العــراق.. وطريـق الخـلاص المُتـاح
أحمد الشرقاوي
أنا لست مُؤهلا لإعطاء العراقيين العظماء دروسا في التاريخ والوطنية أو في الدين والسياسة، وأعترف بفضل أساتذتي العراقيين الذين تعلمت على يدهم أبجديات العلم في الصبا، رحمهم الله جميعا، لكني أعتقد أن لاعب كرة القدم مثلا، وبرغم معرفته بقواعد اللعبة وامتلاكه للتقنية والمؤهلات الفنية، إلا أنه يرتكب أخطاء لا يراها في خضم الحماسة والانفعال، والمتفرج المحايد هو وحده القادر على ملاحظتها وانتقادها..
لذلك، ومن منطلق حبي للعراق والعراقيين الشرفاء، سأسمح لنفسي بأن أقول لكم ما قد لا يواسيكم في مصابكم الجلل بقدر ما سيزيد من حيرتكم ومعاناتكم التي برغم أنها قدركم اليوم، إلا أنها تمثل محطة مفصلية في تاريخ بلدكم وقنطرة إلزامية للعبور نحو عراق جديد غير العراق الذي عهدتموه من قبل، أو العراق الذي تعيشون في كنفه اليوم، لأن المصائب والمحن والتجارب القاسية هي التي تصقل الشعوب وتصنع الحضارات العظيمة.. هذا ما يقوله التاريخ وتؤكده سنن الله في الخلق.
فاعذروني أو لا تعذروني هذا شأنكم، لكن اعلموا أن مواقفكم العاطفية والانفعالية اليوم لن تغير من واقعكم شيئا بقدر ما ستزيد من تعميق معاناتكم، وقد تُسرّع لا سمح الله بسقوط العراق الحبيب في الهاوية التي أعدت له بإحكام كي لا تقوم له بعد ذلك قائمة في المنطقة..
اليوم لا مُنقذ لكم من الفتن والمؤامرات الخبيثة التي تحاك ضدكم من الخارج عبر عملاء الداخل غير وحدتكم الوطنية ووقوفكم على قلب رجل واحد من أجل عراق جديد مختلف..
عراق لا يشبه عراق الطاغية صدام الذي يريدكم البعض أن تبكوا زمانه لأنه كان يوفر لكم الأمن مقابل تنازلكم عن أعز وأغلى ما وهبكم الله: "الحرية والكرامة”، لتكونوا خلفاء في الأرض فاعلين ومسؤولين عما كسبت أيديكم..
عراق مختلف تماما عن عراق الطوائف الذي صنعه لكم الحاكم بريمر على مقاس نبوءات التوراة، لتتحولوا إلى أعداء دائمين متخاصمين ومتصارعين، لا خلاص لكم إلا بالاعتصام بالمنقذ الأمريكي وقبولكم بالتحول إلى عبيد لمملكة "إسرائيل ويهوذا الكبرى”، عقابا لما فعله بها جدكم نبوخذ نصر الذي غزاها في بلاد الشام ثلاثة مرات قبل الميلاد بستة مئة سنة، وسبى شعبها بما فيهم الأعيان والأشراف إلى بابل، وهدم أسوارها وأحرق الهيكل وغنم كنوزه..
ولعل هذه الواقعة الفارقة التي يربطها بعض المؤرخين بالوعد الثاني الوارد في سورة الإسراء، هي التي تفسر ما يحدث للعراق اليوم من قتل وخراب ودمار لقطع الطريق أمام حدوث النبوءة الثالثة الواردة في نفس السورة القرآنية الكريمة..
بدليل، أن أول ما قام به الأمريكي والصهيوني بعد احتلال العراق هو الاستحواذ على المتاحف ونهب كل التراث اليهودي، بما في ذلك بعض المخطوطات والآثار التي تتحدث عن وجود مجتمعات يهودية متطورة عاشت في ذلك العصر في بلاد الشام ونقلها نبوخذ نصر إلى عاصمة مملكته في بابل حيث حوّل حوالي 50 ألف يهودي إلى عبيد.
