سوريـة: حـاوروا.. لكـن لا تساومـوا على السيـادة
أحمد الشرقاوي
في البداية، لا بد من توضيح أمر غاية في الأهمية، وهو أن دفاعنا المستميت عن محور المقاومة لا علاقة له بالعصبية القومية ولا بالإيديولوجيا المذهبية، بقدر ما هو دفاع عن مشروع عنوانه التحرر من الهيمنة الأميركية وتحرير فلسطين السليبة من الإحتلال الصهيوني الغاشم المدعوم من قبل الصهيونية المسيحية والعربية..
موقفنا هذا ينبع من عقيدة دينية تقوم على ثوابت إيمانية قرآنية ومبادئ أخلاقية إنسانية غايتها الدفاع عن الحق في وجه الباطل، بسلاح العقل والمنطق، لقناعتنا أن معركة تحرير العقول لا تقل أهمية عن القتال في ميادين الشرف..
وحيث أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي من تقود اليوم معارك التحرر والتحرير في المنطقة من خلال دعم المقاومات والشعوب المستضعفة، انطلاقا من رؤية حضارية تقوم على أساس الدعوة إلى وحدة الأمة في إطار الأخوة الإسلامية والمحبة الإنسانية بعيدا عن العصبيات القومية البغيضة والإديولوجيات الدينية التخريبية، باستراتيجية جهادية آنية وتنموية مستقبلية، لأنه لا يمكن الحديث عن التنمية في غياب الأمن والاستقرار..
وحيث أن دفاعنا عن إيران كما سورية كما العراق كما اليمن كما لبنان كما البحرين وغيرها من الدول والشعوب العربية والإسلامية… هو دفاع عن الثوابت والمبادئ والقيم التي نؤمن بها، وعلى رأسها حق الشعوب المقدس في تقرير مصيرها ومستقبل أوطانها، فلا نهتم لما يقال، ولا نقف عند أي شتيمة أو اتهام.. فهذا هو خيارنا الذي اخترناه ونتحمل مسؤوليته وتبعاته مهما كانت الأثمان، وهذا هو الطريق الذي سلكناه بنور من الله وهداه، من أجل تحقيق الهدف الذي نتوخى الوصول إليه جميعا بعون الله لما فيه خير أمتنا في الدنيا والآخرة، ولا نتقاضى في سبيل ذلك لا بالدولار ولا بالريال ولا بالدينار، أملنا الوحيد هو أن يرى الله ورسوله والذين آمنوا عملنا فيرضوا عنه (وقل اعملوا.
هذه هي الأرضية التي نقف عليها بصبر وثبات لا نحيد عنها قيد أنملة، لكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة، فهذا لا يعني أننا سنسكت عن الخطأ ونمرره مرور الكرام، فقد سبق وأن انتقدنا منظمة حماس حين انقلبت على مبادئها وتحولت إلى أداة في خدمة المشروع الإخواني الماسوني في المنطقة، وانتقدنا منظمة الجهاد الإسلامي عندما نقضت مرجعيتها الدينية والتزمت الحياد حيال معركة الأمة في سورية والصمت "المريب” إزاء عاصفة الإجرام السعودي في اليمن ضدا في أمر الله بالتزام العدل في الشهادة مهما كانت النتائج والتداعيات..
كما انتقدنا النظام في سورية في بداية الأحداث، بسبب تأخره في وضع خطة طريق واضحة للإصلاح، لكننا دافعنا عن سورية الوطن والشعب دون تحفظ، وعندما أعلن الرئيس الأسد خطته للإصلاح، قلنا أن هذا الرجل لا يمكن الانقلاب عليه لسببين:
- ألأول، أنه اعترف على مستوى السياسة الداخلية بأخطاء الماضي وقبل بالإصلاح وقرر المضي فيه قدما حتى تحقيق ما يطمح إليه شعبه من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة بجرعات مدروسة، لأن الديمقراطية ليست جلبابا يستورد من الغرب على المقاس، بل آلية تراعي المبادئ الكونية والخصوصيات المحلية فتتحول إلى تجربة تكتسب بالممارسة والتدرج في تطبيق الخطوات، كما أن أي مسؤول حكيم ومتبصر لا يمكن أن يسير بسرعة أكبر من سرعة شعبه..
