kayhan.ir

رمز الخبر: 42852
تأريخ النشر : 2016August05 - 19:42

المهم في الانقلاب العسكري التركي .


أحمد الحباسى

يتفق الكثيرون بأن الانقلاب العسكري الأخير في تركيا قد مثل ضربة موجعة لحكم الإخوان و للأنموذج التركي المزعوم و لأحلام الرئيس التركي و جماعته في بسط نفوذهم المعنوي و السياسي ثم الاقتصادي و العسكري على الدول العربية في إعادة للاحتلال العثماني من جديد ، أيضا كشف الانقلاب حجم الخلافات و الاضطراب الحاصل بين مكونات المجتمع التركي و عدم الانسجام بين كل عناصر المشهد السياسي القائم أصلا على أسس علمانية أراد مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال أتاتورك أن يلعب فيها الجيش دائما الدور الأساسي بصرف النظر عن كل التجاذب العرقي أو العقائدي أو السياسي ، و إذا لم يكن التحرك العسكري الأخير الأول من نوعه قد وصل إلى نهايته بالإطاحة بحكم الإخوان بصورة فعلية تماما كما حصل مع الزعيم نجم الدين أربكان سنة 1997 فانه قد نجح هذه المرة في مضاعفة أعداء الحكومة و الحزب الحاكم في تركيا و فرض واقعا شعبيا غاضبا و ترك للمستقبل أحقادا دفينة و حامية تشابه النار تحت الرماد .

من الواضح أن حزب العدالة و التنمية قد أصيب في مقتل و فقد في معركة مواجهة الانقلاب كل "أسلحته” المعنوية و لم يعد هناك من يصدق الديمقراطية التركية أو يصدق الوعود الكاذبة للرئيس التركي الذي ظهر مرتبكا و فاقدا لكثير من الغرور الذي تعودت عليه الجموع الشعبية منذ صعوده إلى سدة الحكم ، و من المؤكد أن المشهد الراهن يعكس تماما عدم قدرة مؤسسات الدولة و مشروع الإخوان و ما حدث من تغيير في رئاسة الحكومة التركية على التفاعل مع الأحداث المرعبة التي عاشتها تركيا لساعات طويلة توقفت فيها أنفاس أوردغان و زمرته الإرهابية ، و يأتي الجيش طبعا في مقدمة الغاضبين و بالتالي فان هذه الاعتقالات و مشاهد الإهانة لكبار ضباط المؤسسة و قتلهم في الشارع و تعمد تجريدهم من ملابسهم ستترك جروحا غائرة في صدور عائلات و أبناء هؤلاء المعتقلين و المغدورين بما سيضاعف من منسوب الكراهية و الحقد و الرغبة في الانتقام لدى قطاعات واسعة من الشعب التركي الكاره لحكم الإخوان .

لقد ظهر بالمكشوف أن حزب العدالة و الحكومة و رئيس الدولة قد استغلا هذا الانقلاب المشبوه لإطلاق حملة اعتقالات رهيبة واسعة طالت كل طبقات المجتمع و كل المعارضين ، و لعل اعتقال آلاف الصحفيين و المعلمين و الطلبة إضافة إلى عزل الآلاف من القضاة و كبار المسئولين في كل القطاعات و ضرب كبار الضباط في المؤسسات الأمنية و العسكرية الذين لهم علاقة بالاستخبارات قد زاد من منسوب الاحتقان لدى عائلات المعتقلين و المهددين بالاعتقال و الفارين من وجه هذه الآلة الحكومية البوليسية القمعية الجهنمية التي تعتقل الشعب التركي على الهوية ، الظاهر أيضا أن معركة كسر عظم المعارضة بكل تفرعاتها وأشكالها قد بدأت و ستنتهي في بحر من الدماء و لغة الخيانة و التخوين و المحاكمات العسكرية المغرضة و الظاهر من وجه و لغة رئيس الدولة رجب أوردغان أنه قد قرر هذه المرة التخلص من كل الأصوات المعارضة مهما كلف الثمن و مهما كانت التضحيات و النتائج المتوقعة على مستقبل السلم الاجتماعية الهشة خاصة في ظل ارتداد السياسة التركية الفاشلة في سوريا على الوضع الاقتصادي و الأمني بدليل الانفجارات المرعبة الأخيرة في مطار أتاتورك فضلا عن الصراع الأزلي الدائم بين الحكومة و قطاعات الشعب الكردي المظلوم .

