استراتيجيــة بوتيــن الجديــدة فـي المنطقــة..
أحمد الشرقاوي
إلى وقت قريب، ساد الاعتقاد بأن واشنطن في عهد الرئيس أوباما، نجحت في تجاوز عقدة الفشل في أفغانستان والعراق بفضل استراتيجية الحروب الناعمة التي من أهم أهدافها إعادة بناء الأمم والكيانات على أسس عرقية وطائفية ومذهبية في منطقة الشرق الوسط وآسيـا..
ومعلوم أن استراتيجية الحروب الناعمة، جنبت الإدارة الأمريكية المواجهات العسكرية المباشرة في الخارج، حين أعطت للقوى الإقليمية الحليفة دورا محوريا في مواجهة من تعتبرهم أمريكا أعدائها، فيما اقتصر دور واشنطن على إدارة الحروب من الخلف وتوفير الغطاء السياسي والدعم العسكري بالسلاح المدفوع الأجر..
هذه الإستراتيجية المربحة اقتصاديا، ضمنت للولايات المتحدة في الحد الأدنى، تجنب تحمل تبعات الفشل وتداعيات الكوارث الإنسانية والأخلاقية التي أصبحت تتحملها بشكل مباشر الأدوات الإقليمية، بسبب اعتماد خيار "الإرهاب” كسلاح وظيفي لتحقيق الأهداف السياسية المرسومة..
وبذلك، أصبح بإمكان الولايات المتحدة التدخل الناعم لتغيير الأنظمة وتفتيت الجيوش وتمزيق المجتمعات وتقسيم الدول باسم محاربة الإرهاب بعد أن لم يعد أحد في هذا العالم يصدق شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، خصوصا بعد تجربة أفغانستان والعراق وليبيا الفاشلة..
لكن أمريكا، ولسوء حظها، واجهت معضلة مستعصية في سورية، بسبب شجاعة القيادة وتلاحم الجيش والشعب والصمود الأسطوري الذي تحقق على الأرض فأسقط كل الرهانات الخاطئة بفضل دعم حلفاء دمشق..
لم تسقط سورية كما كان متوقعا، والعراق بدا عصي على التقسيم حتى الآن، كما أن اليمن صمد ولم يهزم، وبالتالي، لم تنجح سياسة احتواء إيران، لا بضرب محورها ولا بجزرة النووي، للضغط عليها بهدف إبعادها عن روسيا والصين وانخراطها في النظام العالمي الأحادي القطبية برئاسة امبراطورية روما الجديدة..
وواجهت أمريكا معضلة عصية على الحل مع أدواتها في المنطقة، حيث لم تنجح في خلق منظومة إقليمية موازية لإيران يكون بمقدورها إضعاف طهران وتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط لصالح محور "سني” قوي كانت تريد أن تشكله من (تركيا – السعودية – مصر – و”إسرائيل” من الباطن)، بسبب تضارب الرؤى واختلاف الأولويات بين هذه القوى الكبيرة في المنطقة، وقد لاحظ المتابعون لتطورات الأحداث أن كل مكون من هذا المحور غير المتجانس كان يزعم أنه الأقوى والأقدر على مواجهة إيران، في تنافس محموم على الزعامة للظفر بدور شرطي المنطقة، هذا في الوقت الذي حاولت "السعودية” الحصول على الزعامة بامتطاء الحصان المصري، لكن عندما تمرد عليها قررت إسقاطه واستبداله بالبغل التركي، والذي تبين أنه بدوره يستغل غباء ‘آل سعود’ ليحقق أحلامه ثم يسحقهم بعد ذلك ليتولى زعامة المنطقة لحساب الحلف الأطلسي الذي ينتمي إليه، وهو ما تعارضه "إسرائيل” بسبب خوفها من "الإخوان المسلمين” أكثر من خوفها من "القاعدة” ومشتقاتها.
