فلسطين في ذيل القائمة ،فلسطين ليست على القائمة
أحمد الحباسى
انقلب الأقربون على القضية الفلسطينية ، الأقربون أعنى السعــــودية ، مصر ، الأردن و قطر تحديدا ، و من غيرهم ، ابتعدوا عنها تماما و تدريجيا كما يبتعدون عن مريض الجرب ، عافاكم الله ، طبعا ، و للأسف ، ما زالت القضية الفلسطينية تحتل جدول أعمال ما يسمى مجازا بالقمم العربية المتتالية ، و ما زالت بيانات الجامعة تتضمن نفس عبارات التنديد و الاستنكار و التمني و الوعود الكاذبة بالمساندة ، و ما زال الصحفيون العرب يسألون الأمين العام ووزير خارجية الدولة المترئسة لهذه القمم الدورية نفس الأسئلة المكررة و يتلقون نفس الأجوبة السخيفة ، لا أحد يستحى أن يسأل نفس الأسئلة منذ سنوات ، و لا أحد يستحى على الجانب الآخر أن يعيد عليهم نفس الأجوبة المكررة السخيفة ، وحده و بمفرده محمود عباس متفائل و مبتسم، وحده الأمين العام للجامعة يعيد على السامعين نفس الإطراء لرئاسة الدورة و للدولة الراعية للدورة .
منذ السنوات التي تلت عودة الزعيم ياسر عرفات إلى رام الله اثر صلح الحديبية أعنى مفاوضات التنازلات في أوسلو ، لم يتغير و لم يتبدل في المشهد الفلسطيني القاتم شيء ، لم يعد اللاجئون و لم تفتح الآفاق الاقتصادية و لم تنجز المصالحة الداخلية، ما تغير فعلا في المشهد هو احتلال حماس لرقعة غزة لإنشاء دولة حماستان ، دولة تعيش على الأنفاق و على التهريب و على بيع الذمم و شرائها ، و على تصاعد أسهم الخيانة في بورصة القيم المبتذلة الصهيونية ، هناك أيضا دولة الفساد الفلسطينية التي يرأسها محمد دحلان عميل المخابرات الأمريكية و أحد أصدقاء الإدارة الأمريكية الصهيونية التي طالبته مع الجنرال "دايتون” بكسر شوكة المقاومة و بالأعداد الجيد لما بعد رحيل محمود عباس خاصة بعد أن فرغ المشهد منذ سجن المناضل الزعيم مروان البرغوثى ، السجين الذي دفنته فتح حيا في سجون الاحتلال ، حتى يفرغ محمود عباس من تقديم بقية التنازلات المطلوبة من الجانب الصهيوني و يستمر ” الدعم” الأمريكي لشريان الاقتصاد الفلسطيني المريض بكل علل مافيا البارونات الفلسطينية النافذة و بائعي الضمير في حماس و فتح .
على الجانب المصري ، يفرض الرئيس المصري حالة من الحصار الخانقة ، بعلة أن حماس شريك في إجهاض الثورة المصرية و شريك في مؤامرة الإخوان لبث الفوضى داخل مصر و شريك في دعم قوى إقليمية معادية للثورة المصرية ، و حتى الرئيس محمود عباس الشريك الدائم لمصر في كل مراحل تصفية القضية الفلسطينية لم يعد شخصا مرغوبا فيه خاصة بعد أن فقد سيطرته على كل الأجهزة الفلسطينية و بات مجرد ألعوبة في يد المخابرات و المجموعات النافذة في منظومة فتح الفاسدة ، في الجانب الإعلامي فقدت القضية الفلسطينية موقعها الدائم و باتت تتلقى ضربات إعلامية موجهة و مقصودة من جانب كبير من إعلام شارع محمد على خاصة أولائك الذين يديرون دفة الرأي العام المصري ، و قد فعلت المخابرات الصهيونية كل شيء حتى يتم قطع حبل المحبة المصرية للقضية الفلسطينية خاصة بعد أن كشفت الثورة المصرية من البداية عن عدائها الشديد للصهيونية بحادثة إنزال العلم الصهيوني من السفارة في العمارة المصرية.
