kayhan.ir

رمز الخبر: 41297
تأريخ النشر : 2016July08 - 19:23

بوتيـن.. حيـن يراهـن على حمار يحمل أسفارا

أحمد الشرقاوي

صحيح أن المصالحة "الروسية – التركية” أحدثت نوعا من "البلبلة” السياسية، التي دفعت بعديد المحللين لإعادة حساباتهم على ضوء فرضيات جديدة لا تخرج عن كونها مجرد تكهنات سرعان ما ستتكسّر على صخرة الواقع العنيد الذي يقول، أن أوراق العقد والحل في سورية هي بيد الولايات المتحدة لا تركيا التي لا تعدو أن تكون مجرد أداة أطلسية لا تملك حرية الإرادة واستقلالية القرار..

لكن ما يجب توضيحه لمن يهمهم الأمر من بعض العاملين في الإعلام الروسي الذين أغضبهم انتقادنا الموضوعي لبعض مواقف روسيا، هو أن التقارب الروسي التركي لم يغضبنا بقدر ما جعلنا نتمسك أكثر بوجهة نظرنا التي تقول أن الرهان على مجرم دموي وديكتاتور فاشي هو كالرهان على حمار يحمل أسفارا، وبالتالي لا يمكن أن يشكل مدخلا سليما للسلام في سورية، بدليل تجربة طهران مع تركيا في هذا المضمار، حيث لم يشكل الاقتصاد رافعة للتقريب بين المواقف السياسية في سورية، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الأمر لا يتعلق بوجهات نظر سياسية بقدر ما يتعلق بمشروعين متناقضين ومتصارعين إن على مستوى المنطقة أو العالم، مشروع مقاوم يطمح لتحقيق الحرية والعدل والسلام، ومشروع إمبريالي متوحش يطمح للهيمنة على العالم من أجل نهب مقدرات الدول وتركيع الشعوب بشبكات الكذب ومخططات الفوضى الناعمة والخلاقة التي ما أن تفشل إحداها حتى تنطلق أخرى.

وهذا لا يعني أننا دعاة عداوات وحروب بين الدول والشعوب، لأن كل من يؤمن بثقافة المقاومة يؤمن بالمحبة والعدل والسلام ولا يرى ضرورة للمواجهة إلا في حال الدفاع المشروع عن النفس، من دون أن تعني هذه العقيدة التخلي عن الأخلاق لحساب المصالح في السياسة كما يحدث للبعض ممن يعيشون حالة من التخبط وانعدام الرؤية واعتماد أسلوب المراوغة للهروب من التزاماتهم الأخلاقية عند اشتداد الأزمات.

نحن نفهم أن لروسيا مصالحها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، ولا نعول على الدور الروسي حصريا من أجل تحقيق مصالح "ضيقة”، أو ممارسات "انتهازية”، أو سياسات قصيرة النظر، أو تصفية حسابات "معلقة” مع هذا الطرف أو ذاك، أو صب الزيت على النار لإشعال الفتن، أو دق أسافين إعلامية لخلق شرخ في "التحالف” القائم بين روسيا ومحو المقاومة لمحاربة الإرهاب في سورية.. هذه ليست من شيمنا ولا من أخلاقنا، لكننا نؤمن أن الفتنة التي أشعلتها أمريكا وحلفائها وأدواتها في المنطقة هي أشد من القتل، ومواجهتها لا تكون فقط بالسياسة.

والدليل على ما نقول، أن الاتفاق "الروسي – الإسرائيلي” كما "الروسي – الأمريكي” في سورية وإن كانت لدينا عديد التحفظات حولهما، إلا أن ذلك لم يغضبنا، لأننا نحترم إرادة روسيا في التقارب مع من تشاء والاتفاق مع من تريد، ما دام ما تقوم به لن يؤثر على رؤية محور المقاومة ولن يغير من ثوابته الراسخة وأهدافه المعلنة، خصوصا في ما له علاقة بالعدو الصهيوني المجرم.. وروسيا تدرك حدود الرهان على وهم "السلام” مع "إسرائيل”، وتعلم علم اليقين أن المواجهة مع هذا العدو هي مواجهة من أجل الوجود والمصير.. وهذه ليست طريقة القرون الوسطى في حسم الأمور كما يعتقد بعض المؤمنين بنهج الواقعية السياسية، بل هذا وعد الله لا يعرف قدره إلا من كان قلبه مفعما بالصبر والإيمان.

*** / ***

نحن ندرك أن روسيا تنطلق في تحركاتها من مصالحها القومية، وهذا حقها لا نختلف معها عليه كلما كانت تحركاتها لا تصطدم بثوابت مصالحنا القومية أيضا، ومهما بلغت دقة حسابات روسيا فإنها ستصطدم بالجدار في نهاية المطاف إذا لم تأخذ بالحسبان ثوابت محور المقاومة، لأن الحسابات السياسية قد تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى، لكنها لا تؤدي لنتيجة تذكر إذا كان المرجو منها المقايضة والمساومة على حساب الثوابت التي من أجلها نعيش ونموت.