وبغض النظر عن دقة هذه الرواية التاريخية من منظور التوراة وعلاقتها بالوعد الإلهي الثاني المذكور في القرآن، فإن "إسرائيل” وأمريكا يؤمنون بها إيمان اليقين، وعثروا في العراق على حفريات ومخطوطات تثبت ذلك، لذلك انتقموا من العراق بتدميره وقتل علمائه وإعادته إلى العصر الحجري ما قبل التدوين، ويحاولون اليوم قطع الطريق على وعد الله الثالث حتى لا تتكرر الكارثة التي تبشر بنهايتهم الحتمية في بلاد الشام على يد تحالف أجناد الشام وأجناد العراق وأجناد اليمن، وفق نبوءة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، الواردة في الحديث الشهير الذي تعرفونه حق المعرفة وتتجاهلونه، لأنكم تعيشون بلا رؤية مستقبلية بعد أن استبدّ بقلوبكم الخوف وطغى على عقولكم همّ العيش في ظل منظومة الطائفية والفساد التي حولت حياتكم إلى جحيم دائم مقيم..
والسؤال الجوهري الذي يطرح في إطار هذه الصيرورة التاريخية الكبرى التي تعيشون اليوم مخاضها العسير هو التالي: – هل نشأة حزب الله في لبنان، والجهاد الإسلامي في فلسطين، والمقاومة الشعبية في سورية، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن.. كانت محض صدفة أم أنها إرادة الله التي لا يفهم سرّها سوى العارفين بالله من عباده المخلصين؟..
"إسرائيل” ليست بغافلة عن هذا المعطى، بدليل سعيها عام 2006 لسحق حزب الله واجتثاثه من جنوب لبنان.. وسعي أمريكا لتدمير سورية وتفكيك جيشها ومقاومتها الشعبية خوفا على أمن ومصير "إسرائيل” كما اعترفت الصهيونية هيلاري كلينتون بذلك في إحدى رسائلها المسربة أخيرا.. وإعلان "السعودية” التي هي الوجه الثاني للصهيونية "عاصفة الإجرام” ضد أنصار الله في اليمن بدعم أمريكي وإسرائيلي من الخلف.. ومحاولة واشنطن المستميتة الضغط على الحكومة العراقية لحل الحشد الشعبي واستبداله بالحرس الوطني على أساس عقيدة عسكرية وطنية لا جهادية دينية كشرط لتطهير العراق من "داعش”.. وشن الإعلام الخليجي مدعوما من حاخامات الوهابية وكهنة الأزهر الذي لم يعد شريفا لحملة مسعورة ضد الحشد الشعبي تتهمه بالطائفية وقتل السنة وسبي ممتلكاتهم وتدمير بيوتهم مقابل رشوة بقيمة 3 مليون دولار تلقاها كبيرهم الذي علمهم النفاق الشيخ أحمد الطيبي، وفق ما نشره موقع إيراني نقلا عن مصدر استخباراتي رفيع تحدثنا عنه في حينه.
ومن هنا يفهم أيضا طلب سفير السعودية عادل الجبير من الحكومة العراقية نيابة عن "إسرائيل” بضرورة حل الحشد الشعبي لأنه "طائفي”، وهو ما قابله تصريح تصعيدي ناري من الحشد الشعبي يطالب المجتمع الدولي بتفكيك نظام ‘آل سعود’ اليهود المسؤول عن تفريخ الإرهاب وتمويله ودعمه في المنطقة والعالم، والعراقيون يعلمون علم اليقين أن مملكة الشر والإرهاب الوهابية هي التي تذبح الشعب العراقي صباح مساء منذ سنين بواسطة كلاب الجحيم الذين جندتهم خدمة لأهداف "إسرائيل”.
وليست صدفة أن أتت كارثة الكرّادة غير المسبوقة في تاريخ الإرهاب بالمنطقة، والتي خلفت حوالي 300 شهيد ومئات الجرحى من المدنيين الأبرياء، مباشرة بعد تحرير الفلوجة التي حوّلتها "داعش” إلى عاصمة لصناعة الأسلحة بمساعدة تركيا، وبعد اجتماع رئيس الحكومة العبادي مع الحشد الشعبي واستنكاره لتصريحات الوزير الجبير وسفيره في العراق وتأكيده أن الحشد الشعبي مؤسسة عراقية رسمية لا مليشيات إيرانية.