وبالرغم من أن دخول الروسي المفاجئ الحرب على الإرهاب في سورية شكل نقطة تحول غيرت الموازين وقلبت المعادلات وكشفت الوجه الحقيقي لحرب واشنطن على الإرهاب، إلا أن الأخيرة وجدت نفسها محرجة وعاجزة عن فرض منطقها بالقوة العسكرية المباشرة على الأرض، الأمر الذي لو حصل، لكان سيفهم بأنه دعم عسكري مباشر للجماعات الإرهابية ضد من جاء ليحاربها ويخلص المنطقة والعالم من شرورها، ويؤكد لمن لا يزال لديه ذرة من شك في نواياها الحقيقية، أن واشنطن وحلفها الستيني لم يفشلوا في محاربة الإرهاب، بل نجحوا في التمكين له وتقويته وتمدده خلال أكثر من سنة من رعايته بدل محاربته، وأن كل القيادات التي قالت واشنطن أنها استهدفتها، تبين أن ذلك كان بسبب معارضتها لـ”البغدادي” وانشقاقها عن دولته المزعومة.
وأمام التحدي الروسي، اضطرت واشنطن لتعديل استراتيجيتها لإفشال بوتين في سورية، خصوصا بعد أن أدركت أن القيصر جاء لينتصر، وليغير المعادلات في منطقة الشرق الأوسط برمتها، انطلاقا من سورية، مرورا بالعراق فاليمن ومصر وليبيا.. ظهر ذلك جليا في تحالف موسكو – طهران الإستراتيجي، ومحاولة بوتين ضم القاهرة لرؤيته التي تعتمد القوة الخشنة لإنهاء الفوضى "الخلاقة” التي أحدثتها القوة الناعمة الأمريكية في الشرق الأوسط..
*** / ***
فهل يعني هذا، أن الدخول الروسي على خط الأزمات في المنطقة سوف يقتصر فقط على محاربة الإرهابيين أم أنه سيطال أيضا داعميهم الإقليميين؟.. لأنه في حال اعتمد الرئيس بوتين الخيارين، فسنكون أمام استراتيجية نوعية جديدة تزاوج بين "القوة العسكرية الخشنة” من جهة، وبين "القوة الأمنية الناعمة” من جهة أخرى..
نقول هذا، لأن الأساس الذي تعتمده الإدارة الأمريكية حاليا بعد تعديل إستراتيجيتها، وفق ما خلص إليه مراقبون استنادا إلى دراسات إستراتيجية أمريكية، هو أنها تحاول إقامة هندسة ديموغرافية جديدة في المنطقة، تجمع "سياسيا” بين العشائر العربية التي تدرّبها وتعدّها في "الأنبار” غرب العراق، وبين العشائر العربية "الديموقراطية” التي تدرّبها وتسلحها في شمالي شرق سوريا، من أجل بناء كتلة بشرية متراصة تكون عماد مناطق النفوذ الأميركية المركزية في الانعطافة الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض، من أجل اختراق السيادة الوطنية وتحطيمها في العراق وسوريا معاً، وهذا هو الدور المنوط بالمستشارين الأمريكيين الذين قال البيت الأبيض أنه سيزيد عديدهم في سورية..
ولتحقيق ذلك، تعتمد الإستراتيجية الأمريكية المعدلة على مبدأ قضم الأرض عن طريق قصف الطيران وكذلك بالقوات الأرضية الجديدة، والمدمجة أيضاً مع القوى المحلية، باعتبارها السبيل الأنجع للاستحواذ على مناطق النفوذ الجديدة لعرقلة المشروع الروسي الاستراتيجي في الإقليم الذي يسعى للحفاظ على الدولة الوطنية في سورية والعراق.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم التورط التركي في قصف الطائرة الروسية في شمال سورية، والتورط السعودي – القطري – الإسرائيلي في إسقاط الطائرة المدنية الروسية في سيناء، في محاولة كل من الرياض وأنقرة لتقوية أوراقهما عند واشنطن، فيما تراهن أمريكا على حرب استنزاف طويلة بدأت بسلاح النفط، وتستمر من خلال ضخ مزيد من الإرهابيين إلى سورية وتجييرهم كـ”معارضة معتدلة” لمنع روسيا من استهدافهم، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى إطالة أمد الصراع إلى أن ينتهي بانهيار اقتصاد الاتحاد الروسي وتفككه كما حصل مع الاتحاد السوفياتي السابق بالضبط، حيث شكل ضعف الاقتصاد السلاح الناجع الذي أدى لانهياره.
