kayhan.ir

رمز الخبر: 32275
تأريخ النشر : 2016January09 - 20:52

توقعات 2016: ’داعش’ تتراجع في المشرق وتتمدد في افريقيا

سركيس ابو زيد

تنبؤات كثيرة خرجت في آواخر العام 2015 تتوقع نهاية تنظيم "داعش”، نتيجة التحالفات التي تشكلت لقتاله، خاصة التواجد الروسي في سوريا الذي قلب الطاولة وفرض معادلة جديدة في الميدان العسكري السوري.

والمعلومات الواردة من جبهات القتال تؤكد ان التنظيم بدأ يفقد السيطرة على مناطق خاضعة له في سوريا والعراق. فقد أعلنت الحكومة العراقية تحرير مدينة الرمادي بالكامل بعد أشهر من سيطرة " مسلحي داعش” عليها. عملية تحرير الرمادي تكمن أهميتها في ان الذي نفذها على الأرض هو الجيش العراقي بمساندة "الحشد العشائري السني”.

وبعد سقوط الرمادي من يد "داعش” يتم التحضير لتحرير الموصل المعقل العراقي لـ”داعش” في موازاة "الرقة” المعقل السوري، وهو محاصر في سوريا بين "فكي كماشة”: القصف الروسي و”التحالف الدولي الأميركي”. ويبرز تنسيق أميركي - روسي ضد "داعش” حيث صارت محاربته متقدمة على "مصير ومستقبل الرئيس الأسد”.

لكن من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأمور في سوريا في ظل الانكفاء الأميركي والتردد الأوروبي وحدود قوة الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية، لكن من الواضح حتى الآن أن التدخل العسكري الروسي أربك الجميع وفي مقدمتهم تركيا، وجعل فرص وهوامش تحركهم محدودة. فهناك سببان اجبرا روسيا على دعم دمشق والرئيس الأسد: الأول لو لم تأت روسيا لتجتث الإرهاب " الإسلامي التكفيري” في سوريا، فإنه كان سيصل إلى داخل منزلها نفسه. والثاني أنه بعد خديعة الغرب لروسيا في ليبيا، لم يعد لروسيا موطئ قدم في المياه الدافئة المتوسطية سوى سوريا. ولو خسرت روسيا هذه القاعدة لاختنقت وانحصرت في سيبيريا والقوقاز، لتكمل أميركا شد الطوق عليها خصوصاً بعد الأزمة الأوكرانية.

التدخل العسكري الروسي في سوريا وجه ضربة قوية للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية وأربك حساباتها العسكرية، لكن تركيا تعتبر أكبر الخاسرين من هذا التدخل بحكم جوارها الجغرافي لسوريا وتأثيرها الكبير في الشمال، فمن شأن هذا التدخل أن يتجاوز بتداعياته مسألة "داعش” إلى التأثير سلباً على وضع المعارضة السورية المدعومة من تركيا في الشمال، ومن ثم الدور الكردي في شمالي البلاد. يضاف عليه السبب الاستراتيجي الذي يضع روسيا على الحدود الجنوبية لتركيا، ويجعل منها لاعباً رئيسياً يسعى إلى تغيير قواعد الصراع داخل الحدود السورية، وما يستتبع ذلك من آثار سلبية قد تصيب عمق الأمن القومي التركي. ونتيجة لذلك سقطت عناوين تركية أساسية، بعدما كانت سقطت بفعل تقدم الجيش السوري ومعارضة كل من إيران وروسيا لها. والمفارقة أن الذي اعترف بسقوط هذه العناوين رسميا هو الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي خرج من قمة العشرين مؤخراً بموقف قاطع ورافض لأي تدخل أميركي بري ولإقامة منطقة عازلة أو منطقة حظر جوي.

التدخل الروسي في سوريا وضع أردوغان أمام تحديات صعبة ومعقدة، وخاصة بعد المعلومات التي بدأت تتحدث عن نية موسكو الواضحة القضاء على كافة أنواع الإرهابيين والمتعدلين منهم وغير المعتدلين المنتشرين على طول الحدود السورية مع تركيا. الهم الأكبر بالنسبة لأردوغان هو طموحاته وحساباته السياسية العقائدية، أي التزامه الدفاع عن جماعات المعارضة في سوريا، وهو لن يتخلى عنهم بسهولة طالما أنه يعتقد أن هذه الجماعات ستكون ورقته الرابحة في مرحلة المساومة من أجل حل للأزمة السورية لاحقا. وبالتالي على أنقرة إما أن تستمر في تقديم كافة أنواع الدعم اللوجستي والعسكري أو تستعد لاستقبال الآلاف من هؤلاء المسلحين بكافة جنسياتهم ليتحولوا الى ورقة ضغط وتهديد بيد أردوغان ضد أوروبا والدول العربية في حال تهرّبت هذه الدول من مساعدة أنقرة في تحديها أو حربها مع موسكو.