نقول هذا لإدراكنا جميعا أن الحرب على سورية هي مصلحة "إسرائيلية” في المقام الأول، و”داعش” كما "القاعدة” وأخواتهما وُجدا من أجل تقويض محور المقاومة كي تنعم "إسرائيل” بالأمن وتكون سيدة على المنطقة، وروسيا تعلم علم اليقين أن "إسرائيل” هي من ترعى إرهاب "النصرة” وأخواتها في الجنوب، وتعلن جهارا نهارا أن هزيمة "داعش” في سورية ليست من مصلحتها وأنها ستعمل ما في وسعها لكي لا يحدث ذلك..

وبالتالي، هل تريدون منا تصديق أن الاتفاق "الروسي – الإسرائيلي” يعتبر ضرورة لمحاربة الإرهاب في سورية؟.. وهل تريدون منا أيضا تصديق أن الاتفاق "التركي – الإسرائيلي” هو من أجل الغاز وليس من أجل مواجهة إيران وحزب الله وإسقاط النظام في دمشق وفق اعترافات "النتن ياهو” وكبار المسؤولين في قيادته العسكرية؟..

وعليه يحق لنا طرح التساؤل المشروع الذي يقول: – هل يمكن لروسيا التي تحارب الإرهاب بمعية حلفائها المخلصين في المنطقة أن تُعوّل على من يدعمون الإرهاب كتركيا و”إسرائيل” لمحاربته في سورية؟..

أنا شخصيا أومن بالمثال الذي يقول "اضرب القحبة حتى تبول والذي في رأسها لن يزول”، وهذا هو حال أردوغان والصهاينة اليهود وأعراب "السعودية” والخليج.. وبالتالي، محاربة الإرهاب لا تكون بالتحالف مع داعميه، بل بعزلهم ومعاقبتهم وتفكيك منابعه الأصلية في مملكة ‘آل سعود’ اليهود، ولا حل لمعضلة الإرهاب اليوم في المنطقة والعالم من دون تفكيك نظام ‘آل سعود’ الذي يعتبر شرا مطلقا باعتراف كل أحرار العالم.. أما "إسرائيل” فحسابها عند الشرفاء في محور المقاومة، وليس مطلوبا من روسيا مواجهتها نيابة عن العرب والمسلمين الذين تقول أنها صديقتهم.

** / ***

ومهما يكن من أمر، فما نعلمه حتى الآن، هو أن روسيا جاءت إلى سورية لمساعدة جيشها في حربه على الإرهاب الذي قال الرئيس بوتين أنه يهدد أيضا بلاده وكل بلاد العالم، لكن روسيا ولأسباب لا نريد الخوض فيها هنا، أوقفت حملتها الجوية على الإرهاب في عز الحرب، وفي الوقت الذي كان الجيش العربي السوري وحلفائه يحققون انتصارات مدهشة ويطهرون الأرض من رجس الإرهاب، وفضلت الدخول في تفاهمات غامضة مع الأمريكي للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في سورية وينتج حلا سياسيا يحفظ وحدة الأراضي السورية ومؤسساتها وسلطاتها الشرعية المنتخبة ديمقراطيا..

وهذا أمر محمود.. لكن ما حصل في الواقع، هو أن هذا المنحى الذي اعتمدته روسيا بضغط من ألمانيا وفق صحيفة "الرأي” الكويتية، جعل روسيا تتراجع عن معركة الحسم مع الإرهاب وتكتفي بحفظ خطوط التماس التي وضعتها مع الأمريكي في سورية، فلا تتدخل لمناصرة الجيش العربي السوري وحلفائه إلا في حال خرقت الجماعات التكفيرية الهدنة وحاولت السيطرة على أراضي جديدة.

هذا الوضع الشاذ، أدى إلى خلق مناطق عازلة في سورية قد تشكل مدخلا لرسم خرائط الفدرالية المجمع تطبيقها في إطار الحل السياسي الذي تتمسك به واشنطن من دون الرئيس الأسد.. وإلا، فما معنى أن تساند أمريكا ما يسمى بـ”قوات سورية الديمقراطية” و "جيش سورية الجديد”، ويخصص الكونجرس هذا الأسبوع مبلغ 400 مليون دولار لتدريب "المعارضة المعتدلة” في سورية، برغم الفشل المدوي الذي منيت به البرامج السابقة في هذا المجال، وترفض واشنطن التعاون مع روسيا في محاربة الإرهاب إلا بشرط انضواء الأخيرة تحت لواء الحلف الذي تقوده أمريكا، والضغط على الرئيس الأسد كي لا يستهدف "المعارضة المسلحة” التي تدعمها واشنطن؟.. أين الشرعية في ما تفعله أمريكا وحلفائها وأدواتها في سوريا؟..