وفي هذا الإطار، عديدة هي التقارير الأمريكية التي تتحدث اليوم عن أن الاقتصاد هو السلاح الناجع الذي سيحدد مصير المنتصر والمهزوم في الحرب العالمية الثالثة التي انطلقت بين موسكو وواشنطن في منطقة الشرق الأوسط وآسيا، وكما كان الحال زمن الاتحاد السوفياتي السابق خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شكلت الحروب بالوكالة بين القوتين ساحات الاستنزاف الكبرى، ويذكر التاريخ أن أمريكا انتصرت في كل الحروب التي خاضتها بالوكالة، في حين خسرت في حرب فيتنام التي خاضتها مباشرة وفشلت في حرب أفغانستان والعراق لكنها لم تهزم بل انسحبت وفق التقويم الأمريكي للتجربتين، وهو الدرس الذي استخلصه أوباما من تاريخ الحروب الأمريكية فقرر العودة لخيار الحروب بالوكالة، لكن هذه المرة عبر أدواته الإقليمية بتوظيف الإرهاب كسلاح، نتيجة ما حققته "القاعدة” في أفغانستان من نتائج سمحت لواشنطن أن تتربع على عرش العالم دون منافس أو منازع..
بوتين من جهته يدرك هذه الحقيقة، فقد كان الرجل منخرطا في مواجهة أمريكا زمن الحرب الباردة، وقراره بالتصعيد العسكري من خلال إبراز القوة الخشنة في سورية لا يعني أنه سيعتمدها كخيار وحيد لتحقيق الانتصار، لأن القوة الخشنة حين تستعملها دولة عظمى كروسيا إنما تعني "الـردع” لفرض خطوط حمراء جديدة، لذلك سنرى قريبا تغيرا دراماتيكيا في قواعد اللعبة على أكثر من ساحة، من سورية إلى العراق إلى اليمن إلى ليبيا، وهذا يتطلب دمج القوة الناعمة لاستراتيجية القوة الخشنة الروسية..
بمعنى، أن الرئيس بوتين لن يقتصر في استراتيجيته الجديدة على محاربة الإرهاب فحسب، بل وداعميه أيضا، وها نحن نرى البوادر الأولى لهذه الإستراتيجية تتحقق مع تركيا، حيث قام بعزلها بالكامل عن سورية وأسقط مشروعها للمنطقة العازلة بفضل القوة الخشنة الجبارة التي استقدمها للمنطقة قبل وبعد إسقاط القاذفة الروسية التي حولها من كارثة إلى فرصة، لدرجة أن إعلام الزيت اعتبرها مؤامرة روسية ضد تركيا..
وهذه هي الترجمة الحرفية لمعنى كلام بوتين أن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تنجح من دون تجفيف منابعه ومصادر تمويله وتسليحه، وهو ما نجح في تحقيقه باستهدافه للحدود التركية السورية، ولمصافي وخزانات وناقلات النفط الداعشي الذي كان يهرب إلى تركيا لتمويل "داعش”، وضرب إمدادات السلاح إلى "جبهة النصرة” و”أحرار الشام” وغيرها عبر المعابر (باب الهوى وباب السلامة)، تمهيدا لإنزال قوة برية ضاربة من النخبة الروسية لمساعدة الجيش العربي السوري وحلفائه في مراقبة الحدود الشمالية، الأمر الذي يجعل عملية تطهير الداخل السوري تؤدي لنتائج ملموسة وحاسمة، خصوصا بعد إغلاق الحدود الأٍردنية وإقفال غرفة الموك في عمان.
والحقيقة، أن بوتين بإغلاقه للحدود التركية نجح في في ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهو من ناحية أسقط الدور الأمني التركي الداعم للإرهاب في سورية، وأسقط الرهان "السعودي” – القطري على الدور التركي، ومن ناحية أخرى، أسقط أوراق تركيا السياسية التي كانت تراهن عليها في المفاوضات حول مستقبل سورية بحجز دور محوري لـ”الإخوان المسلمين” في الحكومة المقبلة..
هذا في ما أسقطت إيران ورقة "المعارضة المعتدلة” التي كانت تراهن عليها "السعودية” في اجتماع الرياض المقبل، حيث قالت طهران أن قائمة المعارضين يجب أن تشمل أسماء الأشخاص غير المتورطين في الإرهاب لا التنظيمات الوهمية، وأن هذه المهمة من اختصاص المبعوث الأممي لسورية لا "السعودية”، وفق مقررات مؤتمر فيينا 2.. وبهذا لم يبقى للوزير الجبير من ورقة يهدد بها غير النعاق على أطلال الخيبة والفشل، بعد أن أصبح الميدان هو من يفرز موازين القوى ويفرض المعادلات السياسية.