-الثاني، أنه يعتبر على مستوى السياسة الخارجية، زعيما وطنيا حاميا لاستقلال سورية وأمينا على سيادة شعبها، وقائدا عربيا مؤمنا بأن فلسطين هي قضية الأمة المركزية، ثابتا في خط الممانعة إلى أن تنضج الظروف وتتغير شروط المواجهة لخوض معركة الأمة الفاصلة في يوم الله الأكبر الذي تنتظره إسرائيل بقلق ورعب، وداعما للمقاومة الشريفة كي تبقى شعلة الحق متقدة في سماء المنطقة تلهب مشاعر الشعوب فلا تخبو أبدا، خصوصا بعد الذي حصل مع بقية الكيانات العربية الهجينة حين قرر الملوك والأمراء والرؤساء سلوك درب الخيانة والخسة والعمالة (إلا من رحم الله.
وعلى هذا الأساس، ومنذ بداية الأحداث، حين كان يسألني بعض الزملاء عن سبب دفاعي عن الرئيس الأسد بهذه الاستماتة، والتنظير بالنصر ضدا في كل المعادلات التي تقول بالعقل والمنطق أن النظام في سورية ساقط لا محالة.. كنت أقول لهم بثقة، أن المعركة الكونية التي اجتمع لها العالم لإسقاط سورية ستفشل لأنها معركة ضد السماء، والأسد هو من اختارته الأقدار لخوضها، لأنه الزعيم الوحيد الذي قال للعالم لا، وتحدى جبروت القوة، ورفض كل الإغراءات من مال وسلطة، وبهذا المعنى، فهو رجل شريف مؤمن لا يخاف إلا الله، ولا ينحني إلا لإرادة شعبه، ولا يفرط في أمانة سيادته مهما عظمت الكوارث والمحن وبلغ حجم التضحيات، لأن العزة والكرامة والسيادة لا تقاس بالمال ولا بالدم والدمار والخراب في حرب فرضت على سورية ولم يكن أمامها من خيار سوى المواجهة، هذا من جهة..
أما من جهة أخرى، فإن امبراطورية روما الجديدة ستفشل، لأن توقعاتها التي تقوم على مناهج ونظريات علم الاجتماع السياسي والعلم العسكري تغفل أمرا غاية في الأهمية، بل والخطورة أيضا، ألا وهو عامل الإيمان، لأنه المعامل الرئيس في معادلة النصر والهزيمة في حروب منطق القوة ضد منطق الحق، وبه تتحول الحرب إلى حرب السماء، ودعكم من كل الخزعبلات التي تروج حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وما شاكل، لأن من يناضل من أجل هذه القيم النبيلة والمشروعة يناضل سلميا حفاظا على البلاد والعباد، أما الذي يستجدي النصر من أمريكا وحلفائها وأدواتها، ويرفع السلاح في وجه الدولة، فهو إرهابي لا دين له، ومرتزق لا قضية له، يسعى بانتهازية لا أخلاقية وراء المنفعة الشخصية، ويقدم نفسه في سبيل ذلك عميلا حقيرا، لا يهمه أن يبيع الوطن والشعب على مذبح السلطة والثروة، وقد أثبتت "المعارضة اللقيطة” بجناحيها السياسي والإرهابي هذه الحقيقة بوضوح وجلاء، سواء من خلال ارتهانها لكلاب السفارات وذئاب المخابرات، أو من خلال تعاونها مع "إسرائيل” وتنازلها عن الجولان السوري المحتل، وتعهدها بقطع العلاقة مع إيران ومحاربة حزب الله في لبنان، ثمنا لتوليها السلطة في دمشق.
اليوم أثبتت الأحداث صوابية هذه الرؤية، لأنه وفق منهجية التقييم التي تعتمدها الولايات المتحدة والغرب عموما لتحديد الهزيمة أو الانتصار، فإن الإنجاز الذي تحققه الحروب العسكرية منها أو الاقتصادية سواء، إنما يتم تقييمه من خلال النتائج التي تحققها الأهداف المعلنة، والتي يراد من خلالها إجبار الخصم على الاستسلام كما هو الحال بالنسبة لسورية، أو التخلي عن حق وتبني سياسات معينة كما هو الحال بالنسبة لإيران..
