سوريـة تنتصـر.. والعــراق يدخـل مرحلـة التقسيـم
أحمد الشرقاوي
سورية لا تحتاج إلى شهادة من إعلام الزيت لتؤكد أنها تنتصر، فنحن نفهم عمق الخيبة التي يشعر بها ‘آل سعود’، وحجم الصدمة بالهزيمة التي حلت بهم بعد أن وُضع قطار التسوية على سكة السلام بما لا تشتهيه أوهام أمريكا نفسها، وإن كانت هذه الإنعطافة الكبيرة ثمثل بداية صحيحة لطريق ستكون لا شك شاقة وطويلة، تحكمها قدرة الوفد السوري على ترجمة إنجازات الميدان إلى مكاسب سياسية ملموسة.
من كان يُصدّق أن سورية ستنجو من أبشع حرب كونية لم تشهد البشرية نظيرا لها في تاريخها القديم والحديث؟.. لا أحد سوى ثلة من المؤمنين بخيار المقاومة، وبأن النصر من عند الله لا من عند أمريكا.. وهذا دليل واضح على قوة واقتدار محور الممانعة في قلب موازين القوى وتغيير المعادلات في المنطقة..
وإذا كان انتصار سورية يحتاج إلى دليل، فيكفي أن نستند إلى مؤشرين بالغين الدلالة في هذا الإطار: الأول، كسر أحادية تمثيل المعارضة التي راهنت عليها "السعودية”، وتراجع أدواتها عن قرار مقاطعة اجتماعات (جنيف 3) بسبب الضغوط الشديدة التي مارسها الوزير جون كيري، مهددا إياها بتجرّع كأس السم إن أصرت على موقفها المتعنت..
الثاني، قلق "إسرائيل” التي جن جنونها فخرجت عن صمتها لتعلن أن انتصار سورية على الإرهاب حدث جلل لا يمكن القبول به، ويجب التدخل بشكل من الأشكال لعرقلته، لأن "إسرائيل” تفضل "داعش” وأخواتها عل بقاء سورية برئيسها ونظامها وجيشها، لما يمثله ذلك من خطر جسيم عليها، ولما يعطيه هذا الإنتصار من مكانة لـ”المحور الراديكالي” في المنطقة، وفق تعبيرها..
وإذا كانت سورية قاب قوسين أو أدنى من اعلان الإنتصار بما يعنيه ذلك من تجاوز لخطر التقسيم الذي أُعدّ لها، بفضل حكمة قيادتها وبسالة جيشها وصمود شعبها، وبفضل دعم إيران وتضحيات حزب الله والمقاومات الشعبية ومساعدة روسيا.. فإن ما يشهده العراق، ويا للأسف، لا يبشر بالخير..
والسبب أن العراق رفض الانخراط قلبا وقالبا في محور المقاومة، وفضل الارتماء في الحضن الأمريكي – العربي، فهمّش الحشد الشعبي ومنعه من المشاركة في التحرير بحجة أنه مدعوم من إيران، وأنه حشد طائفي، وزاد الطين بلة أن السيد العبادي، رفض دعوة روسيا للمساعدة في سحق الإرهاب في الموصل والأنبار، واستبعد الجنرال قاسم سليماني عن قيادة العمليات بضغط أمريكي، الأمر الذي كشف حجم تورطه في العمل ضد شعبه وبلاده..
لقد نجحت مؤامرة استبعاد السيد المالكي الذي كان يؤمن بأن محل العراق هو ضمن محور المقاومة، واستبدل بالسيد العبادي الذي رهن بلاده للأمريكي، العدو الذي دمر العراق وقتل شعبه ونهب مقدراته وخرب بناه التحتية، وتبين اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل انخرط في مشروع التقسيم قلبا وقالبا، فأعاد الجيش الأمريكي من الباب والشباك، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع قبيلة ‘آل سعود’ التي تآمرت على العراق وأنفقت مليارات الدولارات لتدميره وطمس هويته وتمزيق شعبه ومحو تاريخه، وكان وزير خارجية العراق السيد ابراهيم الجعفري يطالعنا في كل وقت وحين بمعزوفة أن بلاده ترفض سياسة المحاور وتفضل العودة إلى الحضن العربي الذي تحوّل إلى حضن صهيوني عبري بامتياز..
وها هو العراق وبعد أن لم تنفع مليارات الدولارات التي دفعها للأمريكي لتدريب جيشه، يقرر الإنخراط عمليا في المحور العربي الصهيوني، فيرسل وزير دفاعه إلى القاهرة لبحث امكانيات التعاون العسكري مع المحروسة، خصوصا في ما له علاقة بتدريب الجيش العراقي في مجال محاربة الإرهاب، وكأن جيش السيسي حليف "إسرائيل” انتصر على الإرهاب في سيناء وأصبح أنموذج يحتدى به في المنطقة، ونحن نعلم أن ما يُتقنه هذا الجيش الفرعوني منذ عهد مبارك وإلى عهد السيسي هو جمع البيض وحلب الأبقار في مزارع الجنرالات، ويبذل قصارى جهده في تركيب الثلاجات والغسالات في مصانع العسكر الذين يستحوذون على 60 % من اقتصاد البلاد، وممنوع أن يغير عقيدته أو يتدرب بشكل قد يهدد "إسرائيل” مستقبلا..