*** / ***
المشهد كما يرتسم في الميدان السوري اليوم، يوشي بأن الأولوية بعد تطهير ريف حلب الجنوبي والشرقي هي لتحرير الرقة وتدمر والحسكة ودير الزور، حيث تسارع واشنطن الزمن بمعية حلفائها وأدواتها لاقتطاعها من الجغرافية السورية وتحويلها إلى مسمار جحا لعرقلة أي حل سياسي لا يلحظ المصالح الأمريكية في سورية، ولهذا نرى اليوم سعي محموم من قبل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والسويد للمشاركة في محاربة الإرهاب بمعية واشنطن في سورية، ومن الواضح أن هذه الحملة المسعورة الجديدة أفرزتها العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا بتدبير من المخابرات الأطلسية والصهيونية لإقناع الرأي العام الأوروبي بضرورة محاربة الإرهاب في معقله بسورية قبل أن يعود ليضرب في أوروبا..
لكن الشعوب الأوروبية أدركت حقيقة اللعبة، ولم تعد تنطلي عليها الخديعة، ولم يعد بمقدور كامرون استصدار قرار من البرلمان البريطاني بناء على كذبة بزعمه أن المعارضة المعتدلة التي سيحارب بها الإرهاب في سورية تقدر بـ 70 ألف مقاتل، على سنة خديعة بوش وطوني بلير الشهيرة في حرب العراق، وأصبحت النخب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تطالب الحكومات الغربية بإغلاق معاقل الوهابية في أوروبا وإعادة النظر في العلاقات مع "السعودية” منبع الفكر التكفيري الذي يهدد العالم أجمع، لأن أية حرب على الإرهاب لا تستهدف منابعه الفكرية هي حرب عبثية لا جدوى منها.
أما القوة الناعمة التي سيعتمدها بوتين بموازاة القوة الخشنة، فستركز على دعم الأكراد في الشمال السوري وفي تركيا، خصوصا بعد موافقه حزب العمال الكردستاني على الدعم الروسي، وهي الورقة الخطيرة التي ترعب تركيا وتصيبها في مقتل.
كما أن حديث الزير لافروف عن اليمن وإشادته بجيشه الذي اعتبره الأول عربيا والعاشر عالميا، وموافقة اليمن على إقامة قواعد عسكرية روسية في حضر موت، يفتح الباب واسعا لتعاون روسي لإدارة الحرب مع السعودية من الخلف، خصوصا وأن لروسيا حسابات معلقة معها، ليس في سورية والعراق فحسب، بل وأفغانستان والشيشان أيضا، دون أن ننسى حرب أسعار النفط التي أعلنتها الرياض ضد موسكو وإيران لتقويض اقتصادهما وتسريع انهيارهما، والآن جاء الوقت ليتجرع نظام ‘آل سعود’ الظلامي من نفس الكأس التي كان يسقيها لأعداء أمريكا.
وفي محاولة استباقية لمنع مصر من الانضمام إلى الإستراتيجية الروسية، سارعت تركيا وقطر و”السعودية” وأمريكا وحلفائها في المخابرات الأطلسية، إلى تحويل ليبيا إلى "رقــة 2”، حيث ارتفع عديد "داعش” اليوم من 500 إلى 5٫000 إرهابي، ومكن له ليسيطر على آبار ومصافي النفط في وسط البلاد ومناطق الساحل (سيرت)، تحضيرا لتحويل المحروسة إلى "سوريـة 2”، وإعادة صوغ الأمم والشعوب في شمال إفريقيا من تونس إلى موريتانيا.
لذلك، ليس أمام السيسي اليوم سوى اتخاذ القرار الإستراتيجي بالتحالف مع روسيا ومحور المقاومة لتشكيل أكبر قوة ضاربة في المنطقة لهزيمة مشروع امبراطورية الشر والظلام الأمريكية.. وإلا، فاحذروا السفر إلى مصـر لأنهـا لـم تعـد آمنــة..