مشــروع آل سعــود “الأخلاقــي” في اليمـن..
أحمد الشرقاوي
إذا أردت معرفة حقيقة ومصداقية مشروع ‘آل سعود’ في اليمن مثلا، والذي يقولون عنه أنه مشروع "أخلاقي” يدافع عن الشرعية المفترى عليها من قبل من لا يملكها لمن لا يستحقها، ويروجون له بـ”الماركتينغ” التجاري الهستيري عبر مختلف وسائط التواصل أملا في إقناع المستهلك الإعلامي به، فعليك بتقييم ما يطرحه أصحابه من شعارات، تعبر عن مأزق فكري وأخلاقي يعكس اليأس والخيبة والإخفاق، وما يروج له سماسرة الحرف من مفردات الخطاب، كـ”عاصفة الحجم” و”عودة الأمل” في ظل الحصار ومشاهد القتل والخراب..
وأمام هذه المعضلة، ليس للإنسان إلا ما وهبه الله من ملكة العقل وحرية الإرادة والاختيار، ما يجعله حرا في قناعاته، لكنه بعد التمييز يصبح مسؤولا عن خياراته، يتحمل نتائجها كاملة غير منقوصة بما في ذلك تداعياتها إن سلبا أو إيجابا على وجوده ومستقبله..
وبقدر ما يكون وعي الإنسان متقدما نتيجة التجربة وتراكم العلم والمعرفة، بقدر ما يكون فهمه عميقا وإدراكه دقيقا وخياراته صائبة، وهذا هو السبيل الوحيد للخروج من الجمود والتكلس، والجهل والظلام، والتبعية والتخلف.. نحو آفاق رحبة من فضاءات الحرية المسؤولة، تشع بنور العلم والمعرفة والحكمة، فتعطي للحياة معنى جميلا، وللذات خصوصية، وللهوية عنوان، وللإفكار قوة منتجة، وللتجربة في إطار الصيرورة والتطور قيمة إنسانية وحضارية رائعة..
وفي هذا المجال، بالنسبة لمنطقتنا المنكوبة المتخلفة، نعلم جميعا أن هناك مشروعان لا ثالث لهما، مشروع استعماري خبيث بقناع إنساني مخادع، يقوم على الهيمنة بمنطق القوة والقهر، وله وكلائه وعملائه، الذين يعملون بكل ما أوتوا من مكر وخديعة من خلال سلاح الفساد والإفساد والظلم والاستبداد، لتركيع الشعوب وتدجينها، وحرمانها من سيادتها وحرية إرادتها في تقرير مصيرها ومستقبل عيالها، وهؤلاء الوكلاء والعملاء كما نعرفهم جميعا هم الحكام من ملوك وأمراء ورؤساء، وتقوم سياساتهم الداخلية على الثالوث المقدس: الأمن (من عسكر وشرطة ومخابرات) – والإعلام (الديني والسياسي) – والقضاء (التابع المسيس)..
وحيث أن الأمر كذلك، فكل مظاهر الديمقراطية التي يروجون لها لا تعدو أن تكون مجرد مساحيق زائفة لتجميل وجه السلطة القبيح، لأن من لا شرعية له لا يستطيع أن يبتدعها من خلال مفردات الخطاب، وبهذا المعنى، فمن الخطأ الحديث عن "الدولة” عندما يتعلق الأمر بالأنظمة العربية القمعية..
نفس منطق التحليل ومعايير التقييم والتقويم تنطبق على المشاريع الكبرى القديمة الفاشلة، كالمشروع القومي العربي، ومشروع الإسلام السياسي، والتي تزخر المكتبات العربية بكم هائل من المؤلفات التي تتحدث عن أسباب الفشل ومسببات الإعاقة، وترجع المعضلة في مجملها إلى العامل الخارجي، ويقصدون به الإمبريالية الغربية وطابورها الخامس في الداخل، لكن لا أحد يطرح السؤال البديهي، المنهجي والأساسي الذي يقول: – كيف يمكن أن ينجح المشروع القومي أو الإسلامي ويكتسب الشرعية والمشروعية في ظل غياب الشعوب؟..
