kayhan.ir

رمز الخبر: 27050
تأريخ النشر : 2015October04 - 21:45

’الرئاسة’ في مهبّ الإرباك السعودي

حمزة الخنسا

للمرة الـ29 أرجأ رئيس مجلس النواب نبيه بري، جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لعدم اكتمال النصاب، وضرب موعداً جديداً في 21 تشرين الأول الجاري. النِصاب المعضلة، لم يُكتب له الإكتمال في المرات الماضية، وهو حتماً معرّض للإستمرار غير مكتمل الى أجلّ إقليمي لمّا تنضج شروطه بعد. اللعب في بيروت صار مملاً. الإختلاف على سلّة الشروط والشروط المضادة لتسهيل عملية انتخاب الرئيس، باتت روتينية هي الأخرى. كل الأفرقاء يعرفون أن النِصاب يُمكن تأمينه بفعل إشارة خارجية طال انتظارها.

كان تصريح النائب وليد جنبلاط بالأمس لافتاً. أكّد رئيس اللقاء الديمقراطي في حديث صحفي، إن التصريحات العشوائية التي يطلقها البعض تهدف الى ضرب التسوية السياسية التي كنّا على وشك إنهائها مع العماد ميشال عون، والتي أُجهضت في آخر لحظة. وقال: "كفى مزاحاً مع العماد عون. وأتفهّم موقفه، وكفى استنتاجات دستورية من هنا وهناك فالموضوع سياسي”. الملفت في كلام سيّد المختارة ليس التطوّر الإيجابي الذي طرأ على موقفه من الجنرال عون ومطالبه. فجنبلاط معروف عنه إتقانه سياسة "التكويع”. الإقرار بأن ثمّة تسوية سياسية يجري العمل عليها مع سيّد الرابية، وبأن هناك مَن يعمل على تعطيلها هو أكثر ما يلفت.

كلام جنبلاط عن تعطيل تسوية يُعمل عليها، أتى إثر سجال افتعله النائب عن كتلة المستقبل أحمد فتفت مع عضو كتلة التغيير والإصلاح النائب حكمت ديب. يتلاقى هذا الكلام ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ في الشكل والمضمون، مع ما كشف عنه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في مقابلته الأخيرة مع قناة "المنار”. يومها قال السيّد نصرالله إن رئيس تيّار المستقبل النائب سعد الحريري، كان "في جو أنه يقبل بالعماد ميشال عون رئيساً جمهورية”، لكن "المشكلة أن السعودي سابقاً وحالياً يتدخّل”.

المستقبل يمتهن التعطيل

بات معروفاً أن السعودية تتدخّل في أدق التفاصيل، وتوجّه فريقها في لبنان، على رأسه تيّار المستقبل، لتنفيذ رغباتها السامية. في الأصل، لا ينكر مَن تُستَطلَع آراؤهم في "التيّار الأزرق”، الإرتباط العضوي بين قرارات فريقهم، والرغبة السعودية السامية التي يُسمّونها تجميلاً: "الخطوط العريضة للإستراتيجية السعودية في المنطقة”. المشكلة اليوم تحديداً تكمن في الرغبة السعودية السامية تلك، إذ تتخبّط العائلة الحاكمة في قرارات ومواقف على وقع المأزق المتجدّد والمستمر الناجم عن تورّطها في الحرب على سوريا أولاً، والعدوان على اليمن تالياً.

الحديث عن تسويات قد يستفيد منها لبنان، والذي تصدّر المشهد الدولي الإقليمي على إثر توقيع الإتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، بات يتراجع حاليا . الجديد في المشهد اليوم فرضته روسيا عبر طائراتها الحربية معلنة الحرب على الإرهاب التكفيري في سوريا. أولى الضربات الروسية كانت في الرستن وتلبيسة، أي ضد الجماعات المدعومة من السعودية وغيرها من حلفاء أميركا المتورطين في الحرب على سوريا. في الأساس، أعلنت روسيا الحرب على جميع الفصائل المسلّحة التي يعتبرها الجيش السوري عدواً له، بصرف النظر عن أسمائها وهوياتها والأطراف الإقليمية والدولية التي تقف خلفها. ما يعني أن فريق السعودية المسلّح في سوريا سيكون من ضمن لائحة المستهدفين روسيّاً.

الردّ السعودي على الخطوة الروسية جاء على شكل تصريح. غرّد وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، خارج سرب المزاج والتوجّه الدوليَّين. هدّد وتوعّد وقال إن على الرئيس السوري بشار الأسد أن يختار بين التنحّي الطوعيّ عن الرئاسة أو مواجهة الخيار العسكري. لا أحد في واشنطن وباريس ولندن والدوحة وأنقرة فهِم ماذا يقصد الجبير بالخيار العسكري، ولا ماهيته. مثل هذه التهديدات والخبريات لم تعد مرغوبة في السوق الدولية، إلا أن "الرغبة السامية” استحضرتها في لحظة تواجه فيها مأزق في اليمن وآخر في سوريا، وآخر على مستوى صورتها التي حرصت على تلميعها أمام العالم الإسلامي بوصفها قائدة له، بعد كارثة منى الناجمة عن فشل إدارتها لموسم الحج.

الفشل السعودي المتتابع، انعكس تعنّتاً ظهر جلياً في تصريحات الجبير المتلاحقة، والتي بدأها بتخيير الرئيس الأسد بين التنحي أو مواجهة الخيار العسكري، واستتبعها بوصف إيران بأنها الراعية للإرهاب. في هذا السياق، قرأ المشتغلون في ملف الأزمة الرئاسية اللبنانية على خط السعودية ـ لبنان، رغبة سعودية جامحة لفرملة أي تقدّم في أي ملف يمكن أن تكسب من خلاله إيران نقاط تصبّ لمصلحتها في "الحرب الباردة” الدائرة بين الطرفين، والتي استعرت على خلفية كارثة منى.

في بيروت، فهِم تيّار المستقبل تصريح الجبير. أدرك الحريريون ألا تسوية تلوح في الأفق. وعليه، فإنهم في حلّ من أي تفاهم سابق أو قيد الإنجاز. رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة أول مَن يستشعر ذبذبات التعيطل. وعلى سبيل وضع العصي في دواليب حوار الأقطاب، قال السنيورة إن الأولوية على طاولة ساحة النجمة هي لموضوع رئاسة الجمهورية الذي يجب أن يُبت قبل أي أمر آخر. من المعلوم أن الرئيس نبيه بري كان قد حدّد المواضيع المطروحة على جدول أعمال الحوار بسبع نقاط منها الملف الرئاسي.

لم يحصر الرئيس بري الأولوية بأي من النقاط السبع، بل جعل من أي نقطة ممكن حلّها أسرع، أولوية. اليوم، يحاول السنيورة تحديد أولويات الحوار وفق منطق "الرئاسة أو لا شيء آخر”. في المحصّلة، يلعب تيّار المستقبل دور العاكس لرأي السعودية ومصالحها على المستوى اللبناني. وعليه، سيبقى "المستقبل” الشريحة اللبنانية التي تعطّل الحلول والاتفاقات حتى إشعار سعودي آخر.