وبالتالي، فإدانتكم اليوم للصمت الرسمي والشعبي العربي، واستنكاركم لصمت مؤسسة الأزهر الكهنوتية أمام هذا المصاب الجلل، في الوقت الذي أدانت فيه بأشد العبارات التفجيرات المفتعلة في مملكة الشر والإرهاب والتي خلفت 4 شهداء من قوات الأمن، لن تغير شيئا من الحقيقة التي تقول أن التضامن العربي كما عهدتموه في الزمن الجميل لم يعد قائما، والأخوة في الإسلام التي روج لها تجار الدين لتدجين الشعوب كانت كذبة كشف زيفها الواقع المؤلم الذي يعيشه العراقيون والسوريون واليمنيون والليبيون اليوم، خصوصا بعد أن تحول الدين إلى بضاعة للاسترزاق على سنة اليهود، وأصبحنا نرى ونسمع علماء ليس لهم من العلم إلا التسمية يبيعون فتاويهم الإجرامية إلى كل من يدفع أكثر بما في ذلك أمريكا و”إسرائيل” وحلف الناتو (القرضاوي نموذجا).
*** / ***
فلا تبكوا حالكم اليوم أيها الشرفاء، ولا تتحسّروا على عهد السفاح صدام، ولا تحتموا بالطائفة والمذهب بمبرر هاجس الخوف من الإرهاب، ولا تعوّلوا على نظامكم الفاسد ليكشف لكم من يقف وراء هذه الكارثة ولماذا؟ أو ليرفع دعوى ضد "السعودية” وتركيا في المحكمة الجنائية الدولية، هذا خط أحمر أمريكي ممنوع التفكير فيه وقد يكلف العميل العبادي رأسه، لأنه لو كان لهذا الرجل الحس الوطني لما استدعى الأمريكي لمحاربة "داعش” في العراق وهو يعلم أن هذا التنظيم صناعة أمريكية وصهيونية بتمويل سعودي وخليجي، ولو كان يملك حدا أدنى من الإرادة ويهمه أمن ومصلحة ومستقبل الشعب العراقي لما أعاد العلاقات الدبلوماسية مع مملكة الشر والإرهاب "السعودية”، أو لطرد سفيرها بعد تصريحه المشين بشأن الحشد الشعبي وتدخل وزير خارجيتها بشؤون العراق السيادية وذلك أضعف الإيمان.. فلا تراهنوا على الوهم ولا تتركوا دخان التفجيرات يحجب عنكم شمس الحقيقة.
*** / ***
لأن الحقيقة التاريخية العراقية تقول اليوم، أن الطاغية الذي حارب إيران لثمان سنوات بالوكالة عن أمريكا وبتمويل سعودي وخليجي بلغ 200 مليار دولار كما سبق وأن كشف سماحة السيد ذات خطاب، كان يحارب الثورة الإيرانية لحساب أمريكا و”السعودية” و”إسرائيل” من الباطن، كي لا تنتشر عدوى الصحوة الإسلامية في شعوب الأمة، وهو نفسه الذي يقتل العراقيين اليوم من قبره بعد قوله قبيل إعدامه "لن يكون العراق بعدي”، وذلك من خلال "داعش” التي هي النسخة الثانية المعدلة لحزب البعث الذي حلّه الأمريكي وفكّك جيشه الرسمي ليتحول بالخديعة إلى جيش سرّي يذبح العراقيين باسم الإسلام والإسلام منه ومن ممارساته الإجرامية براء..
ثم لاحظوا أيها العراقيون الشرفاء، أن من يذكركم اليوم بنعمة الأمن والاستقرار زمن المقبور صدام، ويطالبكم بالوقوف على الأطلال للبكاء على زمانه والترحم على ظلمه وفساده، هو من يرفض تسمية جيش أمريكا السرّي بـ”داعش” ويصر على تسميته بـ”الدولة الإسلامية”.. لماذا؟..
فقط قارنوا بين هذا الإصرار العجيب على تسمية "داعش” بـ”الدول الإسلامية” وإصرار "إسرائيل” على وصف التوحش والإجرام بـ”الإرهاب الإسلامي” لتفهموا السر وما أخفى..
وكأني بهم يسعون جاهدين لكيّ وعي الرأي العام الغربي والعربي الغبيّ بمفهوم جديد مُؤداه، أن كل ما هو "إسلامي” هو بالضرورة شرير، خبيث، عدواني، مجرم، إرهابي، متوحش، كاره للحياة، خطر على الإنسانية جمعاء، ومعادي للحضارة والقيم الغربية.. وبالتالي، لا يستحق التعاطف معه أو الدفاع عن حقوقه المغتصبة لأنه يكره الحرية ويعتبر الديمقراطية كفرا ويعيش خارج العصر وعلى هامش الحضارة..
