لمستوى الشر الذي يقوم به داعش".

سوريا

يرى خبراء في هذا المجال أن إلحاق الهزيمة بـ"داعش"، خصوصاً في شرق سوريا وغرب العراق، غير مؤكد، لكنه مرجح على نحو متزايد. في موازاة ذلك تقود الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لقصف مقرات التنظيم وتحجيم قاعدته الاقتصادية، لكن لا يزال التنظيم الأكثر تطرفاً ويسيطر على أموال ضخمة، وإن كانت أرباحه وإيراداته انخفضت بشكل كبير.

طرد "داعش" من سوريا والعراق سيسر الولايات المتحدة وأوروبا، لكنه لن يكون نصراً حاسماً، لأنه إذا فقد التنظيم أراضي ما يدعيها الخلافة في سوريا والعراق، فمن المحتمل أن يكرس المزيد من موارده لعمليات إرهابية في الخارج، والحرب العالمية على التطرف لن تنتهي بهزيمة "داعش"، لكن ببساطة ستتحول إلى مرحلة جديدة.

الذين سيخسرون من هزيمة "داعش" عسكريا، هم الدول الإسلامية وبالذات الضعيفة والهشة، خصوصا أن الهزيمة قد تمزق "داعش" كتنظيم، لكنها لن تدمر الفكر الذي يغذيه، هزيمة "داعش" ستنعكس سلباً أيضاً على المنظمات أو المجموعات غير المتطرفة، أو الأقل تطرفاً، لا سيما في المعارضة السورية، فالكثير من الدعم الذي تتلقاه سببه أنها البديل لـ"داعش"، إذا سقط "داعش" من حلبة المنافسة، ألغي التبرير الذي كان يثير إهتمام الدول الداعمة.

لذلك نجد لترامب هدفان في سوريا، وذلك حسب محادثات أجراها مسؤول فرنسي رفيع مع مسؤولين في الأمن القومي الأميركي في واشنطن تركزت على سوريا وتحرير الرقة تحديداً، إضافة إلى روسيا وإيران، وخرج هذا المسؤول بانطباع أن "الأولوية لدى واشنطن في سوريا هي "إزالة داعش" و إخراج الإيرانيين وحزب الله منها، فليس لدى الأميركيين بعد فكرة دقيقة في شأن وسيلة تقليص تأثير حزب الله وإيران على الأرض في سوريا، إنهم يفكرون في أنه بعد تحرير الرقة من داعش ينبغي التفاهم مع الروس والنظام حول دير الزور".

وحصيلة كل هذا الوضع أن محاربة الأميركيين لـ"داعش" في المرحلة المقبلة في العراق (الموصل) وفي سوريا (الرقة) لا يريدها ترامب أن تصب في خدمة إيران وحلفائها، وإنما يريد أن يكون ذلك مقدمة لانسحاب حزب الله من سوريا، وحيث من الملاحظ أن مسألة بقاء أو عدم بقاء حزب الله في سوريا باتت تتقدم في الخطاب الأميركي على مسألة بقاء أو عدم بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم.

وقال المسؤول "إن الأميركيين لا يحددون نوع العلاقة التي يريدونها مع الحكومة السورية، لافتاً إلى أن ما يقلق الأميركيين والفرنسيين والمعارضة السورية هو أن إيران وحزب لله باتا القوة الأساسية للرئيس الأسد على الأرض، وحذر من أن مسعى تقليص التأثير الإيراني في سوريا قد يأتي بنتائج خطيرة على الوضع في العراق ولبنان".

بنان يقف إذا أمام مرحلة جديدة في المنطقة بدأت تظهر تباعاً ملامحها وخطوطها، وسط قلق متنامٍ من أن يكون إحدى ساحات التجاذب وتصفية الحسابات بين إيران والولايات المتحدة، أو أن يكون من ضحايا هذا الوضع الجديد ويدفع ثمنه من استقراره الداخلي، وحيث أن أي تغيير في موازين القوى في المنطقة سينعكس حكما على لبنان واستقراره وميزان القوى السياسي.

هناك من يعتبر أن الظروف والمعادلات التي جاءت بالرئيس ميشال عون رئيسا للجمهورية الى تبدّل، وأن وصول عون الى قصر بعبدا لم يكن ليكون ممكنا بعد وصول ترامب الى البيت الأبيض، وأنه يمكن الآن فهم خلفية حزب الله في تسريع انتخاب عون قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وهناك من يعتبر تبعا لهذا التبدل الإقليمي الناجم عن "عاصفة ترامب" أن الأولويات اللبنانية ستتجه حتما الى تبدّل، وأن مسار معركة قانون الانتخاب سيتغيّر باتجاه تأجيل إقرار القانون إذا كان سيؤدي الى انقسام وأزمة داخلية والتمديد المؤقت لمجلس النواب ربطا بقانون جديد متعذر حالياً، وربما أيضاً ربطاً بأوضاع أمنية مستجدة.

لذلك يجد لبنان نفسه أمام ضرورة استكمال عملية التحصين الداخلي لوضعه سياسيا وأمنيا. وهذه العملية بدأت بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، ولكن توقفت عند محطة الانتخابات قانوناً وإجراءً، وهذا التعثر يجب أن لا يتحول الى أزمة والى تهديد للاستقرار الداخلي الذي استطاع لبنان الحفاظ عليه في زمن الربيع العربي، ولكن سيصعب الحفاظ عليه في زمن "الربيع الأميركي".

باختصار، يدرك ترامب صعوبة أو استحالة إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، ولكنه يدفع العلاقة معها الى حافة الهاوية ويريد تطويقها بشتى الوسائل، خصوصا العقوبات، لمنع إفادتها من مفاعيل الاتفاق، بدأت تغييرات في اليمن مع رفع درجة التدخل البحري (إرسال المدمرة "كول" وتضييق الحصار على الحوثيين بالتزامن مع ضرب مراكز "القاعدة"، وفي سوريا بدأ التغيير مع مشاريع المناطق الآمنة التي ربما تبدأ من جنوب سوريا، وهنا تبرز زيارة الملك عبدلله الثاني الى واشنطن ليكون أول زعيم عربي يلتقيه ترامب، وكان لافتا أن تشن الطائرات الأردنية بعد هذه الزيارة التشجيعية غارات على قواعد لـ"داعش" في جنوب سوريا للمرة الأولى، وربما ينضم ترامب الى تفاهمات روسية وتركية للحد من سيطرة إيران وحزب الله في سوريا.

وطبعاً هذه السياسة "الترامبية" هي خطة "إسرائيل" التي حددت إيران مصدر الخطر الأول عليها وحزب الله، والتي تتقاطع في هذه النقطة مع مواقف وأجندة دول الخليج. وهذا ما بدأه فعلا ترامب من خلال إعادة أجواء العلاقة التحالفية معها الى سابق عهدها، و بتأكيد معادلة "إسرائيل أولا" في المنطقة ....

فهل هناك من يعي من العرب أن ما حدث وسيحدث في عالمنا العربي هو لمصلحة "إسرائيل أولاً"...كما هو شعار ترامب "أميركا أولا..".