وبالمحصلة، ها هو الرئيس بوتين نفسه يعترف خلال لقائه مع الدبلوماسيين الروس في موسكو هذا الأسبوع، أن "التسورية النهائية في سورية تبدو هدفا بعيد المنال”، كما أنه لا يرى إمكانية لمحاربة الإرهاب بفعالية من دون جبهة واسعة لمواجهته، وهو ما ترفضه أمريكا رفضا مطلقا.. فما العمل؟..

*** / ***

لا يخامرنا شك في أن الهدف الأمريكي من هذه الإستراتيجية الجديدة في سورية هو تقسيم أوصال البلاد لإضعاف السلطة في دمشق ومن ثم إلغاء دورها الإقليمي، سواء من خلال قطع التواصل بين دمشق وإيران وحزب الله أو من خلال دستور يغير من العقيدة السياسية القومية والعسكرية السورية، ناهيك عن مخطط توطين اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا، بدليل أن الدكتاتور أردوغان الذي قالت موسكو أنها بحاجة إليه لمحاربة الإرهاب، أعلن الجمعة خلال حفلة إفطار مع اللاجئين أن "تركيا لم تغير سياستها تجاه سورية” لأنها "لا يمكن أن تقبل بحكم ظالم”، وقال أن بلاده تعتزم منح الجنسية التركية لللاجئين السوريين؟.. كما أن الإرهاب بالنسبة لتركيا هو المتمثل في الأكراد الذين تدعمهم واشنطن وموسكو، أما "داعش” فلا تزال تسرح وتمرح في المعسكرات والمدن التركية جهارا نهارا، ولا زالت تستقطب آلاف المقاتلين وأطنان السلاح بحماية المخابرات والقوات التركية.

هذا في ما تراهن موسكو على خلق نوع من توازن القوى في المنطقة بين إيران وتركيا ومصر، تحفظ المنطقة من التدخلات العسكرية الخارجية والصراعات العرقية والدينية، وأن تدخلها في سورية حمة هذه الدولة من نفس المصير الذي عرفته ليبيا..

لا أحد ينكر أن لروسيا يدا بيضاء في سورية، فمساعدتها للجيش العربي السوري لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد، لكن علينا التذكير هنا أن سورية حاربت الإرهاب لخمس سنوات خلت يجمع العالم على أنها كانت حربا كونية بامتياز لم يعرف لها تاريخ البشرية نظيرا..

أكثر من 80 دولة صدرت الإرهابيين وعشرات الآلاف من أطنان الأسلحة إلى سورية عبر تركيا والأٍردن ولبنان، وأكثر من 100 دولة دعمت ما سمي زورا وبهتانا بـ”الثورة” السورية سياسيا وإعلاميا وخلافه.. لكن سورية لم تسقط، وهو ما لم تستطع مقاومته لا أمريكا في أفغانستان والعراق ولا الاتحاد السوفياتي في أفغانستان برغم جبروت القوتين..

ومعلوم أن الطيران وإن كان يساعد بشكل كبير إلا أنه لا يمكن أن يحسم الحرب في الميدان من دون قوى شجاعة على الأرض، وهذا ما لم يتحقق لأمريكا في العراق وسورية وسبب فشلها بالدرجة الأولى، فيما تحقق لروسيا فسهل انتصارها الذي لم يكتمل للأسف..

لكن من على من يقولون أن سورية كانت ستسقط لولا تدخل روسيا أن يتذكروا التهديد الإيراني إبان أزمة الكيماوي، ومفاده، أن الهجوم على سورية سيقابله الهجوم على "إسرائيل” وإشعال المنطقة برمتها، ومصالح أمريكا حينها لن تكون في مأمن.

لذلك، كلنا أمل في أن تعيد موسكو مراجعة حساباتها على ضوء تحالفها مع محور المقاومة المخلص الأمين، وتقرر الحسم مع الإرهاب قبل الانتخابات الأمريكية القادمة إذا كانت فعلا ترغب في فرض نفسها كقطب دولي له كلمته ومكانته يحسب له الغرب الأطلسي ألف حساب وحساب..

غير ذلك، ستعود واشنطن والحلف الأطلسي لتضييق الخناق على روسيا لإقصائها كقوة عظمى من المشهد الدولي، وهذا ما يلوح في الأفق في الشرق الأوسط وآسيا في حال نجحت هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية.

فهل سيقرر رجل المفاجآت بوتين خلق مفاجأة من العيار الثقيل في سورية بدل الرهان على أردوغان الحمار الخاسر الذي لا يملك من أمره شيئا؟..