الامتياز نقداً والاستحقاق فقداً
حسين شريعتمداري
في الثاني من كانون الاول/ ديسمبر قدمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها النهائي، حول الملف النووي الايراني السابق والمعروف بـ "بي ام دي". وفي هذا التقرير، ردت الوكالة من دون تقديم اي دليل او مستمسك، ما اثبتته الجمهورية الاسلامية مراراً، بان ايران كانت الى عام 2009 بصدد تطوير نشاطات تصب في انتاج السلاح النووي. هذا في الوقت الذي برهنت الجمهورية الاسلامية خلال 12 عاما الماضية، وبشكل جازم، على عدم وجود اي انحراف في نشاطاتها النووية للاغراض السلمية، ولم يعثر مفتشو الوكالة وبالرغم من جولاتها الواسعة، والمتعددة الجوانب، على اي دليل لهذا الانحراف المزعوم.
ان التقرير الاخير للوكالة قد استقبل بعد دقائق من نشره، بترحاب واسع من قبل وسائل الاعلام والمسؤولين الاميركيين والاوروبيين وكذلك الكيان الصهيوني، اذ اعتبروا التقرير تاييدا لادعاءاتهم السابقة ضد البرنامج النووي الايراني متهمين ايران بالكذب! والمخادعة لسنوات مديدة!
وفي ما يلي توضيح لما جاء به التقرير الاخير للوكالة والذي يمكن ان يكون له تداعيات خطيرة.
1- يقال انه خلال المفاوضات النووية تم التوصل لاتفاق بموجبه يكون التقرير النهائي للوكالة "لا اسود ولا ابيض"، الا ان مجلس الحكام ادعوا في تقييمهم النهائي وجود ابعاد عسكرية محتملة والمعروفة بـ "بي ام دي"، وهنا ينبغي القول؛
الف: اذا كان الاتفاق خطيا ففي اي فقرة من خطة العمل المشترك تمت الاشارة لذلك؟ والاجابة ان لا توجد اية اشارة مطلقا!
باء: واذا كان الاتفاق الموسوم شفاهيا فكيف يتم الاعتماد على كلام شفاهي لخصم، سبق وان نكث وعوده وعهوده الخطية مراراً؟!
جيم: يقال انه كان من المقرر ان يكون تقرير الوكالة "لا اسود ولا ابيض" اي انه يشمل نقاطاً "بيضاء وسوداء" و"سالبة وموجبة"! بينما التقرير المعني، وعلى العكس من راي الاخ العزيز الدكتور عراقجي، ليس لا يقترب من البياض وحسب بل هو، اولا؛ قد شمل السواد اغلب مضامينه، وثانيا؛ ان النقطة البيضاء التي اشار اليها الاخوة ظاهرها البياض اذ ان ماهيتها سوداء بالكامل، وهو ما سنشير اليه لاحقا.
2- وجاء في تقرير الوكالة ان ايران والى عام 2009 قد اقدمت على بعض الاجراءات كابحاث وتطوير لبرنامج انتاج السلاح النووي. وهذا القسم من تقرير الوكالة، قد غلب كفة الخصم في جدال نووي لـ 12 عاما.
فخلال السنوات الاثني عشر الماضية، اتهمت اميركا وحلفاؤها -الترويكا الاوروبية و من ثم مجموعة 5+1- البرنامج النووي الايراني بالانحراف عن النشاطات النووية السلمية صوب انتاج السلاح النووي -DIVERSION- ،فيما لم تعثر الوكالة بجولاتها التفتيشية الاوسع من البروتوكول الاضافي على اي دليل يعكس عدم سلمية نشاطات ايران النووية. من هنا كان المتوقع من الناحية الفنية والقانونية، ان ترد الوكالة على اي اتهام بانحراف ايران عن برنامجها النووي للاغراض السلمية، او في الاقل ان تعلن انها لم تعثر على اي علامة لهذا الانحراف. الا ان الوكالة، ومن دون ان تقدم اي دليل، قد ايدت التهمة التي وجهتها اميركا وحلفاؤها والتي تفتقد لاي صحة ووجهة قانونية.
3- ان تقرير الوكالة بخصوص سعي ايران لامتلاك السلاح النووي الى ما قبل عام 2009، يؤيد الاتهامات التي توجهها اميركا وحلفاؤها خلال 12 عاما دون تقديم اي وثيقة وعلامة ضد برنامجنا النووي، وها هي الوكالة توثق جميع الاتهامات الموضوعة، مما يعني اتهاما لايران بالكذب! والخداع! والتستر! وانتهاك القوانين! و... . هذا التقرير من قبل الوكالة شجع المسؤولين الاميركان والاوروبيين والصهاينة في التعبير مباشرة بعد نشر التقرير بواسطة وسائل الاعلام الاجنبية عن تحليلاتهم حول مسار البرنامج النووي الايراني. فها هو "جون كيري" وزير خارجية اميركا يدعي متفاخرا؛ ان ما كنا نقوله حول البرنامج النووي الايراني اتضح صدقه، مؤكدا باننا لم نكن يوما نشك بمساعي ايران في امتلاك السلاح النووي!
