kayhan.ir

رمز الخبر: 24962
تأريخ النشر : 2015August28 - 21:32

لبنــان.. إرهاصات ثورة ضد النفايات السياسية

أحمد الشرقاوي

انطلقت في لبنان تظاهرة شعبية بدت عفوية، ما فوق طائفية ومذهبية، رافعة شعار "ريحتكم طلعت”، احتجاجا على تردي الخدمات من كهرباء وماء ونفايات، حمل المتظاهرون مسؤوليتها للطبقة السياسية الفاسدة المستبدة بالمشهد السياسي في البلد..

لكن سرعان ما تحولت الاحتجاجات من مطالب اجتماعية مشروعة إلى المطالبة بإسقاط النظام، بعد أن تطورت الأمور إلى الأسوأ حين لجأت القوى الأمنية إلى استعمال العنف المفرط الذي بلغ حد إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين الآمنين، في محاولة لإجهاض الحراك في مهده، الأمر أدى إلى استشهاد شخص على الأقل وإصابة العشرات من المحتجين ومثلهم من القوى الأمنية نتيجة الرد بالحجارة..

وتبين أن وزير الداخلية نهاد المشنوق كان آخر من يعلم بما حدث، وأنه كمسؤول عن الأمن لا يدير الأمن بدعوى تواجده في الخارج، وهو عذر أكبر من ذنب في عصر ثورة وسائل التواصل وسرعة تدفق المعلومات، وأن هناك قوى مضادة عميقة هي من أصدرت الأوامر لافتعال هذا الإشكال، والذي أدى بالنتيجة لتعاطف الناس مع المتظاهرين والنزول إلى الشارع، ما زاد من زخم الاحتجاجات..

من المبكر القول أن الثورة قد بدأت في لبنان، لكن المؤشرات الأولية تؤكد أن لا عودة للوراء، وأن هناك رؤية بدأت تتبلور لدى الشباب المتحمس في اتجاه إسقاط نظام المحاصصة الطائفي البغيض الذي أدى بلبنان إلى ما أصبح عليه اليوم، وأن النفايات المنزلية المتراكمة في شوارع لبنان وإن كانت هي القشة التي قسمت ظهر البعير، إلا أنها لا تعدو أن تكون نتيجة وليس سببا في الأصل.. هذا ما تبين من خلال التصريحات الإعلامية المتقاطعة في الميدان.

رئيس الوزراء تمام سلام سارع لعقد مؤتمر صحفي صبيحة الأحد لامتصاص غضب الشارع، وبدل أن يسمي الأشياء بمسمياتها ويعلن استقالته بشرف حفظا لما تبقى له من ماء الوجه، فضل تحميل المسؤولية عن الأوضاع الكارثية التي وصل إليها لبنان اليوم لمن اسماهم بالمعطلين للمجلس التشريعي وعمل الحكومة، في إشارة ضمنية للجنرال عون وفريقه، وهي محاولة مخادعة وفاشلة وبئيسة للنأي بنفسه من خلال الظهور بأنه مع الشعب، وهو يعلم يقينا أن من أتى به إلى سدة الرئاسة لا يمكن أن يسمح له بإدارة البلاد وفق ما يخدم مصلحة الشعب على حساب مصلحة السماسرة، وأنه يعرف أن الشعب يعرف أنه لا يمثل الإرادة الشعبية لا هو ولا حكومته ولا المجلس التشريعي الذي يتحدث عنه، وأن تعيينه ما كان ليتم من دون مباركة "سعودية”، وبالتالي فمحاولة تسويق نفسه على أنه رجل محايد هو كمن يبيع القرد ويضحك على من اشتراه..

وكعادة القبائل عندما تسقط البقرة يخرج الجميع سكاكينه، كرت سبحة الاتهامات والاتهامات المضادة بين اللصوص الشركاء، من وليد جنبلاط الذي طالب الوزير المشنوق بالاستقالة إلى غيره… كل زعيم ووزير ومسؤول ينأى بنفسه عن ما آلت إليه الأوضاع ويحمل مسؤوليتها لغيره، لكن لا أحد يمتلك الشجاعة لتقديم استقالته والاعتذار من الشعب على فشله في خدمته وتحقيق ما وعده به من إصلاحات..

الجديد الذي يمكن أن يشكل نقطة مضيئة وبداية صحيحة في هذا الحراك، هو إدراك الشباب أن انتفاضتهم لا يمكن أن تنجح من دون تنظيم محكم، لأن التنظيم يمثل 50% من الطريق نحو الهدف، وهو ما تبين من خلال اجتماعهم صبيحة الأحد لتشكيل تنظيم لإدارة الانتفاضة وتنسيق الاحتجاجات وفق أجندة تصعيدية بمراحل مدروسة، ويفترض أن ينبثق عن هذا النظيم لجان فرعية داعمة تتكفل بمختل أوجه الحراك من إعلام ولوجستيك وأمن المتظاهرين وخلافه، مع التركيز على رفع علم لبنان دون سواه، كي لا يجير أي فريق مدسوس نتائج الحراك لصالح حزبه، لأن شرط المشاركة في هذه الانتفاضة المباركة هو استبدال الإنتماء الحزبي والطائفي والمذهبي بالانتماء إلى لبنان الوطن الجامع لكل أبنائه..