وبالتالي، فنحن اليوم وفق هذا المنطق، أمام هزيمة كبرى لإمبراطورية روما الجديدة ومن معها في إيران وسورية بعد هزيمة لبنان المذلة، وهذا باعتراف المحللين في مراكز الدراسات وكبريات الصحف الغربية، ولا حاجة لنا للتذكير هنا بما حققه حزب الله في حرب تموز 2006، أو ما حققته إيران في ملفها النووي من دون أن تتنازل عن ثوابتها التي حولها الإمام الخامنئي إلى خطوط حمر وألزم المفاوضين بها، ولا ما حققته سورية بصمودها الأسطوري وانجازاتها الميدانية التي لا يستهان بها عندما سقطت على أسوار دمشق كل مشاريع الخراب واستراتيجيات الوهم، وخرج الرئيس الأسد قويا منتصرا بفضل صبره وثباته وحزمه وعزمه وحسن إدارته للحرب العالمية الثالثة التي شنت على بلاده، متوكلا على الله، ومعولا على إخلاص الجيش البطل وتضحياته، ووفاء الشعب السوري العظيم والتفافه حول قيادته دفاعا عن دولته ووجوده ومصيره..
ولا ننسى بالمناسبة التضحيات الجسام التي قدمها حزب الله في سورية من أجل لبنان وردا لجميل الشعب السوري الكريم، ولا الدعم الإيراني والروسي والصيني، ولا دعم شرفاء الأمة والعالم الذين وقفوا مع سورية في خندق العزة والكرامة بالموقف والكلمة والدعاء..
وهذا بالتحديد هو المعنى الذي أراد أن يوصله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه بمناسبة ذكرى الشهداء لهذا العام، حين قال أننا دخلنا زمن الانتصارات وودعنا زمن الهزائم، وأن أمريكا المهزومة ستظل بعد الاتفاق النووي كما كانت قبله هي "الشيطان الأكبر”.
إلى هنا تبدو الأمور واضحة لا غبار عليها، ولم تنجح حملات التضليل الإعلامي والعهر السياسي في تغيير شيئ من قناعة جمهور محور المقاومة ومحبيه، كما لم تنجح كل الشائعات التي أثيرت مؤخرا حول ما سمي بـ”الملحقات السرية” للاتفاق النووي في النيل من ثقتنا بإيران ودفعنا للتشكيك في الثوابت والمبادئ التي نتشاركها معها ونناضل من أجلها بكل ما أوتينا من قوة الإيمان..
لكن، يجب أن نعترف بشجاعة، أن المبادرة التي طرحها السيد أمير عبد اللهيان حول الحل في سورية، شكلت بالنسبة لي شخصيا ولآخرين ربما، صدمة لم أكن أتوقعها حتى من باب الوهم، وقد سبق وأشرت في مقالتي السابقة بشكل ضمني في غياب تفاصيل المبادرة، إلى أن أي حل سياسي في سورية لا يعبر عن إرادة الشعب السوري كعنوان لانتصاره العظيم في الحرب الكونية التي خيضت ضده بكل الوسائل القذرة خلال السنوات الخمس الماضية، لا يمكن القبول به، لأنه سيمكن أمريكا وأدواتها من تحقيق إنجاز بالسياسة عجزوا عن تحقيقه بالحرب..
وإذا كان الحوار مطلوبا كأسلوب حضاري لتقريب وجهات النظر الخلافية بين أطراف الصراع، إلا أن لسورية خطوطها الحمراء التي يجب عدم تجاوزها، والمتمثلة في سيادة الشعب المقدسة ووحدة أراضيها، وهي خطوط لا تصلح للمساومة لتحقيق معادلة "رابح – رابح” كما هو الحال في الملف النووي بشقيه التقني والاقتصادي، لأن المعادلة الإيرانية قد تنجح كنموذج للحوار في العلاقات البينية الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والأمنية عندما يتعلق الأمر بدول تتمتع باستقلالها وحرية قرارها، لكنها لا تصلح كورقة للمساومة السياسية بمنطق البازار التجاري، باعتبارها من الثوابت والمبادئ الأساسية المشتركة التي يقوم عليها الاجتماع السياسي الإنساني والقانون الدولي.
لا نعلم بالتحديد تفاصيل المبادرة الإيرانية، ونعتقد أنه لا يجوز الخوض في تشريحها وتحليلها قبل الكشف عن تفاصيلها.. لكن، ولأن الكتاب يقرأ من عنوانه، فإن البنود الأربعة التي تحدثت عنها المبادرة توشي بما لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، فنقول بعجالة…
سوف لن نعلق على بند وقف إطلاق النار الذي لا معنى له إن كان المقصود به غير الحرب على الإرهاب، لأنه لا وجود لقوتين متصارعتين على الأرض سوى الدولة السورية والإرهابيين المرتزقة القادمين من كل أصقاع الأرض، وحتى بعض السوريين الذين قرروا الانضمام إلى هذه المجموعات التكفيرية وحمل السلاح ضد الدولة يصنفون في خانة الإرهاب، ولا وجود لقوى مقاتلة تمثل معارضات الفنادق في ميادين القتال، فعن أي وقف لإطلاق النار تتحدث المبادرة؟..