هذه الحسابات السياسية ستحسمها المعركة المصيرية ضد "داعش” الذي امتدت أذرعه الى شمال افريقيا وسط انحسار انتشاره في العراق وسوريا، فقد استغل "داعش” فوضى الصراع بين الميليشيات الليبية والحكومات هناك وأحكم قبضته على مدينة سرت الليبية في حزيران الماضي التي أصبحت مركز تنسيق التنظيم وقد بدأ مجندون جدد، ومقاتلون أجانب بالانضمام إلى صفوفه، لتصبح سرت مركزًا لتدريب المجندين الجدد وتدريسهم آيديولوجيته.

وقد تدفع الغارات الجوية على "داعش” في سوريا والعراق بقادته ومراكز القيادة للانتقال إلى ليبيا. وواضح أن التنظيم يعد الساحل الليبي منصة توازي في أهميتها المساحة التي يسيطر عليها من الرقة إلى الموصل، أولا لأنه يستطيع تفعيل تهديده للغرب عبر الساحل الليبي الممتد الذي طالما شكّل منطلقًا لإغراق جزيرة لامبيدوزا الإيطالية بقوارب اللاجئين، وثانيًا لأن سرت التي تتوسط المسافة بين بنغازي شرقًا ومصراتة غربًا تستطيع أن تمسك بالهلال النفطي في خليج سرت، حيث تبرز أهم منصات النفط في البريقة ورأس لانوف مثلا . وهناك تخوف من وصوله إلى أجدابيا الواقعة داخل الهلال النفطي، الذي سيضاعف من قوته المالية وقدرته على استقطاب المتطرفين من دول شمال أفريقيا، وكذلك من الدول الأوروبية. ولذلك دعت إيطاليا إلى قمة دولية حول ليبيا، على نسق مؤتمر فيينا الأخير، ولفت رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إلى أن "الإرهاب يتوالد باستمرار والوضع في ليبيا سيكون القضية الكبرى في الأشهر المقبلة”.

هذا الارهاب لداعش الذي تتخوف منه أوروبا خاصة فرنسا، بسبب زيادة التهديدات الأمنية وهجمات شنها متشددون إسلاميون، دفع بيهود فرنسا حيث تعيش فيها أكبر طائفة يهودية أوروبية الى الهجرة الى اسرائيل. وقال مسؤولو الهجرة في إسرائيل إن عدداً قياسياً من يهود فرنسا هاجر إلى الاراضي المحتلة العام الماضي 2015، عازين ذلك إلى أعمال عنف يذكيها العداء ضد السامية ومشاكل اقتصادية في هذا البلد الأوروبي.

هذا الانتشار الأخطبوطي لداعش امتد الى الصومال أيضاً، التي تعد بنظر تنظيم داعش ذات أهمية كبيرة حيث تدار الدولة بواسطة حكومة ضعيفة، وتتمتع البلاد بأطول ساحل في القارة، ولها حدود مشتركة مع ثلاث دول حليفة للولايات المتحدة هي إثيوبيا وجيبوتي وكينيا. وعمل "داعش” في بداية العام الماضي على اعداد مواقعه في الصومال، ونشر عددا من المقاطع المصورة بهدف اجتذاب المزيد من المجندين، خاصة من "حركة الشباب”. وحسب تصريح أدلى به غوتمولر، وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، بمؤتمر في جوهانسبورغ الذي تم مؤخراً: "يضع "داعش” الصومال نصب عينيه ويحاول الوجود داخله ثم التهديد بدخول كينيا.

في الوقت الراهن على الأقل، لا يبدو أنه سيتم القضاء على "داعش” عسكريا في المستقبل المنظور. فلا تزال هناك أراض خصبة للمتشددين لاستغلال هشاشة الوضع السياسي والتنافس الداخلي في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة في كثير من المناطق التي أعلنها التنظيم "ولايات” تابعة للخلافة. لذلك يجب النظر عن كثب في اتجاه المنطقة الأوسع والأبعد من سوريا والعراق، ومتابعة أنشطة "داعش” خارج الحدود المباشرة لقلب "الخلافة”، لأنه نحو هذه المناطق يوجه التنظيم استراتيجيته بشكل متزايد، فهو يستغل خلافات التحالف الدولي مع روسيا، وتردد الدول في تحدي تركيا. لكن إذا ما استمرت الغارات المكثفة، وتدمير مصادر ثروته وتجفيف منابعه، فإن حركة التنظيم رغم انتشارها، سيكون من الصعب عليه إدارتها وبالذات الدفاع عنها عسكريًا، إلا أن محاربة فكر "داعش”، تحتاج إلى أكثر من عمليات عسكرية برية وجوية.

باختصار تنظيم " داعش " يتراجع عسكريا في سوريا والعراق، لكنه يحاول ان يتمدد في افريقيا. لكن استمراره في المشرق مرهون بتقدم التسوية السياسية وفعالية العمليات العسكري الميدانية على الأرض . كلما تقدمت التسوية تراجع الدعم الدولي والعربي لداعش. وكلما تعثر الحسم العسكري وتراجعت الحلول السياسية ازداد الدعم الدولي والعربي المباشر وغير المباشر لداعش للحفاظ على توازن هش. وتبقى الكلمة الأخيرة للميدان.