الجواب لديهم هو تقريبا واحد وإن بمفردات مخاتلة، ويمكن اختزاله في العبارة التالية: "الشعوب قاصرة وغير مؤهلة لقيادة نفسها بنفسها، وحدها القيادة المتمثلة في الزعيم القومي أو الخليفة الاسلامي قادرة على الإبحار بسفينتها نحو مرفأ الأمان”.. وبهذا المنطق الإقصائي والتحقيري، يستحيل أن تقوم للعرب والمسلمين قيامة حتى لو جربوا كل دعاة الزعامة والقيادة إلى يوم يبعثون، في حين أن السر يكمن في الناس والنظم والمؤسسات التي تتطور من حال إلى حال بالممارسة والتجربة، لأن الله خلق الحياة الدنيا لتكون مسرحا لتجارب الشعوب والأمم وبعث أنبيائه ورسله ليقفوا في وجه الفراعنة الطغاة من ملوك وحكام إلى أن يرث الأرض المستضعفون من عباده..
أما المشروع المقابل للمشروع الشيطاني السالف الذكر، فهو مشروع محور الممانعة والمقاومة، والذي تقوده إيران اليوم في المنطقة، ويقوم على رؤية إيمانية قرآنية تعتبر من ثوابت العقيدة وتتمثل في "وحدة الأمة” التي أمر بها الله تعالى وحث عليها رسوله الهادي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ولها استراتيجيتان واضحتان الأهداف والمعالم: الأولى، استراتيجية تحرير الشعوب من الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي تحت عنوان "دعم الشعوب المستضعفة”، لمساعدتها على استعادة استقلالها وحرية قرارها السيادي كي تحكم نفسها بنفسها بنفسها ولنفسها، ومن يعتبر هذا الدعم تدخلا في شؤون "الكيانات” العربية، فهو من حيث يدري أو لا يدري، يكفر بأمر الله، ويحارب دينه، ويقف في وجه إرادته لمنع تحقيق مشروع التوحيد والعدل بين عباده في أرضه، لأنه وفق العقيدة الإسلامية، يعتبر الله في السماء إله وفي الأرض إله، وما لقيصر لله الذي له الأمر من قبل ومن بعد، وبالتالي، لا يحق لقيصر التصرف في ما وهبه الله إلا بما يرضيه ويحقق العدل والرفاه للناس في الدنيا والخلاص في الآخرة..
والثانية، استراتيجية تحرير الأرض والمقدسات، والتي تقوم على فكرة مركزية تجمع عليها كل مكونات الأمة العربية والإسلامية، ومفادها، أن خلاص الأمة يكمن في تحرير فلسطين ومقدسات المسلمين والمسيحيين من الإحتلال الصهيوني المجرم بالمقاومات الشعبية بعد أن تقاعست الأنظمة العميلة الخائنة عن واجبها الجهادي، بهدف اجتثاث هذه الغدة السرطانية المدمرة من جسم الأمة، خصوصا وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك خلال العقود الستين الماضية، أن كل ما تتعرض له الأمة من مآس وكوارث وقتل وخراب وتفتيت وتقسيم هو بسبب وجود "إسرائيل”، كي لا تقوم للعرب والمسلمين قائمة..
وبهذا المعنى، فمن ينخرط في مشروع المقاومة إنما ينخرط في مشروع الله فيتحول حكما إلى أحد جنوده المخلصين، ومن يحارب مشروع المقاومة ينخرط حتما في مشروع "الشيطان” ويتحول من حيث يدري أو لا يدري إلى أحد جنوده الأشرار، سواء أكان ذلك بسبب الجهل أم بسبب الطمع..