وهذا يقودنا إلى مواجهة ثقافية خطيرة، تبدو خاسرة أمام مفهوم جديد يتم الترويج له في الغرب بقوة في إطار نفس مشروع "صدام الحضارات”، ومفاده، أن "إسرائيل” التي تتقاسم نفس القيم الحضارية "اليهودية – المسيحية” مع الغرب، تعيش اليوم وسط غابة من الوحوش والإرهابيين "الإسلاميين” في المنطقة، وبالتالي، لها كامل الحق في الدفاع عن أمنها واستقرارها بكل السبل والوسائل المشروعة وغير المشروعة، لأن "الإرهاب الإسلامي” المتوحش لا يحترم القانون والأخلاق فكيف تريدون من "إسرائيل” أن تتعامل معه بأخلاق؟..
وبالنتيجة، من يتحلى بالشجاعة وينتقد "إسرائيل” على المجازر التي اقترفتها في لبنان وغزة بالأمس، وعلى الإعدامات في حق الفلسطينيين العزل اليوم، ومن يطالب برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني المظلوم في غزة، ومن ينتقد التعاون الأمني لسلطة العميل محمود عباس مع الصهاينة ضد الفلسطينيين المجاهدين في الضفة، ومن يناصر حزب الله في لبنان، ومن يدافع عن أنصار الله في اليمن.. إنما يدعم الإرهاب "الإسلامي” الذي يقتل المدنيين الأبرياء في "إسرائيل” ويقف موقفا معاديا من السامية ويعتبر عدوا للقيم والحضارة "الإنسانية” الغربية..
وبفضل هذه التخريجة المفاهيمية العجيبة التي تخلط بين الإرهاب والمقاومة، أصبح المسلم "إرهابي” بالطبيعة، سواء أكان سلفيا تكفيريا أو مقاوما شيعيا أو سنيا لا فرق..
وهذا يقودنا لاستنتاج خطير يراد له أن يتحول إلى معطى موضوعي مؤداه، أن من يصنع هذا الفكر التكفيري المجرم هو "القرآن”، وفق ما تروّج له "إسرائيل” وعملائها بقوة، والمعضلة وفق هذا المنطق التحويري المضلل لا تكمن في الفكر الوهابي المنحرف بقدر ما تكمن في القرآن الذي يُشجّع على العنف والقتل وكراهية اليهود والكفار في الغرب كما يقولون، والمنافقون من الأنظمة العربية المعتدلة التي تتبنى الإسلام المنفتح على الغرب والمتصالح مع "إسرائيل” وتحارب الإرهاب كـ”السعودية” ومشيخات الخليج وتركيا ومصر والأردن والمغرب على سبيل المثال لا الحصر هم مستهدفون من قبل "الإرهاب الإسلامي” الشيعي اليوم كما يروجون لذلك بقوة ويعتبرون الإرهاب الوهابي المتوحش جهادا وثورة دفاعا عن المظلومين السنة.
وانسجاما مع هذا التحول الخطير في المفاهيم لقتل روح الجهاد في الأمة وإفراغ عقيدتها الدينية من جوهرها، بدأت بعض الدول في تعديل مناهج "التربية الإسلامية” التي أصبحت تسمى اليوم "التربية الدينية” احتراما للأديان الأخرى كما يقول مُنظروها..
وكأن الله بعث رسله بأديان مختلفة وليس بدين واحد اسمه الإسلام الذي آمن به جميع الرسل والأنبياء من نوح صعودا إلى محمد هبوطا مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل والأنبياء مما نعلم ولا نعلم بدليل القرآن عليهم السلام جميعا، وكأن الله سبحانه وتعالى المنزه عن العبث كان في كل مرة يكتشف عدم صلاحية دينه لعصر ما يستبدله بدين آخر جديد، وهناك اعتقاد لدى عديد فقهاء المسلمين يقول بأن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أتى العرب بدين جديد وأن الإسلام هو غير الديانات السابقة، وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى عما يصف الجاهلون علوا كبيرا هو من أسس للحروب الدينية بين عباده وليس سوء فهم الفقهاء الذين تحولوا إلى سحرة يدجّنون الناس خدمة لأهواء الساسة ومتطلبات السياسة.. فهل هناك جهل أكبر من جهلنا؟..