ولعل ما يؤشر إلى أن ما يحدث اليوم في لبنان يعتبر إرهاصة ثورة بامتياز، هو سقف الشعارات الذي تجاوز المطالب الاجتماعية وتحول إلى المطالبة بإسقاط ما أسموه بـ”نظام الإرهاب والفساد” في إشارة موحية إلى أن الناس أصبحت تدرك من هو المسؤول الحقيقي عن الإرهاب والفساد معا..

وطبعا، هذا لا يعني أن الشباب رفعوا معول الهدم دون التخطيط لبناء النظام البديل، فهم مدركون أن الرهان الحقيقي اليوم هو على إقامة نظام جديد على أساس انتخابات نيابية بقانون يفضي إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية لا مكان فيها للطائفية والمذهبية، وهذا يقتضي حكما مؤتمر تأسيسي يعتقد المتظاهرون أنه يجب أن ينبثق عن إرادة شعبية بعيدا عن تركيبة الأحزاب الحالية، وبعيدا عن الإشكالات الدستورية والإجراءات القانونية القائمة التي انفضوا ضدها لهدمها من الأساس..

هذا بالإضافة طبعا لمطالب فرعية أخرى، وعلى رأسها فتح تحقيق لمعرفة من أعطى القوات الأمنية الأمر بإطلاق النار لقتل المدنيين ومحاسبته باعتباره (أي المطلب) أولوية الأولويات..

ومهما يكن من أمر، فمن الصعب توقع نجاح هذا الحراك في تحقيق أهدافه إذا لم يكن مدعوما من الجيش لحمايته، لأن احتمالات دخول أطراف رافضة للتغيير ومستفيدة من نظام الإرهاب والفساد على الخط وارد جدا، ما ينذر بأن الأمور قد تتحول إلى ما لا تحمد عقباه، خصوصا وأن أمريكا والسعودية لن يسمحوا للشعب باسترداد سيادته والتحكم باستقلالية في قراره، نظرا لحساسية موقع لبنان المجاور لفلسطين المحتلة ورهانهم على خلق توازن سياسي بفريق معارض لخيار المقاومة لمحاصرة حزب الله..

العديد من المتظاهرين عبروا للإعلام عن موقفهم المتضامن مع المقاومة، وفي الجهة المقابلة، هناك من بدأ يردد أن ما يحدث في لبنان قد يكون "أمر دبر بليل” في إشارة إلى أن هناك جهة ما تقف خلف هذا الحراك لهدم النظام السياسي اللبناني القائم، وهذا أمر غير مستغرب، وينذر بأن القوى المضادة للتغيير تبحث عن مبرر للانقلاب على خيار الشعب لإفشاله من خلال بث كم هائل من الإشاعات والأكاذيب المغرضة والتضليل، بهدف خلق بيئة متشنجة تؤدي إلى الصدام بين الناس، وربما يتطور الأمر لصدام مسلح بموازاة التصعيد الذي يتم في مخيم عين الحلوة وينذر بانفجار الأوضاع لإشغال الجيش في معارك تلهيه عن حماية المواطنين..

نقول هذا لأنه من غير الوارد أن يسمح تيار المستقبل ومن معه بنجاح الحراك الذي سيكونون أول ضحاياه وسيحاسبون على فسادهم وإرهابهم ويخسرون مواقعهم ومزاياهم..

فراقبوا ما ستفعله السفارة السعودية والأمريكية، وحبذا لو تمت محاصرة السفارات المشبوهة حتى لا يحدث في بيروت ما حدث في القاهرة..

ما يحدث اليوم في لبنان والعراق أيضا، هو الدليل القاطع على أن ثورات الشعوب لم تنتهي كما سبق وقلنا في أكثر من مقالة، بل قد تعرف الثورة انتكاسة أو ركودا، لكن جمرتها تظل مشتعلة إلى أن تحقق الشعوب كافة أهدافها، وعلى رأسها استعادة سيادتها المسروقة..

إننا اليوم أيها السادة أمام النسخة الثانية النقية الواعية من ثورة الشعوب على نظام المحاصصة، ثورة من أجل التحرر من الهيمنة الخارجية المفروضة على الشعوب عبر أدوات عميلة فاسدة مجرمة، وهو مؤشر يبشر على أن مشروع أمريكا سيفشل، وأن التقسيم لن يمر، وأن المؤامرة على الأمة ستسقط في لبنان أولا ثم العراق ثم سورية ثم اليمن.