حسنا، إلى هنا تبدو الأمور واضحة بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، وبالتالي، يفترض أنه لو أقام مركز مستقل للدراسات استطلاعا للرأي على مستوى جغرافية الأمة مثلا، لجاءت النتائج حاسمة قاطعة، تؤكد بنسبة ساحقة لا يرقى إليها الشك أن الشعوب العربية والإسلامية بكل مكوناتها الإثنية والطائفية والعقائدية ومشاربها الفكرية وتوجهاتها السياسية هي مع مشروع التحرر والتحرير في مواجهة المشروع الصهيوني الكبير..
والمشروع الصهيوني الكبير، هو الذي تحدث عنه سماحة السيد في كلمته الأخيرة بمناسبة انعقاد مؤتمر علماء المقاومة في بيروت، ليعطي بعدا جديدا للصراع، أملته طبيعة المعركة وظروف المرحلة وتطورات الأحداث وتعدد ساحات المواجهة، والتي لم تعد تقتصر على تحرير فلسطين فحسب، بل تشمل التحرر والتحرير من الهيمنة الصهيو – أمريكية والاحتلال الإسرائيلي معها، وما يستتبع ذلك ضمنا من صراع مع أدوات المشروع المعادي وعلى رأسهم مملكة القهر والشر "السعودية” ومن يدور في فلكها، وإن لم يشر سماحته إلي ذلك بصريح العبارة واكتفى بالرمز والإشارة، حتى لا نقوله ما لم يقله من باب الأمانة، لكن اللبيب بالإشارة يفهم..
ونأتي الآن إلى بيت القصيد لنتحدث قليلا عن عنوان هذا المقال فنقول.. هناك نوعان من الكتاب، من يدافعون عن مشروع المقاومة من أجل التحرر والتحرير في إطار صيرورة التطور التاريخي، والتبدل في موازين القوى على الأرض، والتحول الحضاري، بالصدق في الخطاب مع التركيز على الحقائق المجردة الواضحة للعيان، بمنطق الإقناع العقلاني، وبلغة حية جديدة تفتح على آفاق مغايرة للفهم والتواصل والتفاعل.. وهناك في المقابل من يدافعون عن الوضع القائم لتأبيد التخلف وإدامة العبودية والخنوع والجمود خوفا من انكسار القيود، بمنطق الكذب والتحوير والتزوير والتضليل، ولغة الشكوى والاتهام المغرض والإدانة الظالمة، التي لا يتقنون سواها، بسبب ما أنتجته ثقافتهم الرجعية من مآزق وجودية وإخفافات في كل المجالات وعلى كل المستويات، فلم يجدوا من سبيل للخروج من معضلتهم سوى الهروب إلى الأمام في انتظار الوقوع في الهاوية..
لأنه من يتابع كتابات السيد ‘جمال خاشقجي’ مثلا، باعتباره أحد المتملقين الأجراء للسلطة الرجعية "السعودية”، وهو يكرس عمله بجهد وإخلاص لتجيير أقوالها وتسويقها إعلاميا، إن على الفضائيات أو من خلال تدبيج المقالات، مدافعا عن المشروع السعودي "الأخلاقي” في اليمن كما وصفه، متهما النظام الإيراني بالمسؤولية عن تأجيج الطائفية في المنطقة.. يخرج بخلاصة حاسمة مؤداها، أننا أمام أنموذج لكاتب غبي، بهزال فكري، وتخبط ذهني، وسوء فهم فظيع للإعلام كرسالة نبيلة..
