kayhan.ir

رمز الخبر: 42771
تأريخ النشر : 2016August03 - 19:34

’بيت العنكبوت’.. وقاسم نصر ’بنت جبيل’

فاطمة سلامة

"ان اسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت". عبارة قالها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، كانت كفيلة بإثارة جنون كل ما هو "إسرائيلي". المقولة الشهيرة، التي أطلقها سيد المقاومة في السادس والعشرين من أيار 2000، لم يستطع "الإسرائيلي" تجاوزها. خطاب العنكبوت بات "عقدة" الصهاينة. ظل محفوراً في ذاكرتهم لسنوات، وبقيت معه لحظات الإنكسار، حين جرّ العدو ذيول الخيبة وراءه ومضى، الى أن عاد لارتكاب الحماقة من جديد. كان عليه أن يُفكّر في الإنتقام من تلك البلدة، وكسر رمزيتها، ظناً منه بأن درب الوصول اليها معبّد لمرتزقته، محاولا احتلال بنت جبيل عاصمة المقاومة والتحرير في حرب تموز 2006، ليرفع راية كيانه في المكان الذي ألقى فيه السيد نصرالله الخطاب. ولكن هيهات، ما كان لمحاولاته البائسة وأحلامه تلك إلا أن تتحطّم على أيدي رجال الله في معركة وُصفت بالـ"الأشرس" والأكثر ضراوة في تاريخ الحروب.

"الفولاذ" أضغاث أحلامهم

البلدة "الحلم" بنظر "الصهاينة" لم تقتصر محاولات احتلالها على تجربة أو اثنتين. ظلّت هدفاً للإسرائيليين منذ بداية الحرب حتى نهايتها، وعلى مراحل متعددة. تحويل نظرة "بيت العنكبوت" الى "الفولاذ الصلب" كان أمنية الأمنيات. يتحدث أحد القادة الميدانيين عن أهمية معركة بنت جبيل، فيقول "منها انطلق خطاب النصر، ومنها رام الإسرائيليون نعيه، لكنهم منيوا بالهزيمة بالكبرى". يسترجع المتحدّث المراحل التي طبعت معركة بنت جبيل. أولاها، بدأت من الثالث عشر من تموز حتى الرابع والعشرين منه. قصفت المدينة في هذه الفترة، من دون القيام بهجوم بري. وثانيها، استمرت من الرابع والعشرين من تموز حتى التاسع والعشرين منه، حاول الإسرائيليون خلال تلك المدة التقدم براً عبر تلة مارون لاحتلال المدينة، حصلت مواجهات عنيفة تكبد خلالها المحتل خسائر كبيرة واضطر الى التراجع. جرّب حظة مرة أخرى، من جهة مربع التحرير، فوجد نفسه مضطراً للإنسحاب تحت وابل نيران المقاومين. ليحاول الإلتفاف من جهة تلة مسعود، على اعتبار أنها قد تكون المنفذ لاحتلال بنت جبيل، لكنه أيضاً لم يستطع. وما هي إلا أيام، حتى بدأت المرحلة الثالثة التي امتدت من التاسع والعشرين من تموز حتى الثامن من آب. في هذه المرحلة، تعرضت بنت جبيل للقصف التدميري الانتقامي، بعد اليأس والإحباط الذي أصاب جنود العدو إثر فشل كل محاولات إحتلال المدينة، وإثبات نظرية "بيت العنكبوت".

قاسم النصر والوداع الأخير

العمليات البطولية التي خاضها المقاومون في بنت جبيل، قادها الشهيد خالد بزي "الحاج قاسم". عن ذاك المقاوم حكايات لا تزال محفورة في الوجدان على مرِّ عقد من الزمن على عروجه ولمَّا تزل ترجع صداها عبر التلال والوهاد هناك... كيف لا، وهو الذي نذر حياته لـ"بنت جبيل"، مسقط رأسه متحدِّيا كل ما قُدِّم إليه من مغريات مادية ومعنوية، على حد قول أحد المقربين منه. عن شخصية هذا الشهيد الفذة يتحدّث. يروي كيف سافرت عائلته عام 1987 الى كندا، ولكنه بقي هنا، ثابت على حدود فلسطين المحتلة. منذ الصغر، خبر طريق النصر. التحق بساحات الجهاد، حتى أصبح رقماً صعباً على لائحة الأهداف "الإسرائيلية". يُطلب منه أخذ الحيطة والحذر بدرجة عالية، منعاً من استهدافه.