هذا بالرغم من أن إيران هي االتي حمت بغداد من السقوط، وأنقدت أربيل من سيطرة "داعش” باعتراف العميل البرزاني نفسه، وساعدت العراق بالسلاح والخبراء والمقاتلين في عمليات التحرير الأولى التي قادها الجنرال قاسم سليماني يوم لم يجد العراق من يمد له يد المساعدة.. ومع ذلك، لم تسعى طهران لفرض إرادتها أو سياساتها على العراقيين خلافا لكل ما يروج في هذا الصدد، فانسحبت في صمت حين طلب منها السيد العبادي عدم التدخل في التحرير بدعوى أن الجيش العراقي والقوات الأمنية التي دربتها أمريكا قادرة على حسم الحرب ضد الإرهاب..
وقد رأينا عينات من حروب أمريكا ضد "داعش” في العراق تثير الغثيان، وكيف كانت الطائرات الأمريكية تزود عصابات "داعش” الإجرامية من الجو بالسلاح والمؤن، ولعل أبرز حدث في هذا المدمار كان معركة تحرير الرمادي، حيث تحدثت تقارير للحشد الشعبي عن تهريب أمريكا لقادة داعش سرا من المدينة قبل الهجوم كما حدث من قبل في سنجار، وكيف أن طائرات التحالف الأطلسية دكت البنى التحتية في المدينة فأصبحت أثرا بعد عين، وعندما تحركت قوات مكافحة الإرهاب العراقية لاقتحامها، لم تجد سوى الأطلال، ولم تواجه مجاميع الإرهابيين الذين قيل أنهم يحاصرون المدنيين، فكان التحرير استعراضيا بامتياز..
كما تابعنا أيضا التقارير التي ناقشتها لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، والتي تحدثت عن معلومات مؤكدة تفيد أن القوات الخاصة التي بعث بها وزير الدفاع الأمريكي ‘آشتون كارتر’ مطلع هذا العام، قامت بنقل 11 مليار دولار تعود لعصابة "داعش”، وبعدها بأيام قليلة، سمعنا عن وصول "الخليفة البغدادي” من الموصل إلى ليبيا لبناء خلافة جديدة في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء، حيث بدأ مئات المقاتلين يلتحقون بها من المغرب والجزائر وتونس ومالي والنيجر وغيرها.
وها هو الحرس الثوري الإيراني يسرب اليوم الجمعة لموقع "تسنيم” الإيراني تقريرا خطيرا جاء فيه، أن "مسؤولين أميركيين، من الاستخبارات المركزية والخارجية ولجنة الأمن في الكونغرس، التقوا مسؤولين عراقيين من كل الأطياف في أوقات مختلفة في لندن وأربيل وبغداد وعمّان، وأبلغوهم، كما أبلغوا عواصم مؤثرة، أن هناك عجزاً غير قابل للمعالجة إذا استمر الحكم العراقي على وضعه الحالي”، وأن الحل بالنسبة للعراق يكمن في "القبول بثلاثة أقاليم رئيسية تخضع لحكم فيديرالي في بغداد، وهذا الشرط الأساس للقضاء على داعش وتطهير العراق منه، وإنهاء كل السلطات الثانوية التي تحل مكان الحكومة الآن، خصوصاً أن الميليشيات تخضع لأوامر إيرانية” في إشارة إلى الحشد الشعبي.
وواضح من فحوى التقرير، أن معضلة أمريكا الحقيقية في العراق هي إيران، بحيث تسعى واشنطن بكل الوسائل والسبل لانهاء نفوذها في العراق من خلال حل الحشد الشعبي الذي يمثل أكثر من 20 تنظيما مقاوما صنف من قبل مراكز عسكرية دولية كأكبر وأقوى "مليشيات” عسكرية منظمة في العالم..
كما وأن تقسيم العراق، سيشكل جدارا حائلا بين إيران وسورية من خلال إقامة أقليم سني معادي لطهران وموالي لـ”السعودية”، وفي هذا الإطار تفهم عودة العلاقات بين بغداد والرياض بضغط من واشنطن، ويفهم أيضا تصريح السفير "السعودي” الأخير بشأن الحشد الشعبي، والذي قال فيه أن الحشد طائفي مرفوض من قبل بقية المكونات العراقية التي لا ترغب بمشاركته في التحرير.. ما يؤكد أن دور هذا الدبلوماسي الإستخباراتي هو صب الزيت على نار الفتنة بين المكونات العراقية، هذا في الوقت الذي استنكرت هذا التصريح الفتنوي المكونات السنية قبل الشيعية.