نقول هذا، لأنه في عصر ثورة المعلومات وانفجار المعرفة وارتفاع منسوب الوعي والإدراك لدى الشعوب العربية، تغير الخطاب وتبدلت القناعات، ولم يعد التهريج والتحوير والتضليل وقلب الحقائق يجعل الناس يقتنعون بأن ما يقال لهم هو عين الحقيقة.. خصوصا عندما نسمع لأول مرة أن في اليمن مقاومة شعبية، لكن بعد التحقيق والتحقق نكتشف باستغراب أن من تصنفهم "السعودية” في خانة المقاومة، هم عبارة عن أرتال من المرتزقة وزبالة التكفيريين المنتمين إلى "الإخوان المجرمين” و”القاعدة” و”داعش” القادمين من السنغال وسورية والعراق وباكستان والشيشان وأفغانستان، وتتحدث معلومات عن تجهيز حوالي 50 ألف مقاتل باكستاني وأفغاني لتحرير اليمن من شعبه وجيشه النظامي واحتلاله لإذلاله وإخضاعه..
هذا هو المشروع السعودي "الأخلاقي” الذي يتحدث عنه السيد ‘جمال خاشقجي’، وهو الذي سبق وأن بشرنا من قبل بأن السعودية ستستبدل "الإرهابيين” في سورية بـ”الجهاديين” كما كان الحال زمن الإحتلال السوفياتي لأفغانستان، اعتقادا منه أن لعبة قلب المفاهيم ستغير من الحقائق وتؤثر بالتالي على قناعات الناس، وقد رأينا كيف تم استبدال "داعش” بـ” النصر” و "أحرار الشام” و”جيش الفتح” وغيرها من التسميات والمسميات، لكن النتيجة انتهت إلى كارثة حيث دخلت هذه الجماعات الإجرامية اليوم في صراعات لا تنتهي ضد بعضها البعض، تماما كما حدث في أفغانستان بعد انسحاب الجيش السوفياتي، وهذا يعني أن "السعودية” لا تستفيد من أخطاء الماضي، بدليل أن "داعش” التي مولتها ورعتها لإسقاط النظام في سورية انقلبت عليها وأصبحت تهددها في عقر دارها، وسمعنا عن أطفال لا تتجاوز أعمارهم 5 سنوات يذبحون آبائهم وأمهاتهم ويعلنون البيعة لـ”البغدادي”..
وما لم يفهمه السيد ‘جمال خاشقجي’ وأمثاله من تجار الحرف وسماسرة الخطاب الإعلامي، هو أنه في زمن الحروب والفتن والإرهاب والظلام، لم يعد لهم ولأمثالهم من مكان في عقول الناس المتعطشين لمعرفة الحقيقة، وأصبح الكاتب الحقيقي هو الذي يخط بدمه الطاهر الملاحم في ميادين الشرف، والخطيب المفوه هو الذي يتقن لغة البنادق التي ترعب الأعداء فتنير للأمة طريق الخلاص..
الأمر الذي يجعل كتابات السيد ‘جمال خاشقجي’ لتجميل وجه الشر ومنبع الفتن والإرهاب، مجرد كلمات مستفزة جوفاء تثير الشفقة ولا تستحق سوى الازدراء، لأنها من نوع الكتابة الصفراء بمضامين بلهاء، تفتقر إلى الموضوعية في المعالجة، وتتناقض جملة وتفصيلا مع الحقائق التي تفرزها مشاهد إجرام ‘آل سعود’ في الميادين، إن في سورية أو العراق أو اليمن أو غيرها من الأمصار، تحت عنوان "الصراع السعودي – الإيراني” على النفوذ في المنطقة، والذي فشلت مملكة القهر والشر في تحويله إلى صراع "سني – شيعي”، تكون الشعوب العربية والإسلامية وقودا لجحيمه العبثي، كتعويض عن العجز والنقص الفظيع الذي لديها على مستوى القوة البشرية مقارنة بقوة إيران وحلفائها في محور المقاومة، خصوصا بعد أن أحجمت أمريكا عن إرسال جيوشها لخوض الحروب مباشرة، وأوكلت لعملائها الخونة القتال بالوكالة أصالة عن "إسرائيل” ونيابة عن امبراطورية روما الجديدة المتداعية..