بغض النظر عن نتائج الانقلاب فالراجح أن تركيا ما قبل الانقلاب لن تكون تركيا بعد الانقلاب لان الانقسام قد حصل بصورة عمودية و أفقيه داخل الوجدان و المشاعر الشعبية التركية ، و الأكيد أن حجم الاعتقالات الذي لم يحصل حتى في أعتي الديكتاتوريات في أمريكا الجنوبية قد عمقت حالة الانقسام بشكل غير مسبوق خاصة أنها شملت كل القطاعات الشعبية الحساسة و شملت كل العائلات التركية تقريبا بما فيها العائلات التي انتخبت هذا الحزب الفاشي المتلون و العميل للصهيونية العالمية ، لذلك يمكن القول أن انشغال رئيس الدولة و أجهزة الدولة و الحزب الحاكم بإعادة ترتيب البيت ستكون على غاية من الصعوبة أن لم نقل أنها مهمة عسيرة مستحيلة بحيث سيكون لهذا الفشل تأثير كبير على علاقات تركيا بجوارها و بمحيطها مما سيغيبها عن المشهد الإقليمي و بالذات عن الملف السوري لفترة طويلة و هو ما يمثل إعلان فشل سياستها الخارجية و بداية دفعها لفاتورة انخراطها في مشروع إسقاط النظام السوري و إشعال الفتنة في الشام ، و حين تشمل الاعتقالات غلق رياض الأطفال و المدارس و المعاهد لا يمكن الحديث عن أنموذج تركيا أو سياسة صفر مشاكل و تركيا تغلي كالمرجل .

تعيش تركيا اليوم حالة من الخوف و الارتباك و الفوضى و الشك ، فلا القاضي و لا العامل البسيط و لا الفلاح و لا الموظف واثق من الهروب بجلده من هذه المحرقة المرعبة التي تنفذها أجهزة التعسف البوليسية التركية الموالية للإخوان ، أيضا أصبحت تهمة ” المشاركة في انقلاب” كلمة السر الذي مكنت الحكومة التركية من الزج بالآلاف في المعتقلات بدون محاكمات و التخلص من الآلاف بطردهم تعسفيا من وظائفهم ليبقى السؤال لماذا تم طرد هذه الآلاف من القضاة و هل اكتشفت الحكومة فجأة و في ساعات قليلة انتماءهم و هل أصبحت رياض الأطفال تمثل خطرا على "الديمقراطية ” التركية التي يروج لها كمثال في المنطقة و ما علاقة فصل الأساتذة الجامعيين و الأكاديميين بالانقلاب خاصة و أن هؤلاء لم يعلنوا مباركتهم و تأييدهم لما حصل في ساعات محدودة ، ثم لماذا كانت ردود الدول الغربية خجولة و مرتبكة بحيث لم تسارع إلى مساندة ما سمي "بالديمقراطية التركية ” ، و لماذا استشعر الشعب التركي أن الانقلاب يخيره بين الكوليرا و الطاعون و لماذا تم تحذير تركيا بضرورة التزامها بمبادئ الديمقراطية الأوروبية في إشارة صريحة إلى أن ما يحدث قد يزيد من عزلة النظام و انتهاء حلمه بالانضمام للنادي المسيحي .

رغم استمرار الجدل حول أسباب فشل الانقلاب و هوية المنقلبين و علاقتهم بجهات خارجية أو داخلية و رغم مسارعة النظام باتهام الداعية فتح الله غولن خصم الرئيس التركي و حليفه السابق و بعض الشكوك في سابق علم الإدارة الأمريكية بهذا الانقلاب بدليل ارتباكها و عدم مسارعتها للتنديد كعادتها و تأكيد الصحف العبرية بأن كثيرا من الأنظمة الغربية و الإقليمية كانت ستساند الانقلابيين و تفرح لسقوط حكم الإخوان تماما كما حصل في مصر و تونس ، فالثابت أن هناك إشارات لا تخطيء حول وجود تحول في النظرة الغربية نحو السياسة التركية في المنطقة و أن هناك علامات استفهام تطرح في كثير من المطابخ السياسية حول دور المخابرات التركية و بعض رجال الأعمال الأتراك المنتمين للتيارات التكفيرية في التفجيرات التي تهز بعض الدول الغربية و أخرها فئ فرنسا ، الثابت أيضا أن تركيا معرضة اليوم لكثير من التهديدات الإرهابية و كثير من الزوابع السياسية الداخلية و كثير من منسوب الحقد و الكراهية ضد النظام الحاكم و تصدع الوحدة الوطنية هو الخطر المحقق القادم الذي سيهز عرش الإخوان تماما كما حصل فئ مصر و تونس .