أنقرة تنقذ نفسها في طهران .. فهل تتعلّم السعودية؟
رأي اليوم
تجد الحكومة التركية نفسها في مأزق خطير يمكن أن ينعكس سلباً على اقتصادها وأوضاعها الإقليمية، فإنها تلجأ الى دولتين بحثاً عن مخرج، الأولى ايران، والثانية اسرائيل، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، وعلى رأسها علاقاتها مع دول المنطقة.
بعد إعادة فتح خطوط اتصال لتطبيع العلاقات مع اسرائيل، ها هو أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي، وصاحب نظرية "صفر مشاكل" مع الجيران، التي انهارت في السنوات الخمس الأخيرة بعد التدخل المباشر في سوريا، يطير إلى ايران تلبية لدعوة من السيد اسحق جهانغيري بحثاً عن صفقات تجارية لتعويض الخسائر الكبرى التي لحقت بالاقتصاد التركي من جراء العقوبات التي فرضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أنقرة بعد إسقاطها لطائرة روسية قرب الحدود السورية.
الحكومة التركية تترنح من جراء الوضع الداخلي المتدهور، وازدياد حدة المعارضة لسياساتها الرامية إلى تقليص الحريات إلى حدودها الدنيا، والمتمثلة في مصادرة الصحف، وفرض رقابة مشددة على وسائط التواصل الاجتماعي، ومن تصاعد أعمال العنف التي يشنها حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في تركيا، وتزايد حدة الانفجارات في أنقرة واسطنبول، خصوصاً في المناطق السياحية والاستراتيجية.
ولعل ما يقلق الحكومة التركية بشكل أكبر هو خسارتها لروسيا دون أن تكسب الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إلى صفها، فعندما خير الرئيس رجب طيب أردوغان الأولى (أمريكا) بين بلاده والأكراد، اختارت الأكراد، ورفضت كل مشاريعه في إقامة مناطق عازلة داخل الحدود السورية، مثلما رفضت أيضاً وضع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري على لائحة الارهاب، واستثنائه من اتفاق وقف الأعمال العدائية في سوريا، أسوة بـ"جبهة النصرة" و"الدولة الاسلامية"، الأمر الذي أدى إلى وضع تركيا في وضع حرج، وفي شبه عزلة، أما الاتحاد الأوروبي ورغم رضوخه للضغوط التركية، وتقديمه ثلاثة مليارات دولار لأنقرة لمساعدتها في معالجة أزمة اللاجئين السوريين، علاوة على منح الأتراك إعفاءات من سمات الدخول إلى بلدانه مقابل التعاون لكبح الهجرة إلى أوروبا، إلا أن دول الاتحاد الأوروبي ربما لن تغفر لتركيا استخدامها ورقة المهاجرين لـ"ابتزازها" والتهديد بها في المستقبل، إذا لم تلب كل مطالبها وشروطها.
الرئيس أردوغان كان يأمل أن ينقذ "معجزته" الاقتصادية برفع معدلات التبادل التجاري بينه وبين الجار الروسي من 35 إلى مئة مليار دولار في الأعوام الأربعة المقبلة، لكن إسقاط دفاعاته لطائرة روسية اخترقت أجواء بلاده لثوان معدودة، أدى إلى حرمان بلاده مما يقرب من 4.5 مليون سائح سنوياً، ووقف روسيا لكل الواردات من تركيا، وانهيار كل، أو معظم، التجارة البينية بين البلدين التي يميل ميزانها لصالح تركيا.
السيد أوغلو طار إلى طهران الحليف الأول لسوريا عدوته اللدود، باحثاً عن مخارج لأزماته الاقتصادية، وربما السياسية والإقليمية أيضاً، وتعويض ما خسره في روسيا، ولهذا تركزت محادثاته على كيفية رفع التبادل التجاري بين البلدين من 10 إلى 30 مليار دولار في العامين القادمين، وكذلك مد خط أنابيب غاز إلى أنقرة لتعويض الغاز الروسي الذي يشكل أكثر من 60 بالمئة من احتياطات تركيا.
الإيرانيون دهاة، ويعرفون الوضع الداخلي والخارجي المتأزم لحكومة الضيف التركي، ولذلك لن يقدموا له كل ما يتطلع إليه من مكاسب اقتصادية مجاناً، ودون مقابل خاصة في سوريا، وربما هذا ما يفسر التقارير التي تحدثت عن إغلاق تركيا لمعابرها مع سوريا، وإطلاق قوات حرس حدودها النار على "متسللين" سوريين وقتل تسعة منهم قبل وصول السيد أوغلو إلى طهران كعربون "تعاون"، ولفتة إيجابية مقصودة سيفهمها الايرانيون حتماً.
السيد أوغلو يدرك جيداً أن الايرانيين يشاطرون بلاده القلق من نوايا أمريكية تتبلور بسرعة حول إقامة اتحاد فيدرالي كردي يمتد على طول حدود بلاده من ايران مروراً بالعراق وانتهاء بسوريا، ولذلك يحاول اللعب على ورقة القلق المشتركة هذه لخلق أرضية للتعاون في المجالات الاستراتيجية إلى جانب السياسية أيضاً.
القاسم المشترك بين الحكومتين الايرانية والتركية هو ميلهما إلى "البراغماتية"، ووضع مصالح شعوبهما الوطنية والقومية فوق كل الاعتبارات الأخرى، وعلى ضوء هذه "البراغماتية" يرسمان خطوط السياسات الاقليمية والدولية وطبيعة تحالفاتهما، فلكل منهما مشروعها الخاص وعلى ضوئه توضع الاستراتيجيات، وهذا ما يفسر محاولة الرئيس أردوغان اللقاء مع الرئيس الروسي بوتين عدة مرات لإصلاح العلاقات، وإنهاء العقوبات، وهي محاولات باءت بالفشل حتى الآن، فالرئيس التركي لا يمثل نفسه هنا، ومستعد لإراقة ماء وجهه من أجل مصلحة بلاده، والتراجع عن الخطأ إذا لزم الأمر.
لا نعرف كيف ستنظر المملكة العربية السعودية إلى مثل هذا التقارب الايراني التركي وهي التي وضعت معظم بيضها في سلة أنقرة، وحاولت أن توظف تحالفها معها ضد ايران عدوها اللدود.
ولكن ما يمكن أن نقوله أن القيادة السعودية يجب أن تتعلم من هذه "البراغماتية" الإيرانية والتركية، وتلجأ إلى الحوار بدلاً من أعمال التجييش والتحشيد، وفتح الجبهات القتالية والحروب، وما يترتب على ذلك من استنزاف مادي وبشري.
التدخل العسكري الروسي في سوريا قلب كل الموازين السياسية والعسكرية، وأحدث تغييرات كبيرة في الموقف الأمريكي لصالح التوصل إلى تفاهمات سياسية وعسكرية تقوم على تغيير سلم الأولويات التي كانت سائدة طوال السنوات الخمس الأولى من عمر الأزمة السورية، وهذا ما يفسر التحرك الدبلوماسي التركي الحالي تجاه ايران خصوصاً، فهل سيلتقط صانع القرار السعودي هذا التحول المهم؟ نشك في ذلك.