وها نحن نرى اليوم كيف أن المغرب حذف من مناهجه التعليمية بضغوط أمريكية وصهيونية (سورة الفتح) لأنها تحرض على القتال وتوقف مفهوم البيعة على شرط الجهاد، و”أمير المؤمنين” في المغرب يريد أن يبايعه الشعب من دون التزام بشرط الجهاد، لا من أجل تحرير الأرض (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المحتلة من قبل إسبانيا) ولا من أجل تحرير القدس برغم أنه ورث لقب رئيس لجنة القدس عن والده المقبور الحسن الثاني في بدعة غير مسبوقة، وتبين أنه في عهده تهوّدت القدس وضاعت فلسطين وتحوّل باب المغاربة وحيّهم الذي أقاموه زمن التحرير الثاني في عهد صلاح الدين إلى حي لليهود الصهاينة.
ورأينا كيف أن وزير الثقافة المصري طالب هذا الأسبوع أيضا الحكومة بضرورة مراجعة مناهج التربية الدينية، ووصلت به الوقاحة حد المطالبة بحذف آيات الجهاد من القرآن الكريم لأنها لم تعد مناسبة للعصر.. وهذا هو بيت القصيد، لأن المطلوب اليوم هو إعادة النظر ليس في الموروث الخاطئ من التراث وتنقيته، بل إعادة النظر في كلام الله الذي يمثل الحقيقة المطلقة ولا يمكن أن يصح إيمان المسلم إلا إذا أخد به كاملا غير منقوص، ما دام الله تعهد بحفظه كي لا يتطاول عليه الكهنة المتأسلمين كما حدث زمن الحاخامات والكهنة مع الرسالات السابقة.
وسوء فهم القرآن واعتماد الموروث من العجائبي والغرائبي الذي تزخر به التفاسير المكرورة والمجترة التي تزخر بها المكتبات العربية حد التخمة لا يجعل من القرآن مادة للبتر والتعديل نزولا عند رغبة أمريكا والغرب الأطلسي والصهاينة اليهود، بل المطلوب هو العودة للقرآن بقوة، لأنه هو الفاصل في الخلافات بين الرسالات والمذاهب أيضا، ولو قام المسلمون بهذا المجهود لتنقية العقيدة وتصحيح الفهم لما اختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم بعد أن جاءتهم البينات من ربهم فأصابهم الله بالعذاب كما أصاب أمة العرب اليوم.
لا أريد أن أدخل في نقاش هذا الموضوع من كافة جوانبه التي يطول شرحها، لكنني أكتفي بتسجيل هذه الملاحظة الهامة والخطيرة، وأتركها للتأمل والمناقشة المفتوحة..
هذا في ما له علاقة بإشكالية الاختلاف الذي ظهر بظهور المذاهب، ولا سبيل لتجاوزه إلا بالعودة لتحكيم آيات القرآن في الثوابت والمبادئ، بدءا بالمحكم وانتهاءا بالمتشابه، لنتمكن كأمة من تصحيح المفاهيم كي نتكلم بلغة دينية واحدة، مرورا بالسنن الإلهية لنفهم أوضاعنا وواقعنا السياسي اليوم ونستفيد من تجارب الأمم السابقة ونؤسس على ضوئها رؤيتنا لمستقبل أمتنا، وانتهاء بالشرائع التي لا تختلف في مسار الكون والتكوين من رسالة إلى أخرى إلا في بعض التفاصيل الظرفية البسيطة، لأن آيات الكتاب الحكيم هي الفيصل بين المسلمين جميعا بمن فيهم أهل الكتاب الذي هم مسلمون أيضا بشهادة القرآن والفارق يكمن فقط في الخلط القائم بين العقل والإيمان، وذلك على أساس التفسير بآليات العقل والمنطق في ما يتعلق بالسنن والشرائع، والتأويل بنور الفهم والإدراك الذي يقذفه الله بنور الوحي في قلوب العارفين المخلصين في ما يتعلق بجوهر العقيدة وبواطن الحقائق كما هي على حقيقتها لا كمى تراها الحواس المجردة.