كما وأنه أصبح واضحا للجميع اليوم أن الإرهاب لم يعد آفة تضرب سورية فحسب، بل تحول إلى مصيبة عمت الجميع، والدول التي وظفته واستثمرت فيه مطالبة اليوم قبل غيرها بنزع الأشواك التي زرعتها بأصابعها، وإلا فعلى الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي السلام..
لا نعرف ماذا تقصد طهران بحكومة وحدة وطنية إذا لم تكن نتيجة لعملية فرز الأصوات في انتخابات حرة ونزيهة يعبر من خلالها الشعب عن من يفوضهم لإدارة شؤونه، أما إذا كان الأمر يتعلق بخلية أزمة لمواجهة الإرهاب ومعالجة تداعيات الحرب على سورية، فما الذي يمكن أن يقدمه الخونة والعملاء لشعبهم ووطنهم غير مزيد من الأزمات، ولا نتحدث هنا عن المعارضة الشريفة المستقلة، سواء في الداخل أو الخارج، والتي تعمل روسيا من خلال مؤتمر موسكو (1 و 2 و 3 المرتقب) على غربلة عناصرها والتأكد من ولائها للوطن لا للسفارات الأجنبية..
كما لا نعلم ما الذي تقصده المبادرة الإيرانية بمبدأ فصل السلطات في ما له علاقة بمؤسسة الرئاسة والجيش وأجهزة المخابرات وقوات الأمن، وهل يعتبر مثل هذا التفصيل ضروريا في هذه المرحلة لمحاربة الإرهاب، أم أن الأمر يتعلق بتقليص صلاحيات الرئيس كجائزة ترضية للأمريكي ومن معه لتضبط معادلة "رابح رابح”؟..
ثم نأتي للبند الأخطر في المبادرة، والذي لا يمكن السكوت عنه تحت أي مبرر أو ذريعة، ألا وهو مراجعة الدستور لـ”طمأنة الأقليات الإثنية والطائفية”.. وهنا لا أريد أن أفصل كثيرا حتى لا أنفجر ضد قناعاتي وأدخل في متاهات التشكيك في ما أعتقده من الثوابت غير القابلة للنقاش..
لأن ما أفهمه، ويفهمه غيري أيضا من هذا العنوان المثيل للجدل، هو أننا أمام اقتراح يقول بتحويل سورية من دولة المواطنين المتجانسين الذين يعيشون في إطار نظام مدني حتى لا أقول علماني، إلى دولة الطوائف والمذاهب على شاكلة لبنان والعراق.. ما يعتبر أرضية لمشروع الفدرلة الذي سينتهي حكما بالتقسيم ولو بعد حين.. فهل ينسجم مثل هذا الطرح مع مبادئ الثورة الإيرانية المجيدة وفلسفة محور المقاومة، أم أن معادلة "رابح – رابح” تقتضي تقسيم النفوذ بين الدول الإقليمية الكبيرة على حساب سورية، التي تعتبر الحلقة الذهبية في محور المقاومة، ويفترض مساعدتها لتكون دولة قوية في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة؟..
لأن المبادرة لا تتحدث عن نظام اللامركزية مثلا، والذي يمكن تطبيقه في سورية بنجاح لأنه يعطي للجهات أو الأقاليم الإدارية الكبرى حق المشاركة السياسية الشعبية في تسيير الشؤون المحلية بمرونة بعيدة عن القيود البيروقراطية المركزية، والتي يمكن أن تقوم (أي الجهوية) على أساس خارطة جغرافية إدارية متجانسة، لا طائفية ولا مذهبية، في حين تبقى رموز السيادة الوطنية من وزارة الخارجية ومؤسسة الجيش والمخابرات والأمن المركزي بيد رأس السلطة ورمز الدولة في دمشق (الرئيس)، مع تنزيل مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على المستوى المركزي لتمكينها من ممارسة مهامها الوطنية باستقلالية ونزاهة، وإقرار مبدأ المحاسبة على قدر المسؤولية لسد الباب أمام الفساد والمحسوبية والزبونية والتجاوزات التعسفية في حق المواطنين..
