المازوشيون” و”المنتشون” بنتائج الإنتخابات الرئاسية الأمريكية!
نبيل نايلي*
”سيبدأ التغيير فور يومي الأول!سنبدأ عملية إعادة بناء بلدنا ونجدّد الحلم الأمريكي. سنعيد لأميركا عظمتها… سنراعي المصلحة الأميركية أولاً، لكنّنا سنصل لأرضية مشتركة مع كل دول العالم.. أمريكا لن تقبل بعد اليوم بأقل من الأفضل، نحن من سيحدّد مصير بلدنا !". مقتطف من خطاب النصر لدونالد ترامب.
"المازوشيون” و”المنتشون” بنتائج الإنتخابات الرئاسية الأمريكية! كان عنوان لمقال كتبناه منذ أفريل الفارط! أيام كان الحديث عن مجرّد إمكانية فوز هذا "الملياردير الأرعن”..نكتة سمجة! حاولنا تبيان -لمن يمارس حالة إنكاره- من هي هيلاري كلنتون، ولماذا لم تكن المرشّح الأفضل للحزب الديمقراطي!
أخيرا، أُسدل الستار على انتخابات الرئاسة الأمريكية وأُصيب الكثير بالصدمة وسُفّهت عديد وكُبريات مراكز استطلاعات الرأي ومحلّلون جهابذة، وكُنست هذه التي وصّفتها ديانا جونستون، Diana Johnstone، في كتابها الذي عنونته ب”ملكة الخراب، Queen of Chaos”، وصفتها بأنها: "كبيرة سماسرة الأوليغارشية الحاكمة” في واشنطن! أميرة الخراب التي نجت بقدرة قادر من تبعات فضائح وجرائم رافقت مسيرتها السياسية وسجلّ حافل بالخروقات والجرائم القانونية والدستورية! ملفات حارقة بعضها متعلّق بالأمن القومي الأمريكي! كبرى المؤسسات المالية، ولوبي المجمّع الصناعي العسكري، Military-Security Complex، واللّوبي الصهيوني، the Israel Lobby، فضلا عن "أشاوس” العرب- ممن قال عنهم ترامب نفسه "سواء أحببنا ذلك أم لا، أنا لا أمانع بذلك ولكننا تكبدنا الكثير من المصاريف دون أن نحصل على شيء بالمقابل.. عليهم أن يدفعوا لنا”!، موّلوا حملتها الإنتخابية، مقابل أن تكون حارسة معبد مصالح هذه اللوبيات قبل مصلحة الشعب الأمريكي أو حلفاء واشنطن ممّن احترفوا "المازوشية” فيما شُبّه لهم أنها علاقة "إستراتيجية” وخاب ظنّهم في أكثر من مرّة وإن تغيّرت وتعاقبت الإدارات دون أن يتّعظوا!
فاز ملياردير شعبوي متطرّف يعد الأمريكيين بأن "يعيد لأمريكا عظمتها”، وهو الذي لا يملك أي خبرة سياسية في انتخابات رئاسية شهدت اسفافا وابتذالا أخلاقيا وضراوة قلّ نظيرهم، في ما صُوّر على أنه "زلزال سياسي غير مسبوق أغرق الولايات المتحدة والعالم في مرحلة غموض قصوى”!
نعوم تشومسكي، Noam Chomsky، أفضل من كتب تعليقا على انتخاب دونالد ترامب، فاعتبر الرئيس الجديد "ظاهرة فريدة من نوعها”! بل "حصيلة مجتمع متداع وماضٍ بقوة نحو الانهيار”!، موضحا –لمن لا ذاكرة له- "أن المنافسات التمهيدية لنيل بطاقة ترشيح الحزب في السنوات الأخيرة، شهدت مُرشّحين شعبويين أكثر خطورة من ترامب، مما دفع قواعد الحزب إلى التدخّل لتصفيتها، مثل ميشيل باكمان، وريك سانتورم وهيرمان كين، لكن يبدو أن قيادات الجمهوريين لم تتمكن هذه المرة من عمل شيء”!
في ردّه على سؤال عن علاقة المشكلات، التي تواجهها الولايات المتحدة كانعدام المساواة والعنصرية والفجوات الإجتماعية والصراعات المتعلّقة بالهوية الثقافية، وارتباطها بصعود نجم دونالد ترامب، أكّد تشومسكي أنّ من أيّد دونالد "ليسوا من الفقراء، بل أغلبهم من الطبقة العاملة البيضاء، الذين عانوا التهميش خلال حقبة النيوليبرالية، ولنكن أكثر دقة؛ بداية من عصر رونالد ريغن”! هذه الشريحة من الناخبين من أوصلته إلى سدّة الحكم، في حين نأى أعضاء من حزبه عنه وانفضوا من حوله! لا يحصر شومسكي الأمر بهذه الأسباب فحسب؛ إذ يوسّع القائمة لتشمل، ما سمّاه "تنامي وتعزيز الشعبوية والقومية المتطرّفة، الذي تشهده أوروبا أيضا”! فيخلُص إلى أن "هناك ارتباط مباشر بين دعم الشعبويين المستبدّين والتحمّس لصعود ترامب، فالكثير منهم يشعرون بأنهم مهدّدون بصعود النسوية، وآخرون بأوضاع يعتبرونها مُخلّة بالنظام الذي يرونه ملائما. ومن هذا الخليط خرجت توليفة شديدة الخطورة”!
