kayhan.ir

رمز الخبر: 31246
تأريخ النشر : 2015December21 - 22:04

ديمقراطية رأس المال

وفاء نزار سلطان

لطالما أثارت الانتخابات الأمريكية موجة كبيرة من الجدل حول تأثير المال في قيادة العملية الديمقراطية بتهديدها لقوة الجماهير في التحكم بالنتائج والسيطرة على وسائل الإعلام التي يقودها باتجاهات تتناسب مع مصالح الشركات العالمية ، فالتيارات الليبرالية الجديدة نشأت من تحالف شركات النفط بالمجتمع العسكري الصناعي ، وهو حالياً الواجهة لاستراتيجية الهيمنة الأمريكية التي بدلت خطاباتها من الخوف من تمدد الشيوعية في حقبة التسعينات للخوف من ظاهرة الإرهاب ، لتخفي أهداف اقتصادية وبترولية تجسد حلقة من أهداف الهيمنة ضد كل من يخالف تشريعات "العم سام”.

فوراء كل خبر مهما كان صغيراً استوديوهات تقولب الرأي العام ، وتجره وتحوره فتصعد خفايا وتختفي أسرار ، فالمطابخ التحريرية ترصد ولادة الحدث لتبدأ لحظة النضج المتمثلة بتصفية الحسابات وزرع الحماسة وتأجيج العمل لوضع الحدث في طقس ملائم لدعم المرشحين ، فالخطابات تهدف لإيجاد تغييرات اجتماعية تدريجية تسهم بطهي الشعوب على نار هادئة ما لم يكن من جمر الحروب بُد ، فكل الخطابات الديبلوماسية تشدد على أهمية تغيير النظم وتشكيل مناخ عالمي جديد لبناء أرضية المصالح ، لذا نجد لدى جميع المرشحين الساعين للوصول لكرسي الرئاسة الأمريكية رغبة عالية بفرض منطق التدخل لرعاية صدام الحضارات بين المجتمعات الغربية الراعية للديمقراطية والمجتمعات اللاديمقراطية والمسماة حسب التصنيف الغربي بمحور الشر.

لذلك تعتبر الانتخابات الأمريكية أكبر حدث إعلامي عالمي ، فالمرشحون يتبارون في أحاديثهم وآراءهم وانتقاداتهم لكسب أكبر قدر من الأصوات وإن جاءت الخطابات مندفعة ومتعجلة النتائج ومنحازة للحروب الاستباقية بدلاً من الاحتواء والحصار الاقتصادي والضغوط السياسية ، فلا أحد مهتم بالتناقضات السياسية المتداولة المهم هو الصندوق الانتخابي ، ولذلك لا تهم كثيراً التجربة السياسية للمرشح أو مرونته أو إنسانيته ، فالمهم أن ينتمي لأحد الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري ويدعمه حفنة كبيرة من اللوبي الصهيوني حتى يبدأ الكرنفال ، ويتغنى الجميع بالحلم الديمقراطي حتى لو كانت السياسة مترنحة وملتبسة ، فالكبش الذي سيتم ذبحه لآلهة الديمقراطية ليس أمريكياً وإنما سيتم جلبه واستحضاره من الشعوب المستضعفة لضمان حالة التبعية والنفوذ وفرض شروط الهيمنة على الدول.

وكما في كل الانتخابات السابقة المرشحون الجدد للبيت الأبيض واجهات لشركات عالمية تغذي الوهم الوطني حول الديمقراطية وتضيف الشرعية على الحكم وتسمح بانتخابات محدودة تستبعد منها الطبقات الخطيرة سياسياً ، والهدف الرئيسي لجميع المرشحين في المرحلة القادمة هو السيطرة على "سوريا”بغية إضعاف الدورين الروسي والإيراني ، وما السرعة لإيجاد نتائج وهمية للأزمة السورية سوى دعائم جديدة يرتكز عليها الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي يتعرض لأكبر حملة انتقاد من صقور الحزب الجمهوري الذين يرون أن إدارة "أوباما”مسؤولة عن نشوء ظاهرة الإرهاب من خلال محاولاته إسقاط الأنظمة ، فيسعون لخلق تصويت احتجاجي يقلب الموازين ويغير المجريات لصالحهم ، حيث يرى المرشح الجمهوري "راند بول ": «أن الولايات المتحدة خلقت مجالاً أوسع وأكثر أماناً لتنظيم داعش الإرهابي لكي ينمو من خلال دعمها للمتطرفين » ، مشيراً بذلك للدعم الكبير الذي قدمته بلاده للمسلحين ثمناً لتغيير النظام السوري.

ورغم تميز سياسة الحزب الديمقراطي بالدبلوماسية العسكرية بانسحاب الجيش الأمريكي من "العراق”وتقليص أعداده في "أفغانستان”وانحسار حضوره العسكري بالقواعد ، والاكتفاء بالحروب بالوكالة عبر دعم الجماعات الإرهابية بالمال السعودي والقطري ثم تشكيل تحالف دولي للسيطرة على "داعش”إعلامياً ، والعمل بالمراقبة وجمع المعلومات وتحديد المساحة الديموغرافية لتمددها ، كل هذا لم يشفع للديمقراطيين لاسترجاع أرضية الحزب الجماهيرية لصالحهم حتى تاريخه، بالإضافة لفشل إدارة "أوباما "في ترميم صورة أمريكا اقتصادياً باتخاذه حزمة من الإجراءات أجبرته على الالتجاء لفرض الضرائب ، حيث قال المرشح "دونالد ترامب”في إحدى تصريحاته :« أن الولايات المتحدة قد أنفقت أربع تريليونات دولار في محاولة إسقاط العديد من الأنظمة » ، معتبراً أنها لو اُستثمرت داخل الولايات المتحدة وتركت المنطقة العربية بحالها لكان الوضع أفضل من انتشار الفوضى ، مؤكداً أن السياسات الأمريكية أدت لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط .

ولكن كائناً من سيكون الرابح جمهورياً أم ديمقراطياً فليس من المتوقع أن يكون هناك تحول لافت في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية حيث أن مفاصل السياسة الخارجية تشكل الدور الأبرز في تقرير الخسارة أو الفوز ، وما تصريحات المرشحين الأمريكيين سوى فسحة قصيرة قبل عودة العقبان إلى أعشاشها واللعب على وتر الحروب ، فنادراً ما كان المرشحون ينفذون ما يتعهدون به خلال حملاتهم، فالدولة الأمريكية نواة لمجمع صناعي حربي أمريكي تمارس فيه فنون الإقناع بالإرهاب الدولي للسيطرة على الأمم وامتصاص مقدراتها.

إن جميع المرشحين يتسابقون كالخراف لإرضاء اللوبي الصهيوني المسيطر على رأس المال الأمريكي ، وما كل هذا الضجيج الخطابي إلا مفتاح للوصول لسدة الرئاسة ، لتبقى المخططات سيدة الموقف وهي ستمهد الطريق لأوباما الديمقراطي وسلفه القادم في أحلامهم الاستعمارية لملء بنوك الشركات العالمية دون أن يكون لهوية المرشح الأمريكي الفائز أي أهمية .