نقول هذا لأن أية مبادرة سياسية لا تأخذ بالاعتبار هذه الهواجس المشروعة، ولا تصاغ بالتشاور والتنسيق مع النظام السوري الشرعي القائم اليوم في دمشق، تعتبر مبادرة مفروضة من فوق، خصوصا إذا علمنا أن "جنيف 1″ لم يتطرق لمسألة تعديل الدستور، فلماذا فتحت الحكومة الإيرانية هذا الباب الذي في ظاهره الرحمة ومن قبله العذاب؟..
لقد أحسنت صنعا الحكومة السورية عندما ردت على المبادرة الإيرانية بـ”الصمت”، وكان الوزير المعلم دبلوماسيا ناعما كعادته عندما قال، أنه لا يمكنه التعليق على المبادرة الإيرانية قبل دراسة تفاصيل بنودها بعمق وروية، وهو يعلم أن بنودها تفصح عما لا يجوز الخوض فيه مراعاة لدولة حليفة تقوم مبادئها الثورية على احترام سيادة الشعوب وإرادتها الحرة..
لكن روسيا التي قدمت هي أيضا مبادرة أكثر قربا من وجهة النظر السورية، قال نائب وزير خارجيتها السيد بوغدانوف الجمعة، أنه "على السوريين أن يقرروا وحدهم مصير بلدهم عن طريق الحوار السياسي”، وتجنب التعليق على المبادرة الإيرانية بالقول، إن مبادئ "جنيف 1″ هي المرجعية الدولية للحل السياسي في سورية، وأن بلاده تعمل على تقريب وجهات النظر بين الحكومة السورية والمعارضة من خلال لقاء "موسكو 3″ القادم..
وختاما نقول، أن المبادرة "السياسية” التي تقدم بها السيد أمير عبد اللهيان المحترم، لم تنجح في عبور حقل الألغام السوري بسلاسة، لأن تقديم جوائز ترضية في الحوار مع الأمريكي والسعودي والتركي وفق معادلة "رابح – رابح” لا يمكن أن تكون على حساب الشعب السوري المنتصر لفائدة "الشيطان الأكبر” وأدواته المهزومة في المنطقة بشهادة الخبراء والمحللين الكبار في مراكز الدراسات والصحف الدولية المعتبرة، وهو ما أكدناه منذ البداية في أكثر من مناسبة ومقالة، ولم نكن بحاجة لتنظير الخبراء الدوليين في هذا المجال..
والسؤال الذي يطرح نفسه بالمناسبة هو: – لماذا الإصرار على إنقاذ النظام السعودي المجرم ونظام حزب العدالة والتنمية المنافق المتآمر، وكل المؤشرات تقول أن سقوطهما حتمي ووشيك؟..
وبالتالي، أليست معادلة "الصبر الإستراتيجي” القرآنية في انتظار أن يفعل الله أمرا كان مقدورا، خير من معادلة "رابح رابح” التي تحول السيادة الشعبية المقدسة إلى ورقة للمساومات السياسية تحت ذريعة حقن دماء الشعب السوري، ما يتعارض جملة وتفصيلا مع مبادئ الثورة الإسلامية المجيدة؟..
نقول هذا من منطلق التعبير عن رأينا بحرية من دون شروط أو قيود، وممارسة حقنا في إبداء هواجسنا المشروعة وفق ما تمليه علينا قناعاتنا المعروفة، ولأن من يدافع عن سورية يعتبر سوري الجنسية بالضرورة كما قال الرئيس الأسد، ولأن ما قدمته سورية الحبيبة من دماء وأثمان وتضحيات جسام في سبيل الحفاظ على وحدتها وسيادة شعبها واستقلال قرارها، ودفاعا عن عزة الأمة وكرامتها، لا يسمح لنا بالمجاملة..
فعذرا أيها الأعزاء، لأن النقد في هذا السياق يدخل في باب الشفافية والصراحة، وهو بالمحصلة تعبير عن عمق المحبة، وحرص على لحمة محور المقاومة الذي نتمنى له الاستمرارية والتمدد..
وإلا فلنكسر أقلامنا ونهجر الكتابة في السياسة، وننعزل في صوامعنا العاجية لنمارس التصوف وطقوس العشق في الله بلا نهاية، وفق معادلة "رابح في الدنيا ورابح في الآخرة”..
.