ووفق معلومات التقرير، قدّمت واشنطن تعهدات لحكومة العبادي بحماية ما أسمته بـ”الحكم الفدرالي الجديد في العراق”، وهو مرحلة ما قبل التقسيم النهائي، لأن طرح قرار التقسيم رسميا لن يمر في مجلس الأمن من دون أن يكون مجسدا كواقع على الأرض، بسبب الخشية من أن تعارض موسكو القرار، خصوصا وأنها سبق وأن أعلنت رفضها الحاسم لتقسيم سورية أو العراق في وقت سابق.
التقرير يشير أيضا، إلى أن واشنطن تعتبر العراق منطقة استراتيجية من الدرجة الأولى، أمنها مرتبط مباشرة بأمن الولايات المتحدة، وتدعم بشكل مطلق السيد العبادي الذي تقترحه ليكون رئيسا للفدرالية على شاكلة فدرالية الكانتونات السويسرية، ويطالب العميل العبادي واشنطن بلجم طهران واجبارها على العودة إلى حدود 2003، والتعامل مع العراق من خلال التمثيل الدبلوماسي الرسمي فقط، مع التوجه مستقبلا نحو العمق العربي.
غير أن هذا المشروع الذي تعمل عليه واشنطن وأقنعت تركيا بالإنخراط فيه بهدف مساعدتها على الأرض في حال انتفض الحشد الشعبي ضدها، وهذا هو سبب دخول الوات التركية إلى بعشيقة في أطراف الموصل.. أقول، أن هذا المشروع بحاجة إلى توافق داخلي أولا بين المكونات السياسية العراقية، ثم من الضروري أن يطرح للاستفتاء الشعبي ثانيا، قبل أن يصل مشروع القرار إلى مائدة مجلس الأمن، وهو ما يطرح عوائق وصعوبات جمة تنذر بانفجار الأوضاع في العراق ودخوله مرحلة الحرب الأهلية لتغيير الجغرافية وبنية الدولة القديمة..
ويبدو، أن معضلة أمريكا اليوم هي في الأسماء فقط، حيث لا زالت حتى الآن لم تعثر على أسماء مقبولة لكانتونات العراق الجديدة، متناسية أن الشعب العراقي الأصيل لن يقبل بالتخلي عن هويته الوطنية وجغرافيته وتاريخه ولحمته الإجتماعية خدمة لمشاريع مشبوهة تنهي وجوده ككيان وشعب وحضارة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بالمناسبة هو: – هل المرجعية الدينية موافقة على هذا المشروع ومنخرطة في تجسيده واقعا على الأرض بسبب دعمها اللامشروط لسياسات السيد العبادي وموافقتها المبدئية على دخول الأمريكي؟..
لا نريد الخوض في هذا النقاش حتى لا يحجب المقال عن الموقع كما حدث مع مقال سابق حول العراق بسبب حساسية الموضوع، لكننا على يقين بأن هذا المشروع لن يمر لسببين:
الأول، أن العراق يمر بوضع اقتصادي كارثي بسبب انهيار أسعار النفط وحاجته لمبالغ مالية ضخمة في حربه على الإرهاب وإعادة الإعمار، وبيع قصور المقبور صدام حسين ومئات الآلاف من عقارات الدولة لن ينقد العراق من الكارثة القادمة في ظل حكومة فاسدة أوصلت العراق إلى حافة الهاوية وتسعى اليوم لبيع آخر مقدرات الشعب لإفقاره، حتى الكهرباء عقدت حكومة السيد العبادي مؤخرا اتفاقا مع الشركة الأمريكية "جنرال موتورز” لزيادة الطاقة، في حين أن في إيران وفرة من الكهرباء الرخيص الذي يمكن أن يستفيد منها الشعب العراقي بتسهيلات مريحة.. هذا مثال فقط من بين أمثلة عديدة من ضمنها تلزيم شركات أمريكية بإعادة الإعمار فيما يشبه عقود استعمار طويلة الأجل.
الثاني، أن الحشد الشعبي لن يمرر المؤامرة، وهو يرى مسعود البرزاني يحفر الخنادق لرسم حدود دولته الجديدة، وأمريكا تتصرف في العراق كما لو كان مستعمرة، والعبادي وأزلامه ينفذون إرادتها كما لو كانوا موظفين منتدبين لديها في العراق..
وأخيرا، نحن على يقين أن الشعب العراقي، سنة وشيعة وأكراد، لن يقبلوا بتمرير هذا المخطط الشرير، وأن المبادرة الوحيدة المتبقية، وكما نرى بعضا من معالمها ترتسم في الأفق، تتمثل في تحالف قوى الحشد الشيعي والحشد السني والحشد الكردي لتأسيس نواة لقواة مقاومة شعبية تعيد للعراق سيادته وهيبته وتحافظ على جغرافيته ووحدة شعبه، وتطرح بعد التحرير نظاما سياسيا بديلا لنظام الكانتونات..
وهو الهدف الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الوضوء بالدم الأمريكي وتطهير بلاد الرافدين من الخونة والعملاء، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الطائفي.