والمصيبة أن هؤلاء الأجراء، يتوهمون من غبائهم أن قبيلة ‘آل سعود’ القادمة من عصر الجاهلية، قادرة على مواجهة إيران التي دخلت عصر المعرفة والأنوار من أوسع أبوابه، ويزعمون أن بمقدورها وضع حد لتمدد مشروعها في المنطقة، وهم يدركون أن أمريكا والغرب الأطلسي عجزوا خلال عقود عن احتوائها لتركيعها فأحرى هزيمتها وحصارها ما وراء مياه الخليج الفارسي، فقرروا التفاوض معها خوفا من خسارة ما تبقى لهم من نفوذ ومصالح..
لقد سبق وأوضحنا في مقالات عديدة، أنه من الخطأ الاعتقاد أن هناك صراعا بين إيران و”السعودية” على النفوذ في المنطقة، لأنه لا يمكن مقارنة الثريا بالثرى، ذلك أن إيران دولة إقليمية عظمى، صراعها الحقيقي ومنذ قيام الثورة الإسلامية المجيدة، هو مع قوى الاستكبار العالمي والشر الصهيوني، لأنها دولة حرة مستقلة، وسيدة قرارها، ولها مشروع حضاري كبير برؤية قرآنية شرعية ومشروعة يستحيل على أي كان مواجهتها من دون أن يعلن الحرب على الله وإرادته..
هذه الرؤية الإسلامية العظيمة وكما أشرنا وكررنا مرارا من باب التذكير إن نفعت الذكرى، لا يمكن أن تتحقق إلا إذا ساعدت الثورة الإسلامية الشعوب المستضعفة في استرجاع حريتها وإرادتها وكرامتها التي وهبها الله لها بالواجب الجهادي المقدس من أجل التحرر والتحرير، وفق المفهوم القرآني لـ”الجهاد”، والذي يعني بدل الجهد والعطاء والإخلاص في العمل والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله، وليس القتال حصرا كما يفهم الفكر الرجعى الوهابي معنى "الجهاد”، ما يؤهلها لأن تخرج من واقعها الجاهلي القبيح إلى واقع حضاري جميل.. وهي المعارك التي بدأت شعلتها تضيء في سماء المنطقة اليوم بفضل ثقافة المقاومة التي نجحت في الرفع من مستوى الوعي والإدراك لدى الشعوب المستضعفة برغم محدودية إمكاناتها مقارنة بإمكانات إمبراطوريات الزيت الهائلة المسخرة لخدمة المشروع المعادي لتطلعات الأمة وآمالها..
والدعم الإيراني لمحور المقاومة والشعوب المستضعفة بهذا المعنى، لا يعني احتلال دول المنطقة عسكريا كما يروج لذلك الإعلام السعودي زورا وبهتانا، بل الاستثمار في محبة الشعوب واحترامها ومساعدتها على الخروج من وضعها الكارثي البئيس الذي أوصلتها إليه أنظمتها العميلة الفاسدة الدائرة في الفلك "السعودي” والصهيو – أمريكي تحديدا، وهذا ما يحاول التعمية عليه إعلام الزيت وفقهاء الجهل من خلال ترويج الأكاذيب المغرضة، واتهام إيران بالطائفية حينا والكفر أحيانا، في محاولة خبيثة للتشكيك في عقيدة آل البيت الكرام وتنفير المغفلين منها، ما يعطل حكما مشروع إقامة وحدة إسلامية على أسس قرآنية.. هذه هي استراتيجية "السعودية” البليدة، وهي في الأصل استراتيجية من تخطيط صهيوني واضح.
