kayhan.ir

رمز الخبر: 232916
تأريخ النشر : 2026November08 - 21:48

لبنان على حافة الاستحقاق الكبير

 

حيدر الحاج أحمد

لا يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق تقليدي، بل يمرّ في مرحلة دقيقة ومصيرية تُعاد فيها صياغة المعادلات الأمنية والسياسية على وقع تحوّلات الإقليم وتفاعلات الميدان. فمن جنوب الوطن المكلوم بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وسياسات التجريف الممنهج، إلى بيروت التي تغصّ بالنقاشات الساخنة حول القرار الوطني المستقلّ وسيادة الدولة، تتشابك خيوط الداخل والخارج لتشكل لوحة معقدة تختبر صلابة الكيان ومنعة مؤسساته.

*أولاً: المشهد الجنوبي… صمود أسطوري بوجه عربدة الاحتلال،

على الجبهة الجنوبية، تواصل آلة الحرب “الإسرائيلية” خروقاتها واستهدافاتها المتكرّرة، متجاوزةً كلّ قواعد الوقف المؤقت للأعمال القتالية. ورغم حجم الدمار الهائل الذي طال القرى والبلدات المتاخمة للشريط الحدودي، يثبت أهالي الجنوب والمقاومة أنّ إرادة البقاء والصمود أقوى من كلّ محاولات التهجير وتغيير معالم الجغرافيا. إنّ العدو “الإسرائيلي”، الذي يعجز عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية في الميدان، يلجأ إلى سياسة حرق الأرض والاغتيالات الجوية الموضعية محاولاً ترميم ردعه المتهالك. وفي المقابل، يبقى الحضور الميداني والوطني للمقاومة معادلة رادعة تمنع العدو من تكريس وقائع جديدة، ومذكرةً بأنّ الجنوب سيبقى سياج الوطن المتقدم.

*ثانياً: معركة القرار السيادي وضغوط الوصاية،

أما على الصعيد السياسي الداخلي، فتتفاعل باحة النزاع حول مفهوم “السيادة” وحصرية القرار. تشهد الساحة اللبنانية ضغوطاً غربية وأميركية غير مسبوقة تهدف إلى تحويل المفاهيم الوطنية إلى ورقة ضغط لتفكيك عناصر القوة اللبنانية، تحت شعارات براقة تتناسى أنّ السيادة الحقيقية تبدأ أولاً بردع العدوان وحماية الأرض من الأطماع “الإسرائيلية” المستمرة.

إنّ إثارة الملفات الداخلية بحساسيتها المفرطة، واستغلال بعض الحوادث الأمنية ـ كقضية شحنات المتفجرات والسجالات حول حركة السلاح ـ تهدف في عمقها إلى جرّ البلاد نحو انقسامات عمودية تخدم أجندات الاحتلال. وهنا تبرز الحاجة الملحة لخطاب عاقل ومسؤول يرفض السجالات التحريضية، ويقطع الطريق أمام محاولات استدراج الفتنة الداخلية التي تتربص بلبنان.

*ثالثاً: التحديات الإقليمية والدولية أفق التسويات ومخاطر الرهانات،

إقليمياً، تتسارع الاتصالات الدبلوماسية ـ وتحديداً على خط واشنطن وطهران ـ وسط نقاشات عميقة حول مصير المنطقة وخرائط النفوذ. إنّ لبنان بطبيعة الحال ليس بمعزل عن هذه الرياح الإقليمية؛ فالفرصة متاحة أمام القوى الوطنية والسيادية لانتزاع ضمانات حقيقية تُلزم الكيان “الإسرائيلي” بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة ووقف عدوانه، لا سيما مع اقتراب استحقاقات كبرى تتعلق بدور قوات اليونيفيل وترتيبات الأمن الحدودية في أفق نهاية عام 2026.

غير أنّ هذه الفرصة تظلّ مرهونة بمدى وعي القيادات اللبنانية لخطورة المرحلة، ورفض الخضوع للإملاءات الخارجية التي تحاول فرض شروط استسلامية لم يستطع الاحتلال انتزاعها بالنار. إنّ الرهان على متانة الوحدة الوطنية، وتكامل الدور بين الجيش والشعب والمقاومة، هو الحصن الأمني والسياسي الأبقى في مواجهة العواصف الهوجاء.

*خاتمة: إنّ لبنان يمرّ بمخاض عسير، ولكنه اعتاد أن يخرج من بين رماد الأزمات أكثر مناعةً وصلابة. إنّ حماية الاستقرار الداخلي لا تكون بالتفريط بعناصر قوة لبنان ووحدته، بل بالتصدي الحازم للعدوان “الإسرائيلي”، والتمسك بالحقوق السيادية كاملةً دون نقصان. وحدها الدولة القوية العادلة، التي تحمي أبناءها ولا ترتهن للخارج، قادرة على العبور بالوطن إلى برّ الأمان…

captcha