*** / ***
ما في ما له علاقة بالسياسة، فقدر العراقيين اليوم أن يتركوا كل خلافاتهم جانبا ويتوحدوا على قلب رجل واحد ليبعث الله فبهم رجلا حكيما وقائدا مصلحا، لأنه كيفما تكونوا يولّى عليكم كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جرّبتهم نظام العسكر زمن صدام وعانيتم من ظلمه وجبروته، وجرّبتم نظام المحاصصة الطائفية اليوم وعانيتم من فساده وعمالته، وآن الأوان لأن تقلبوا الطاولة على الجميع وتجرّبوا نظاما جديدا بقيادة ربانية رشيدة تصلح حالكم وتقود سفينتكم إلى بر الأمان من أجل مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم، حتى لو اضطررتم لاختيار قيادة جماعية مرحلية من صفوة العلماء ورجال الدولة الصالحين ليضعوا رؤية جديدة لعراق المستقبل.
وبالمناسبة، تذكروا أن بلدكم هو بلد أب الأنبياء والرسل إبراهيم الخليل عليه السلام الذي ولد في مدينة ‘أور’ وعاش بها قبل الهجرة، وهو صاحب العهد الإلهي الذي لم ينله أحد من البشرية غيره، وقد حافظ عليه وأورثه الله لذريته من عباده الصالحين وقال له أنه لن ينال عهدي الظالمين.. وهذا يعني أن القيادة الحكيمة التي تستحق عهد الله للإمامة تكون من اختصاص السماء، فهي من تختارها حين تتوفر الظروف والشروط لذلك، وأولاه الاعتصام بالقرآن الذي هو حبل الله المتين الذي لا يضل من تمسك به، وثانيها الولاء لله ورسوله والذين آمنو بدل الولاء لأعداء الله والأمة، وآخرها العدل والإحسان الذي يعني الرحمة والمحبة والاحترام بين الناس، لأن الله محبة جعل عرشه في قلب العبد المحب حين ضاق به الكون برحابته وفق الحديث القدسي الذي يخاطب فيه الله نبيه داوُد عليه السلام، ومعنى كلمة داوُد أو داوود أو داؤود هو: "المحبوب”.
وفي هذا الصدد، لا أريد أن أغوص عميقا في التاريخ لاستخراج بعد الدروس والعبر، لكني أدعوكم لتأمّل تجربة إيران التي هي بجواركم، والتي نجحت أيما نجاح على كل المستويات والصعد، وأصبحت دولة إقليمية كبرى في بضع سنين حين التفّ الشعب الإيراني المؤمن حول قيادة ربانية رشيدة زمن القائد الخميني رحمه الله، وأنعم الله على هذا الشعب المؤمن بعده بوارث سره القائد الخامنئي الذي حافظ على عهد ربه وحمى الثورة وصان الأمانة وواجه الاستكبار العالمي ومؤامراته الخبيثة وانتصر بالصبر والحكمة وحث شعبه على العلم والمعرفة والجهاد والمجاهدة، وفرض بلاده كقوة إقليمية عظمى في المعادلة الدولية بجدارة واقتدار، هذا في الوقت الذي انهارت الدولة في الوطن العربي ولم يعد لها من وجود يذكر لا بالمفهوم السياسي ولا الحضاري.
ثم لاحظوا كيف أن الروس عندما استبدّ الظلم بالشعب ونخر الفساد طبقتهم السياسية والعسكرية انهارت امبراطوريتهم في حرب أفغانستان بسرعة لم يكن يتوقعها المراقبون، وكان لهذا الانهيار وقع الكارثة على العالم كله، لأنه أخلّ بالتوازن الدولي وفتح الباب واسعا أمام استكبار وجبروت وأطماع وهيمنة الولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة المستأثرة بالقرار السياسي والاقتصادي العالمي، فبلغ بها الغرور مبلغه لدرجت اعتبرت هيمنتها على العالم وفرض نظام العولمة بمثابة نهاية التاريخ، وأجبرت الحكومات والشعوب بالحروب المباشرة والناعمة على اعتناق عقيدتها واتباع أنموذجها الحضاري النهائي الذي يبشر بالحرية والديمقراطية على الطريقة الأمريكية التي خبرها العراقيون إبّان الاحتلال ويعيشون اليوم تداعيات دستورها الطائفي الديمقراطي جدا.
