الدبلوماسية السعودية بألسُن متعددة: تخبّط أم استراتيجية؟
حمزة الخنسا
فيما يعيش مَن تبقّى من المسلّحين في الزبداني، لحظاتهم الأخيرة في تلك البقعة من الجغرافيا السورية، تشهد كواليس الاجتماعات بين ممثلي الدول الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري زحمة اقتراحات واعتراضات وتوافقات، تعكس حيوية الحراك الذي يشهده هذا الملف في الآونة الأخيرة. في العموم، حسمت الدول المجتمعة قرارها، فالرئيس السوري بشار الأسد باقٍ، وحلّ الأزمة السورية سياسي. إلا السعودية، لا يزال وزير خارجيتها يُعلن الموقف ونقيضه، عاكساً التخبّط الذي يسود أروقة العائلة الحاكمة التي باتت تتخذ قرارات على مقياس اليمن.. المتذبذب أصلاً.
لم يكن الموقف المتشدّد الذي أعلنه وزير الخارجية السعودية عادل الجبير من موسكو، من ضمن سياق المواقف التي تعهّدها خلال النقاشات مع نظرائه الأميركي جون كيري، والروسي سيرغي لافروف في الدوحة القطرية. في الدوحة، أعلن الجبير التزام بلاده بالرؤية الأميركية ـ الروسية للحال في سوريا. أساس هذه الرؤية عدم التطرّق الى مستقبل الرئيس الأسد خلال الحديث عن أي حل للأزمة السورية. في الأساس قامت هذه الرؤية على تكريس الحل السياسي، واستبعاد أي تصريح أو حتى تلميح يخص القوة العسكرية للإطاحة برأس الدولة السورية.
الأسد باقٍ على رأس "حكومة مختلطة" تحارب الإرهاب
في هذا السياق، تقول مصادر دبلوماسية على صلة بالتحرّكات على خط الأزمة السورية، لموقع "العهد الاخباري"، إن انطباعاً تكوّن لدى جميع العاملين في الملف السوري، بأن الدبلوماسية السعودية تعتمد خطابين متناقضين خلال تعبيرها عن الموقف السعودي الرسمي من الحلول المطروحة للأزمة السورية. تعتمد الرياض خطاباً إعلامياً موجّهاً صوب حلفائها وحاضنتهم الشعبية يتّسم بالتشدّد والعدائية تجاه سوريا ورئيسها، وخطاباً آخر تعتمده في الصالونات السياسية المغلقة والبعيدة عن الإعلام، يتسم بالمرونة ويراعي "السقف المرحلي" الذي وضعته واشنطن مؤخراً فيما يخص التعاطي مع الملف السوري.
السقف الأميركي قائم على أساس الحل السياسي، وبقاء الرئيس الأسد على رأس حكومة سورية تجمع الموالاة والمعارضة، تُعطَى صلاحيات تُمكّنها من إدارة الأزمة في البلاد، ويكون على سلّم أولوياتها محاربة الإرهاب المتمثل بـ"داعش" والتنظيمات الأخرى التي ستُستثنى من الحل ـ التسوية، تقول المصادر عينها. وتضيف: إن فكرة الحلّ الأميركية هذه، إقترح كيري أن تكون مسبوقة بالذهاب الى جنيف وعقد مؤتمر حول سوريا برعاية الأمم المتحدة، تنطلق منه خطوات الحلّ تدريجياً، تُفتَتح بالحكومة المختلطة، على أن تكون حكومة إنتقالية.
عدول واشنطن عن مطلب رحيل الأسد، وجعل هذا العدول سقفاً لتحرّك حلفائها، سببه الخوف من تمدّد التنظيمات الإرهابية التي كان لحلفائها الدور الأبرز في إنشائها وتغذيتها، بحسب المصادر ذاتها، التي تقول أيضاً إن الدور الفعّال للجيش السوري في محاربة داعش، وعدم ضمان أن تأتي أية انتخابات قد تُجرى في سوريا في هذه المرحلة، أية شخصية أخرى غير الأسد، الى سدّة الرئاسة في دمشق، سبباً بارزاً في العدول الأميركي عن مطلب الرحيل.
الجبير، خلال اجتماع الدوحة، أعلن التزام بلاده بهذا السقف، وقال إن السعودية مستعدّة لمناقشة كون الأسد جزءاً من بداية الحل السياسي في سوريا، لكنها تطلب بأن لا يكون الأسد في المشهد النهائي لـ"سوريا ما بعد الثورة". هنا، وعد كيري الجبير خيراً!
اقتراح الحل هذا، أميركي في الأساس، وليس روسيا كما يُشيّع في الإعلام. حمله كيري معه من واشنطن الى الدوحة. موسكو وضعت طهران في أجواء الاقتراح. بالطبع إيران وروسيا، جدّدتا، الاثنين، موقفيهما الرافض لأية إملاءات تُفرض من الخارج على الشعب السوري، كما رفضتا أن يكون مصير الرئيس بشار الأسد شرطاً مسبقاً لأي حلّ. بدا الرفض المشترك هذا وكأنه ردّ مزدوج على تخطّي الجبير للسقف المرسوم مسبقاً.
تقول المصادر: إن لقاء رئيس مكتب الأمن القومي السوري اللواء علي المملوك، مع ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بوساطة روسية في الرياض، كان نتاجاً لالتزام القيادة السعودية بالسقف المتمثّل ببقاء الأسد. تكشف عن لقاء ثانٍ مرتقب، سيكون في موسكو هذه مرة، إلا إذا حدثت أيّة تفاعلات سلبية قد تطيح باللقاء من أساسه.
هذه التطوّرات المتلاحقة المتعلٌّقة بالملف السوري، والتي فتح الاتفاق الدولي ـ الإيراني بابها، لم تأتِ منقطعة عن تطورات مشابهة سابقة. تتحدّث المصادر عن مسعى إماراتي ـ مصري سبق الإعلان عن الاتفاق النووي الإيراني بأشهر معدودة، لكنه حصل بتأثير منه. نتج عن هذا المسعى اجتماع إيراني ـ مصري رفيع في أبوظبي برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
المصادر نفسها تقول: إنه جرى خلال الاجتماع الحديث عن إمكانية عقد إجتماع طارئ لجامعة الدول العربية على مستوى القمة، يضم الى الملوك والرؤساء والأمراء العرب، الرئيس الأسد، على أن يكون الإجتماع هذا بمثابة إعتراف مباشر من قبل جامعة الدول العربية بشرعية الأسد. بعد اجتماع أبوظبي بأيام قليلة، خرج الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي بتصريحه الشهير الذي أعلن فيه أن على الجامعة أن تعيد النظر بمواقفها من سوريا. تؤكد المصادر أن القيادة السعودية كانت في أجواء إجتماع أبوظبي والمسعى المصري ـ الإماراتي، والإجتماع المصري ـ الإيراني، وحتى بتصريح نبيل العربي، قبل الإفصاح عنه.
وعليه، تؤكد المصادر الضليعة بملف الأزمة السورية والجولات المكوكية للمشتغلين فيها، أن بقاء الأسد، وكونه جزءاً أساسياً من الحل السياسي المرتقب للأزمة، أصبح من المُسلّمات لدى جميع الأطراف الإقليمية والدولية. تقول: إن التصعيد في الميدان سينمو في المراحل التي ستسبق الإعلان عن خطوات جبّارة في سياق الحل، وإن تصريحات نارية وقنابل دخانية كثيرة ستنطلق من هنا وهناك، قبل أن يركن الجميع لحقيقة أن لا حرب على الإرهاب من دون الأسد.