بدورها كتبت وكالة رويترز وبعنوان عريض، ضمن ردها لتصريحات ايران بعدم السعي لانتاج السلاح النووي؛ "ان تقرير الوكالة اثبت سعي ايران لانتاج السلاح النووي"!
بينما اعلنت الصحيفة الاميركية "يو اس اي تودي" وضمن اتهامها لايران بالكذب عن استمرار ايران في نشاطاتها النووية غير السلمية الى عام 2009! فيما اعتبرت الصحيفة الصهيونية تايمز الاسرائيلية، راي الخبراء الاسرائيليين مورد تقدير، حيث اكدوا منذ البدء بان مساعي ايران تصب في امتلاك السلاح النووي! و...
4- وجاء في المادة الاولى من تقدمة تقرير الوكالة بان "هذا التقرير يعتمد على جميع المعلومات المرتبطة بالمعاهدة التي وثقتها الوكالة، ومنها المعلومات المهيئة عن طريق اطار تنسيق خارطة الطريق، والمعلومات المتوافرة من خطة العمل. ومفهوم هذه المادة بان مسؤولي الجمهورية الاسلامية الايرانية قد وافقوا على النشاطات النووية غير السلمية الى عام 2009!
5- ان تقييم الوكالة حول ملف "بي ام دي" يمثل تقريرا نهائيا، ولم تعتبر الوكالة الاستمرار في التحقيق بهذا الخصوص ضروريا. ولربما يصف البعض هذه الفقرة بالبيضاء! ويعتبرها امتيازا! فيما قررت الوكالة عن هذا الطريق اتهام ايران بالسعي لانتاج السلاح النووي بالقطعي ولا يقبل الاعادة.
6- ان هذا التقرير قد اعطى لاميركا وحلفائها الحق في اتهامهم لنشاطات ايران النووية بانها غير سلمية! ولهذا السبب كان الحق معهم حين قيدوا! -حسب جون كيري- استمرار نشاطات بلدنا النووية، ووضعوها تحت المراقبة المشددة!
7- كما وبامكان التقرير ان يكون وثيقة اشد خطورة من خطة العمل المشترك الشاملة. اذ هو وثيقة دولية تسجل عدم صحة الادلة المقدمة من قبل ايران حول سلمية برنامجها النووي! ولذا يمكن للاميركان ان يحولوا فترة تنفيذ خطة العمل المشترك من 15 عاما و25 عاما الى ما لا نهاية، بذريعة ان تقرير الوكالة اثبت كذب ادعائنا خلال 12 عاما بسلمية برنامجنا النووي! من هنا لا يعلم ومن يضمن عدم استمرارها في برنامج نووي عسكري؟!
8- وفي حال قبول ايران بتقرير الوكالة فانه سيتحول الى وثيقة دولية، وعليه لو افترضنا اعلان مجلس الحكام غلق ملف "بي ام دي"، فان هذه الوثيقة ستكون كافية لان تقيد برنامجنا النووي الى الابد! ويمكنها ان تكون في المستقبل، لا سيما بعد تطبيق جميع العهود التي وافقنا عليها في خطة العمل المشترك، مصدر اعتماد الخصم وتحدد نشاطات ايران النووية للابد في قالب الاختبارات!
9- وبالنظر للقائمة الطويلة من عدم الثقة، والخداع ونقض القوانين من قبل اميركا خلال 12 عاما، يمكننا ان نحدس من الآن، وعلى فرض اغلاق ملف "بي ام دي" من قبل مجلس الحكام، فان التقرير الاخير للوكالة سيهيئ ارضية مناسبة لمزيد من الابتزاز -وبالطبع هذه المرة اعتمادا على تقرير الوكالة-.
10- واخيرا فان الدفاع عن المصالح القومية والحركة العلمية لايران الاسلامية يستلزم من مسؤولي البلاد النوويين رفض تقرير الوكالة بقوة وان يبدوا اعتراضهم الصريح على هذه الوثيقة الغير قانونية والغير فنية والفاقدة لادنى دليل معتبر، وان لا يمنوا انفسهم باستحقاقات يحصلون عليها فقداً فيما يقدموا الامتيازات نقداً.
و يبقى تتمة الحديث بهذا المجال لفرصة اخرى.