الشعب الأمريكي، الذي تعالت عليه "النخبة” و”انتخبت” قبله مراكز استطلاع الرأي، ومراكز البحوث والمحلّلون وسفّهت تطلّعاته هذه الهيلاري، كما سفّهها من قبل، سلفُها، صاحب الوعود الكاذبة، عزف وسئم نخبة حاكمة مغرورة، تعيش في برجها العاجي انفصاما وإنكارا لمشاكل الناخب الأمريكي، وتطلّعاته، وكنسها بطريقته، فاختار المحبطون الذين ملّوا استمرار الخديعة، اختاروا من احتقر "مؤسسة الحكم، The Establishment”، وتمرّد على الأعراف والنواميس الدبلوماسية!
أُنتُخب من نُعت ب”الرعونة” والصلف وقلة الخبرة السياسية، والجنون ووُصف بال”عنصري، واليميني المتطرّف، مُحتقر المرأة، وكاره المسلمين والإسلام، الرّاغب في إغلاق حدود الولايات المتحدة في وجوههم ووجوه غيرهم من المكسيك وأمريكا اللاتينية”! وأغلب تلك الأوصاف والنعوت التي استحقّها المرشّح الجمهوري، ولكن خطابه الشعبوي المتطرّف والعنصري لاقى آذاناً صاغية لدى الشريحة «الصامتة»، التي يقول عنها نعوم تشومسكي، إنّ "الديمقراطيين تخلّوا عنهم منذ السبعينات”!
حالة إنكار ذاتها التي لم تتوقّع فوز خيار «البريكست» في بريطانيا، وقد تنتابها نفس "الصدمة” في الإنتخابات الفرنسية القادمة! خيار الناخب الأمريكي، الذي فاجأ الجميع ممّن شبّهت لهم المؤسسة الرسمية ومكنة الإعلام ومراكز البحوث أن فوز كلينتون مضمون، وجب استيعاب دروسه وفكّ شفرة رسائله ومضامينه!
يُؤاخذ على ترامب قوله إنه "ينوي التخلّي عن سوريا وأنه يعتزم دعم علاقات أفضل مع روسيا ومحاربة تنظيم داعش بلا هوادة، ووقف دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة "حتى التوصّل إلى طريقة يُمكن معها معرفة توجّهاتهم قبل دخولهم إلى البلاد”! ووو غيرها مما يسمّيه الرئيس الفرنسي تمهيدا "لمرحلة غموض”، وتنسى "جوقة النائحين” على رحيل هيلاري كلنتون من هي فعلا "أميرة الخراب” ؟ وما هي برامجها السابقة والتي أعلنت بعضها خلال حملتها؟ ومن يقف وراءها؟ أ ليست هيلاري هي من أيّدت غزو العراق واحتلاله، وساهمت في قتل الرئيس الليبي والتنكيل به، أم نسي بعضهم تبجّحها ب”نجاح” العملية العسكرية في ليبيا، مستشهدة بتعبير لاتيني منسوب ليوليوس قيصر حول انتصاراته العسكرية، بمعنى "جئت، رأيت، انتصرت، Veni, vidi, vici”؟ أ ليست هي من من كانت تهدّد -صباح مساء- بالتدخّل العسكري في سوريا؟ واستكمال الخراب المنظّم شرقا وغربا!
نحن لا نهلّل ولا نأسف لا لهيلاري ولا لكلنتون ولا غيرهما وما يعنينا فقط من العلاقة العربية الأمريكية هو مدى توافقها أو التقائها أو تعارضها مع مصالح هذه الأمة. وهنا وجب الختام بسؤال أخير حارق ..متى سيعي أخيرا الشاعرون بخيبة أمل رحيل أميرة الخراب والمنتشون بفوز ترامب في "مسرحية” الإنتخابية الرئاسية الأمريكية -على حد سواء- الدرس الذي جاء على لسان صاحب الكتاب الشهير بعنوان ‘العالم الذي صنعته أميركا، The World America Made’، الكـاتب اليـميني المعروف روبرت كاجان، Robert Kagan، في ثصريحه البليغ : "إنّ كثيرا من الناس يخطئون إذا اعتقدوا أن هناك سياسة خارجية أمريكية خاصة بالجمهوريين والمحافظين وسياسة خارجية أخرى خاصة بالديموقراطيين. السياسة الخارجية الأمريكية، في كلّ الأوقات وتحت كل القيادات، انعكاس دائم ومتواصل لمبادئ المحافظين الجدد، أي أنها في الأصل الثابت: سياسة خارجية يمينية متطرّفة”؟! هلاّ استوعبتم؟