بنت جبيل قاهرة الغزاة

صبيحة الثاني عشر من تموز 2006 –يقول أحد رفاق الدرب- "نفذ الشهيد ورفاقه عملية "خلّة وردة". حينها طُلب منه التراجع الى الخطوط الخلفية حفاظاً على سلامته. فرفض، يمم بعدها وجهه شطر بنت جبيل. هناك وُلد وفيها يبقى، وهو المعروف بحبه لبلدته. حطّ رحاله بدايةً عند المجاهدين، مطمئناً على أحوالهم وجهوزيتهم، ثم توجه الى منزل عمته حيث ترقد أمه العائدة من كندا والتي لم يتسن لها رؤيته سوى لوقت قصير خلال اصطحابها من المطار الى البلدة. قال له أحد الأصدقاء "اقض هذه الليلة بجانب والدتك. لدي احساس بأنها الليلة الأخيرة بقربها". وبالفعل بقي بجانب أمه وأقربائه. جلهم لم يشعروا أنّ أحد القادة في ضيافتهم. في الصباح الباكر، انتظرته سيارة أحد الأصدقاء أمام منزل عمته، فخرج من الشباك الخلفي للمنزل، تفادياً للأسئلة و"القيل والقال". وحدها أمه كانت على علم بالخروج. توجهت الى السيارة ودّعته. فقال لها صديقه "ودعيه يا أم علي فلن تريه بعدها". ابتسم الحاج قاسم وقال لها "ما تهكلي هم"، فابتمست الحجة وقالت "الله يحميكن"".

نائب كندي ينحني لأجمل الأمهات

"التميز" الذي طبع شخصية الشهيد بزي، جعله مثار إعجاب كل من عرفه أو سمع عنه. أخلاقه المميزة، وروحه الطيبة، وتوقيره للصغير قبل الكبير. كلها أمور، جعلته "حبيب العائلة" و"مميزاً" لدى أمه. تلك السيدة السبعينية التي كانت تترك عائلتها في كندا كل عام وتأتي الى لبنان للإطمئنان على أحوال خالد وأوضاعه، لم تستطع إخفاء مظاهر الفخر بولدها حتى في كندا. أقامت له احتفالاً بشهادته هناك، وعلقت صوره في الزي العسكري داخل منزلها وعلى الطرقات. وهنا يروي أحد المقربين من الشهيد بزي حادثة حصلت مع "أم علي" في بلاد الإغتراب، فيقول " تملك هذه المرأة من الجرأة ما يكفي لمقارعة الكثيرين. إثر استشهاد خالد، سمع أحد النواب في الولاية التي تقطن بها عائلته، بأن هناك شهيداً في حزب الله، يقيمون له احتفالاً ويوزعون صوره. أحب هذا النائب أن يزور العائلة. وما إن زارها، حتى بدأت الأسئلة تنهال على الوالدة. كيف مات ابنك؟. أجابت الأم:" في مواجهة "إسرائيل"". لم يكتف السائل بالجواب، فبادر الى سؤال آخر. لماذا أتيتم جميعكم الى هنا، وبقي هو. أجابته "لأنه كان الأذكى بيننا. عرف قيمة الحياة، ومعناها". فبادر بالقول "وهل معرفة معنى الحياة تكون بالموت". عندها تحركت كل معاني الفداء والتضحية والشهادة في جسد أم علي، وأرادت استفزاز الضيف، فقالت له "ألديك منزل؟". قال نعم "لدي قصر كبير". فسألته "إذا بادرت الى تشكيل عصابة، وذهبنا الى منزلك لسلبك إياه واحتلاله، ماذا تفعل؟". عندها ردّ الضيف "أقتلكم بسلاحي، وإذا لم يكن متوفراً لدي، فبسكين". حينها، قالت له "ولدي هكذا، حاول "الإسرائيلي" احتلال أرضه، فقاتله واستشهد، وأنا قدمته في سبيل الدفاع عن مسقط رأسنا وكرامتنا". حينها، يقول المتحدّث "انحنى النائب الكندي، ووجه التحية لأجمل الأمهات".