في لبنان ، فقدت حماس و فتح جميع مواقعها على الساحة ، و الفلسطينيون يعيشون حالة من الإحباط و الإذلال و الوحدة خاصة بعد أن كشفت بعض الأحداث منذ ما قبل خروج القوات السورية من بيروت عن شبكات إرهابية يمولها حزب تيار المستقبل استهدفت الجيش و كانت شريكة في تنفيذ و تدبير عدة عمليات إرهابية ضد المقاومة و ضد بعض الرموز الفلسطينية التي أعلنت عداءها لوجودهم داخل المخيمات أو التي قررت التصدي لهم في حوادث شغلت الرأي العام اللبناني لأسابيع و أشهر طويلة بما دفع بعض الأقلام المسمومة للمطالبة بطرد اللاجئين أو نزع الأسلحة الفردية بعلة بسط السيادة اللبنانية ، ولان الفلسطينيين منقسمون و مخترقون و قابلون للتفكك فقد كان منطقيا أن نجد البعض منهم يحفرون الأنفاق في مدينة القصير و كثير من المدن السورية لمحاولة استهداف الجيش السوري من "تحت الأرض ” باستعمال تقنية حزب الله التي عجز العدو الصهيوني عن فك شفرتها طيلة حرب تموز 2006 التاريخية .
لم تنجح الثورات العربية كما يظن البعض ، و كانت وبالا على كل الدول التي حدثت فيها منذ نهاية سنة 2011 إلى الآن ، و حتى الذين توهموا أن رحيل مبارك سيأتي بالفرج للقضية الفلسطينية فقد أسقط في أيديهم لما عايشوا الفترة الماضية لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسى ، و حين شاركت مصر في قصف الشعب اليمني تيقن الجميع أن الحكومة المصرية الحالية تشبه في كل التفاصيل الحكومات المصرية الصهيونية المتعاقبة التي باعت القضية بثمن التراب ، و بمنتهى الراحة ، لا أحد من الفلسطينيين يحب الأنظمة السعودية المتعاقبة ، و كل ما يأتي على لسان عباس أو مشعل هو نغم نشاز لا يصدقه قائلوه أنفسهم ، بالتوازي ، يعلم الجميع أن الأردن هو جزء لا يتجزأ من إسرائيل و من نفوذ و مخططات إسرائيل ، و في نهاية الأمر ، كشف عامل الوقت أن هؤلاء الأقربين الذين طالما صدعوا أسماعنا بموال مساندة القضية و بكونهم الأمناء عليها هم الخونة و العملاء و الأكثر تفريطا في حقوق الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور إلى وعد عبد الله السعودي في قمة بيروت الشهيرة .
هناك من يشفق على سماحة السيد حسن نصر الله حين يدفع الوجدان العربي دفعا إلى اليقين برحيل إسرائيل و هزيمتها و قرب استرجاع الفلسطينيين لحقوقهم ، فالمهمة شبه مستحيلة و الحلم شبه منعدم التحقيق ، لكن صمود الشعب و الجيش السوري في وجه أكبر مؤامرة تعرضت لها دولة عربية في العصر الحديث يعطى للشعب الفلسطيني و بقية أحرار العرب جرعة من الأمل الموزون ، و عندما تتمسك الجمهورية الإسلامية بثوابتها في مناصرة القضية العربية الأولى فلا شك أن ذلك الثبات الإيراني هو صفعة مؤلمة للأطماع و الحيل التركية و إعلان صريح بأن الاتفاق النووي الإيراني الأخير قد فتح فاقا جديدة ستتيح للمقاومة العربية في كل عناوينها بأن تضع حدا للوجود الصهيوني في المنطقة العربية و عندها فقط سيفهم بعض المتشائلين معنى "أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت ” .