ثعلب الدبلوماسية، كيسنجر و”لعبته الإستراتيجية” الجديدة مع روسيا و”الأنواع المنقرضة”!!
نبيل نايلي*
"سيطروا على النّفط وستسيطرون على الأمم، سيطروا على الغذاء وستسيطرون على الناس”! هنري كسنجر.
كشفت صحيفة”بيلد،"Build الألمانية أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، Henry Kissinger، هو من يُشرف على "وضع خطّة لتطبيع العلاقات مع روسيا، ترتكز على ضلعيْن هما:
رفع العقوبات الاقتصادية- و – حلّ القضية الأوكرانية
ثعلب الدبلوماسية الأمريكية اعتبر أنّ تحسين العلاقات مع روسيا "ضروريا” نظرا إلى "تنامي وتعاظم قوة الصين”! وكان أن التقى، وهو المفاوض المتمرّس والخبير، شخصيا، الرئيس بوتين، ما يؤهّله ليكون "الوسيط” و”عرّاب” تطبيع العلاقات بين البلدين!!
بيلد الألمانية أوضحت أن الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، Donald Trump، يسعى إلى رفع العقوبات عن روسيا "بناء على نصيحة كيسنجر ذاته”، كما يشير إلى ذلك أيضا "التحليل الذي أُجري بناء على طلب من الأجهزة الأوروبية المختصّة”، مستأنسا ب”المعطيات التي تمّ الحصول عليها من الفريق الانتقالي للرئيس الأمريكي الجديد.
هنري كيسنجر "نصح” دونالد ترامب بـ”التنازل لموسكو عن النفوذ في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة"، في إطار ما سمُّي بال” "Crimean Consensus، في إشارة إلى المسألة الأوكرانية! في مقايضة تجعل روسيا "تقدّم ضمانات أمنية في الدونباس، مقابل توقّف "استياء الغرب إزاء ضمّ شبه جزيرة القرم، على أن "لا يعترف الغرب –رسميا- بهذه الجمهورية، وعليه "لا تبقى المشكلة عالقة !! ”
”لعبة كيسنجر"، كما نعتت وسائل إعلام مختلفة، وصفته الجديدة، يبدو أنها استهوت ترامب ليتبنّاها في التعاطي مع الصين: "الاعتماد على موسكو في مواجهته مع بكين”، أو هكذا يأمل!!
سبق لثعلب بازار الدبلوماسية، والواقعية الباردة، أن صرّح، للقناة التلفزيونية "سي بي إس، CBS”، "أنّ بوتين دقيق في حساباته ومُدافع شرس عن مصالح بلاده الحيوية”، مُشدّدا على أنّ ما سمّاه "الارتباط الوثيق بين التاريخ الروسي ومشاعر فلادمير بوتين الباطنية”!
كيسنجر تحدّث أيضا، في نوفمبر الماضي، عن الكيفية التي "يجب أن تتصرّف بها إدارة الرئيس ترامب مع روسيا، حاضّا على: "ضرورة التخلّي عمّا وصفه يومها ب”اللّهجة المتعالية” التي اعتمدها الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما! في اختصار ينصح عرّاب السياسات والاستراتيجيات الأمريكية، والكلام له، بأن "تُؤخذ موسكو على محمل الجد”!!!
في حديث أجراه مع صحيفة «ديلي سكيب» الأميركية، صرّح كيسنجر: "لقد أبلغنا الجيش الأميركي أنّنا مضطرّون لاحتلال 7 دول في الشرق الأوسط نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، لنا خصوصا لأنها تحتوي على البترول وموارد أخرى ولم يبق إلّا خطوة واحدة، وهي ضرب إيران وعندما تتحرّك الصين وروسيا من غفوتيهما سيكون -ما سمّاه- "الانفجار الكبير” والحرب الكبرى التي لن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي إسرائيل وأمريكا وسيكون على إسرائيل القتال بكل ما أوتيت من قوّة وسلاح لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط”. كيسنجر هو ذاته، من سبق وقال، وصُمّ عن قولته المأثورة: "إنّ طبول الحرب تُقرع الآن في الشرق الأوسط، وبقوة، وحده الأصم ومن لا يسمعها”! فهل سمعها المعنيون؟؟؟
أين يقف العرب من التموضع الإستراتيجي الجديد؟ وماذا يمكن أن يجنوه من التحالف –الأمريكي-الروسي-، إن قبلت به موسكو ، إن قبلت، والمرشّح أن يتحوّل إلى تناحر بين الولايات المتحدة تحت رئاسة ترامب المتعهّد "بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، Making America Great Again، جمهورية الصين الشعبية؟
من أوحى لكيسنجر بإمكانية انفصام "الزواج الكاثوليكي” الروسي-الصيني حتى يقدّم أوراق اعتماده عرّابا ووسيطا؟؟
أين هذا الكيان الهلامي المسمّى "إتحادا أوروبيا” وماذا تراه يصنع في ظلّ شراكة أمريكية-روسية، وقد أعلنت الشركة الروسية العملاقة، غازبروم ، في مجلتها "بلو فيول” أن "حصّتها من الغاز في أوروبا زادت تدريجا وبلغت نحو ثلث الاستهلاك الأوروبي”، مستوى –تبعية- قياسيّ تحقق رغم التوتّر مع الاتحاد الأوروبي بشأن سوريا وأوكرانيا؟؟؟
لا شيء يوحي في المنظور القريب، ولا حتى في زمن”الربيع" العربي، بأن العرب، بما في ذلك عرب”الثورة"، يضعون حدّا لعلاقة الإرتهان للولايات المتحدة التي كانت تقايض بها أنظمة العسف بقاءها، ولا هم في، الحد الأدنى، يستفيدون من المعادلات التي تتغيّر، ليراهنوا على أنفسهم هذه المرّة لتشكيل نظام عربي حقيقي، لا يرتهن لا لأمريكا ولا لروسيا ولا للصين ولا لأي قوة أخرى ..كامنة أو صاعدة!
من لا يزال يملك ترف المراوحة والتردّد، فليطرق السمع لجواب الاستراتيجي المعروف ومستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، زبيغنيو بريجنسكي، Zbigniew Brzezinski، عن سؤال:”كيف سيكون شكل العالم في ظل الانحدار الأميركي اليوم؟"، وهو يرسم لوحة قيامية، مستشرفا التداعيات المستقبلية لفقدان أمريكا دفّة القيادة، تتمثّل في ظهور سلسلة من ردود الفعل السريعة التي ستغرق العالم في حمّى الاضطرابات السياسية والاقتصادية. ففي ظلّ غياب قوة أخرى جاهزة للعب دور الولايات المتحدة، كما يعتقد، فإن "السيناريو الأرجح هو الدخول في حقبة طويلة من الاصطفافات غير المحسومة التي تجمع القوى الإقليمية والعالمية على السواء، لن يكون فيها فائزون كبار.. بل خاسرون كثر”! الخاسرون بمنظوره، هم أولئك الذين رهنوا أمنهم واقتصادهم ومصيرهم بالولايات المتحدة هذه التي يصطفون وراءها في "معاداتها” لروسيا والصين ثم تغيّر سياساتها كل ما اقتضت الضرورات أو الإكراهات الإستراتيجية!!!يعدّدهم بريجنسكي تباعا، من:”جورجيا إلى تايوان فكوريا الجنوبية وبيلاروسيا وأوكرانيا وأفغانستان وباكستان وإسرائيل إلى ما سمّاه”الشرق الأوسط الكبير”، ويصفهم بأنهم”كالأنواع المهدّدة بالانقراض"! ، داخل المعادلة الجيو-سياسية العالمية!!!