وطبعا لا نحتاج هنا لوضع مقارنة حضارية وفق تعريف ابن خلدون لـ”الحضارة”، بين قبيلة ‘آل سعود’ التي لا يتجاوز تاريخ وجود نظامها الفاسد المستبد العقود الثمانية الأخيرة، وإيران الضاربة في جذور التاريخ عميقا قبل الإسلام وقبل الميلاد، وما حققته ثورتها المجيدة في ظرف ثلاثة عقود ونيف فقط من قفزة نوعية مدهشة في كل المجالات وعلى كل المستويات برغم الحروب المباشرة والناعمة، وبرغم شدة الحصار الظالم الذي طال حتى نفطها، والمؤامرات الخبيثة التي حيكت وتحاك من قبل مخابرات الغرب والشرق، الأمر الذي أدهش قوى الاستكبار وأرغمها على الجلوس للتفاوض مع إيران العالمة القوية بندية واحترام..
وهذا يعني في السياسة كما في الإستراتيجيا، أن أمريكا والغرب الأطلسي باعترافهم بحق إيران في الدورة النووية، يكونون قد اعترفوا حتما بدورها، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب كما يتوهم الذين ينظرون إلى الصراع بمنظور إقليمي ضيق، بل ودورها في عمق أوراسيا، وهذا ما لم تفهمه العقلية "السعودية” البليدة بعد..
لأن التفاوض مع إيران حول ملفها النووي لم يبدأ حديثا، بل بدأ عمليا منذ 12 سنة مع حكومة أحمدي نجاد، ووصل إلى مراحل متقدمة، لكن الاعتقاد بأن تشديد العقوبات قد يدفع طهران لتليين مواقفها وتقديم التنازلات المطلوبة لم يكن صائبا، كما أن الضغوط العسكرية والحروب بالوكالة لتحجيم دورها من خلال ضرب حلفائها لم ينجح أيضا، ولم يجر إيران للتورط عسكريا لا في العراق ولا في سورية، وكل حسابات "السعودية” لجر أرجل إيران للمستنقع اليمني مؤخرا لم تفلح، ووجدت نفسها في أتون حرب لا تستطيع حسمها ولا تعرف كيف تخرج منها ويتوقع معظم المحللين بما في ذلك مراكز الدراسات في الغرب أن "السعودية” ستخسر حربها على اليمن وستكون لخسارتها تداعيات كارثية على النظام في الداخل..
وبسبب هذا الخوف تحديدا، أدركت "السعودية” أنها لا يمكن أن تربح حربا ظالمة ضد إرادة شعب مظلوم كما يراها العالم أجمع اليوم إلا إذا أعادت تسويقها في إطار مشروع "أخلاقي”، وهذا ما يفسر خروج السيد ‘جمال خاشقجي’ ليتحدث لأول مرة عن ما أسماه بـ”المشروع السعودي” الذي وصفه بـ”الأخلاقي”.. وطبعا، المشروع الذي يتحدث عنه السيد ‘جمال’ لا يتعلق بإقامة وحدة عربية أو إسلامية، ولا تحرير فلسطين التي باعها ‘آل سعود’ والحكام العرب في سوق النخاسة السياسية..
لكن وللأمانة، يجب أن نقول أن السيد ‘جمال خاشقجي’ اعترف بأن "السعودية فشلت في إقناع الغرب بمشروعها "الأخلاقي” في اليمن، ويرجع السبب في ذلك، وفق رأيه، إلى تقاعس الدبلوماسية السعودية عن القيام بدورها في الترويج لهذا المشروع الإجرامي اللا أخلاقي..
لكننا نرى عكس ما يراه السيد ‘جمال’، لأن دبلوماسية دفتر الشيكات قد تنفع مع الأنظمة العربية الفاسدة، لكن في الغرب حيث الإعلام له سطوته، والرأي العام الشعبي له سلطة التأثير في صنع القرار، لا يمكن لسياسي مسؤول أن يقامر بدعم المشروع السعودي الإجرامي من دون أن يتهمه الرأي العام بأنه إما جاهل، أو غبي، أو مرتشي..
وفي هذا نصر من الله خفي لا يفهمه الأغبياء…