لكن، وهذا أمر في غاية الأهمية يمكن للعراقيين الاستفادة منه، لأنه يؤكد سنة الله في التاريخ والخلق، ومفاده، أنه وبمجرد أن اختار الشعب الروسي رجلا قويا وحكيما ووطنيا مخلصا كالرئيس المؤمن فلاديمير بوتين، حتى انبعثت روسيا من الرماد كطائر العنقاء، وأصبحت في بضع سنين فقط قوة دولية عظمى، وها هي اليوم تعمل بمعية إيران والصين وحلفائها في آسيا الوسطى والقوقاز على فرض منظومة جديدة لعالم متعدد الأقطاب من أجل أن يسود العالم العدل والسلام والمحبة والاحترام، وينتهي عصر الجبروت والطغيان والفساد والاستكبار.. وهي الدولة التي عرضت المساعدة الجدية في محاربة العراق ورفضها العميل العبادي خوفا من الأمريكي الذي يتحكم فيه كدمية صغيرة بلا وزن ولا قيمة.
أما السر في ذلك، فيكمن في ما قاله القس ‘يوري كرافاليس’ من جمهورية ‘لاتفيا’ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في برسالة دوّن فيها تنبؤاته لمستقبل روسيا وشرح فيها ما سيواجهه الروس في مستقبلهم المنظور والبعيد. والحقيقة أن نبوءات هذا الرجل المؤمن تنطلق من فهمه العميق لسنن الله في الخلق والذي لخصها في المقولة التالية: "لقد أعدّ الله لروسيا العظماء من الرجال الذين سيحظون بأدوارهم في الحكومة وقطاع الأعمال وخدمة الكنيسة، ويعكفون على تطوير علاقات حكيمة تربط الأمة الروسية بالأمم الأخرى انطلاقا من المصالح المشتركة”. مضيفا: "أن الروس سيواجهون مرحلة عصيبة للغاية ستترافق مع بعض الأحداث المأساوية التي يصعب في الوقت الراهن إماطة اللثام عنها لتتضح صورتها بالكامل، لكن ستعقبها حقبة جديدة من الازدهار غير المسبوق، ستتمكن روسيا خلالها من حل جميع مشاكلها الدولية بيسر وسهولة، كما ستساعد الدول الأخرى في تسوية مشاكلها”.
والحقيقة أن ما قاله هذا الرجل لا يختلف في شيئ عن جوهر ما قاله العالم ابن خلدون حين أكد أن القيادة الحكيمة والحكم الرشيد مسألة تتولاها السماء لأن عهد الله لا يناله إلا عباد الله المخلصين لا الظالمين، والله وحده هو من يبعث للأمة الرجل الصالح الذي يقودها نحو النهضة والازدهار كلما توفرت شروط ذلك، وقد تحدثنا عنها آنفا في سياق هذا المقال.
*** / ***
وفي الختام، أوجه تحية تقدير ومحبة واحترام للعالم الجليل رئيس جماعة علماء العراق الشيخ خالد الملا المحترم، على محبته لوطنه وإخلاصه لشعبه وانشغاله بقضايا أمته وعيرته على دينه، وأثمن عاليا اقتراحه القاضي بإنشاء "غرفة عمليات ضد التطرف”، لكن على أن تقتصر في المرحلة الأولى على علماء العراق وبعض الحكماء من رجاله الشرفاء من ذوي الاختصاص لكي تنجح التجربة، ويمكن الاستفادة منها في حال نجاحها لتشمل دولا صديقة أخرى، على أن لا تكتفي هذه الغرفة بالجوانب الفكرية الدينية فحسب، بل تضع رؤية سياسية جامعة لعراق جديد يجتمع حولها الشعب العراقي العظيم حتى لا يتفرق شيعا بين دعاة الفتنة والفرقة سواء من "سنة الوهابية” أو "شيعة السفارة”.. والخطاب الديني الجامع هو الوحيد القادر على لعب دور محفز ومحرك لاستنهاض الشعب العراقي المنكوب في هذا الاتجاه الثوري المبارك.
هذا هو الحل الناجع الذي يبدو واعدا في هذه المرحلة، لأن الشعب العراقي شعب مؤمن وعالم في نفس الوقت، يحترم مرجعياته الدينية ويلتزم بتوجيهاتها وله رؤية واضحة لما يريد أن يكون عليه العراق المستقبل ومستعد للمساهمة في بنائه بتفان وإخلاص بعيدا عن العملاء والمنافقين والسماسرة الفاسدين.
فتوكلوا على الله أيها الشرفاء وروّجوا لهذه الفكرة الرائعة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي كل المحافل بقوة، وساهموا في إنجاحها بفعالية، فلا خلاص لكم إلا بها.. وبالله التوفيق.