kayhan.ir

رمز الخبر: 52298
تأريخ النشر : 2017February03 - 19:50

أي عالم بعد تولي ترامب رئاسة أمريكا ؟؟


سركيس ابو زيد

دخل ترامب الى البيت الأبيض وهو الرئيس الأميركي رقم 45 الأكثر إثارة للجدل والخارج عن المألوف على كل الأصعدة، وهو أيضاً يدخل التاريخ كأول رئيس أميركي فرض نفسه من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية، وخالف وصوله كل التوقعات واستطلاعات الرأي، ويحمل معه أفكارا "انقلابية" ويفتقر الى الخبرة السياسية، ومع ذلك فاز بالرئاسة بعدما تمكن من "السيطرة" على الحزب الجمهوري وطرح بأسلوب فج حلولا مبسطة لمسائل معقدة، فأثار قلق قسم من الأميركيين وحماسة القسم الآخر.

ورغم أنه تعهد بأنه سيعطي الأولوية للملفات الداخلية: إلغاء أو تعديل سياسات أوباما الداخلية التي تمثل إرثا ثقيلا: كإعادة رسم النظام الصحي، طرد مهاجرين غير شرعيين، إلغاء معاهدات تجارية، إصدار قانون لتمويل بناء جدران على الحدود مع المكسيك، إلغاء دفع المليارات لبرامج الأمم المتحدة حول التغير المناخي....إلخ، إلا إنه لم يمنع الانقسام غير المسبوق في الرأي العام الأميركي، إذ انطلقت ولايته في ظل وضع داخلي مضطرب تعكسه التظاهرات الشعبية الاحتجاجية غير المسبوقة في يوم "حفل التنصيب"، الأمر الذي فرض احتياطات أمنية و"خطوط تماس" لتفادي مواجهات بين المؤيدين والمعارضين.

فأي عالم سيكون مع ترامب؟

أوروبا قلقة ومرتبكة وتصريحات ترامب الاستفزازية قبل أيام من حفل التنصيب كان لها أصداء مدوية في بروكسل ضد حلف شمال الأطلسي الذي اعتبره بائدا وعديم الفائدة، وضد الاتحاد الأوروبي الذي توقع تفككه. في المقابل ترامب عرض اتفاقا مع روسيا باقتراحه صيغة جديدة للتعاون تقوم على رفع العقوبات المفروضة على روسيا بعد ضمها القرم لقاء التفاوض على معاهدة جديدة لخفض التسلح النووي، ولن يكون الاتفاق النووي مع إيران في طليعة الإجراءات ضدها إنما ستكون إيران تحت المراقبة نوويا وإقليميا.

وهنا ظهر الكثير من الأسئلة المطروحة مع تسلم ترامب رسميا مقاليد الرئاسة والسلطة في البيت الأبيض: ماذا عن الاتفاق النووي مع إيران والعلاقة معها؟ هل تتم إعادة نظر أميركية في كل ذلك؟

ترامب يبدو مصمّماً على ملاحقة إيران بسبب المعاهدة التي تتضمّن عيوباً كثيرة في رأيه . ونجاحه في ذلك يقتضي تخلّي بوتين عن إيران، ولكنه لا يبدو مستعدا لذلك أو راغباً فيه. وإذا قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي فإنه سيخسر الأعضاء الآخرين في المجموعة الدولية 5 + 1 التي فاوضت الإيرانيين ووقعت معهم ما سُمي "الاتفاق النووي". كما أنه سيطلق حرية طهران في معاودة نشاطاتها النووي.

يقول وليد فارس، أحد مستشاري ترامب لشؤون الشرق الأوسط:" إن الإدارة الأميركية الجديدة ستعيد النظر في الاتفاق النووي وستعمل على تطبيق ما يجب تطبيقه من هذه الاتفاقية بما يتعلق بالسلاح النووي، ومن ناحية ثانية، تطوير هذه الاتفاقية، لتشمل استقرارا أمنيا في العراق وسوريا واليمن وتسوية في لبنان، وتطمين الدول العربية الصديقة والشريكة وعلى رأسها الإمارات والمملكة العربية السعودية والبحرين ودول أخرى كالأردن ومصر وغيرهما، وهذا الأمر سيتغير تحت إدارة الرئيس ترامب، التي ستعمل على إعادة الثقة مع دول الخليج الفارسي والدول العربية المعتدلة بشكل عام وتجديد الالتزام بأمن هذه الدول وتنظيم العلاقات الثنائية والإقليمية بين تلك الدول والولايات المتحدة حتى يعرف كل طرف موجباته والتزاماته".

لكن، هناك آراء أخرى تسود داخل هذه الإدارة يعبّر عنها "ريكس تيلرسون" المرشح لتولي وزارة الخارجية، وحسب معلومات دبلوماسية فإن تيلرسون مع آخرين لا يريدون تغيير الاتفاق، بل المساعدة على أن تنفتح إيران على الاستثمارات الدولية وشركات النفط ثم ان تيلرسون سوف يشجع التفاوض بين إيران والسعودية، ويريد أن تكون أميركا هي من يدير الحوار بين الرياض وطهران، لأن ذلك يدعم السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، فتيلرسون رجل نفط ، لذلك سيحاول دعم الشركات الأميركية، خصوصا قطاع النفط والغاز منها هو جزء من هذه الصناعة الضرورية للعالم، ولا أحد يمكنه تغيير ذلك، فإيران منتج كبير للنفط، ومن المؤكد أنه سيراقب المفاوضات في "أوبك"، التي ستحيي الدبلوماسية الاقتصادية عبر الصناعة النفطية في الشرق الأوسط.

وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف اعتبر على هامش مشاركته في منتدى دافوس ان محاولة ترامب التخلّي عن الاتفاق النووي "لن تكون نهاية العالم، يريد أن يفاجئ الناس، وسيُفاجأ إذا فعل ذلك". وأما رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي فكرّر رفض بلاده "فكرة تعديل أي بند من الاتفاق النووي". واعتبر أن الاتفاق مكتمل، وعلى الأميركيين قبوله كما هو، أو رفضه وتحمّل المسؤولية.

أما الاتحاد الأوروبي، فوفق ما أفاد مصدر دبلوماسي، أجرى اتصالات مع إدارة ترامب لتبديد أي سوء تفاهم بشأن الاتفاق النووي مع إيران، قال:"إنه اتفاق متعدد الأطراف، وهذا يعني أنه في حال أراد طرف الانسحاب منه فإن بإمكان الآخرين القيام بالمثل". فالاتحاد الأوروبي يعتبر هذا الاتفاق مهما جدا، لأنه أتاح تجنب أزمة محتملة كبيرة في المنطقة وخصوصاً مع "إسرائيل"، إذ قد يعتبر هؤلاء الانسحاب من "النووي" ونقل السفارة ضوءا أخضر لإقدامها على الإغارة جوا على المنشآت النووية الإيرانية بغية تدميرها.

فالإسرائيليون هذه المرة يشعرون أن الرئيس ترامب سيكون معهم تماما على نفس الموجة في كل ما يطمحون إليه إقليميا، فقد قرر إيكال مهمة الشؤون الشرق أوسطية في البيت الأبيض الى صهره جاريد كوشنير الذي ينتمي الى عائلة أميركية ارستقراطية لطالما أغدقت بالأموال والتبرعات على إسرائيل، وما عزز لديهم هذا الشعورأيضاً هو تعيين ترامب اليميني اليهودي المتشدد دايفيد فريدمان، كسفير للولايات المتحدة في اسرائيل، الذي أكد في أول تصريح له حتى قبل تسلمه مهامه، أنه يتطلع شوقا الى العمل من السفارة الأميركية في القدس، علما أن نقل السفارة سيعتبره العالم الإسلامي قضاء على حل الدولتين للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وصفعة مُوجعة جدا له، ناهيك عن تصريحات ترامب المعادية للمسلمين التي أدلى بها خلال حملته الانتخابية.

وهذا يدل على عودة الحرارة مجدداً بين "تل أبيب" وواشنطن، وقد عبر عنه نتنياهو لنواب من حزب الليكود اليميني الذي يتزعمه:" إنه بعد ثماني سنوات من الضغوطات الهائلة التي مارستها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما فيما يتعلق بموضوعي إيران والاستيطان، "نحن أمام فرص عظيمة وهامة لأمن ومستقبل دولة "إسرائيل"".

وفيما يخص سوريا، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتأخر في كشف "أوراقه السورية" ووضع حد لحال "الاستقالة الأميركية من الملف السوري. فقد أصدر وبعد أقل من يومين على إنهاء أعمال آستانة، أمرا تنفيذيا حول السياسة الجديدة لإجراءات اللجوء والهجرة، يتضمن فقرة تنص على "إنشاء مناطق آمنة" داخل سوريا وفي المناطق المحيطة. هذا الأمر أثار جدلا دبلوماسيا واسعا، وساقت بعض وسائل الإعلام تفسيره كدليل على زيادة الانخراط العسكري الأميركي في سوريا، فيما رحّبت دول إقليمية عديدة بالمشروع الذي تبنته هي نفسها قبل سنوات، مثل قطر وتركيا التي كانت أكثر المرحبين بمشروع المنطقة الآمنة التي كانت واحدة من أبرز أهداف تدخلها العسكري وعملية "درع الفرات"، أما روسيا فما زالت معارضة لمشروع المنطقة الآمنة لأنها تعده انتقاصاً لسيادة سوريا ويتطلب قرارا من مجلس الأمن، وحذرت من العواقب المحتملة لخطوة من هذا النوع.

يقول خبراء: "هذا القرار الذي قد يتخذه ترامب للحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا وأميركا، يتطلب بالدرجة الأولى حظرا للطيران، وبالتالي يتطلب اتفاقا مع روسيا التي كانت ردة فعلها الأولية سلبية، إضافة إلى تأمين قوات برية للمواجهة في حال تنفيذ أي هجوم من قبل تنظيم داعش أو أي طرف آخر. من هنا، إن تطبيق الخطة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احتمال وحيد هو تعاون تركيا سياسيا وعمليا مع روسيا".

وبانتظار اتضاح صورة السياسة الشرق أوسطية لترامب بشكل أفضل، فالولايات المتحدة تتغيّر والعالم معها سيتغيّر في ظل وضع عالمي متأزم يزيده غموضا وتعقيدا عدم وضوح السياسات والاتجاهات الخارجية لدى ترامب التي لم يتضح منها حتى الآن إلا الانحياز الى إسرائيل والتودد الى روسيا والابتعاد عن إيران، فكل الدلائل تشير الى أن سياسات أميركا وخططها وأولوياتها وعلاقاتها الدولية لن تبقى على حالها وسيطرأ عليها تعديلات وتغييرات بعضها "جذري".