kayhan.ir

رمز الخبر: 232915
تأريخ النشر : 2026November08 - 21:47

البوابة الحديدية؛ اعتراف أميركي بالإخفاق في الميدان العسكري

 

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تشكيل فريق عمل باسم «البوابة الحديدية» لتشديد القيود على طرق نقل الأسلحة والتقنيات والسلع إلى إيران، في خطوة تعكس توجّه واشنطن إلى توسيع الضغوط الاقتصادية واللوجستية، وسط تحديات جغرافية وقانونية وسياسية تحدّ من قدرتها على فرض حصار شامل.

في ظل استمرار عجز الولايات المتحدة، بعد أشهر من الحصار البحري على إيران، عن تحقيق أهدافها المعلنة، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تشكيل فريق عمل خاص يحمل اسم «البوابة الحديدية»، بهدف الحد من نقل الأسلحة المتطورة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج والسلع الخاضعة للعقوبات إلى إيران عبر حدودها البرية وبحر قزوين. وتكشف هذه الخطوة عن مساعي واشنطن لتوسيع أدوات الضغط بعد أشهر من المواجهة، وعدم تحقيق أهدافها عبر الوسائل العسكرية.

ان فريق العمل الجديد سيضم نحو 20 عسكرياً ومدنياً، وسيتمركز في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، وفقاً لما أوردته وكالة رويترز. وزعم قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، أن هذه الخطوة ستحد من قدرة إيران على تمويل صناعاتها العسكرية وإعادة بنائها وتجديد مخزونها العسكري. كما ادعت سنتكوم أن الحصار البحري حال حتى الآن دون تصدير إيران نفطاً خاماً بقيمة تزيد على 25 مليار دولار.

لكن تشكيل «البوابة الحديدية» لا يعكس، بقدر ما يعكس امتلاك واشنطن قدرة عملياتية جديدة لفرض حصار شامل على إيران، محاولة أمريكية لتوسيع أدوات الضغط بعد أشهر من المواجهة والإخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة عبر الخيار العسكري. وتكشف دراسة الأبعاد الجغرافية والقانونية والجيوسياسية لهذه الخطة عن فجوة كبيرة بين الأهداف التي تعلنها واشنطن والقدرات الفعلية المتاحة لتنفيذها.

تغيير أدوات الضغط؛ من البحر إلى الحدود البرية

تتمثل النقطة الأولى اللافتة في تغيير النطاق الجغرافي للضغط الأمريكي. فبعد فرض القيود البحرية، تسعى واشنطن الآن إلى استهداف المسارات التجارية واللوجستية البديلة التي تستخدمها إيران. ويشير تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في 22 أكتوبر بشأن القيود الحدودية في العراق وباكستان وتأخر الشاحنات عند الحدود التركية، إلى أن هذا التوجه كان مطروحاً ضمن أدوات الضغط الأمريكية حتى قبل الإعلان الرسمي عن فريق العمل الجديد.

لكن توسيع نطاق الضغط لا يعني بالضرورة زيادة قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها. فإيران لها حدود برية مع سبع دول، ويبلغ طول هذه الحدود، وفقاً للبيانات الجغرافية المنشورة في كتاب حقائق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، نحو 5894 كيلومتراً. كما تمتلك إيران ساحلاً يمتد لنحو 740 كيلومتراً على بحر قزوين.

وبالتالي، فإن فرض رقابة فعالة على هذه المساحة الجغرافية الواسعة يتطلب تعاوناً مستمراً من الدول المجاورة، وإجراءات جمركية ورقابية، ومعلومات دقيقة، ومشاركة شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والاقتصادية؛ وهي أمور لا تخضع أي منها بشكل مباشر لسلطة القيادة المركزية الأمريكية.

بوابة مفتاحها بيد جيران إيران

يتمثل التحدي الثاني والأساسي أمام الخطة الأمريكية في اعتمادها على الإرادة السياسية للدول المجاورة. فواشنطن مضطرة إلى كسب تعاون دول مثل العراق وتركيا وباكستان وجمهورية أذربيجان وأرمينيا وتركمانستان، من أجل الحد من حركة التجارة عبر المسارات البرية الإيرانية.

لكن هذه الدول ليست مجرد أدوات لتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، إذ تمتلك كل منها حساباتها الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية المستقلة. وتمثل التجارة مع إيران أهمية اقتصادية، بل وأمنية، لبعض هذه الدول، كما أن الإغلاق الواسع للمعابر قد يلحق أضراراً بمصالحها التجارية أيضاً.

وتظهر تجربة القيود الأخيرة على الحدود العراقية والباكستانية أن حركة المعابر، حتى في ظل الضغوط الخارجية، تظل مرتبطة بالتطورات السياسية والمفاوضات الثنائية. ولذلك، لا يمكن الاستنتاج من تشكيل فريق عمل في فلوريدا أن الولايات المتحدة باتت قادرة على السيطرة على جميع المسارات البرية الإيرانية أو إغلاقها.

بحر قزوين؛ عقبة قانونية وجيوسياسية أمام واشنطن

يتمثل التحدي الثالث، وربما الأهم، أمام الخطة الجديدة في مسألة بحر قزوين. فعلى خلاف الخليج الفارسي وبحر عُمان، يعد بحر قزوين مسطحاً مائياً مغلقاً تتشاطأه خمس دول هي إيران وروسيا وجمهورية أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان.

وتؤكد اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين، التي وقعتها الدول الساحلية الخمس عام 2018، في الفقرة السادسة من المادة الثالثة، حظر وجود القوات المسلحة للدول غير الساحلية في هذا البحر. كما تمنع الفقرة السابعة من المادة نفسها الدول الموقعة من إتاحة أراضيها لتنفيذ عمليات عسكرية ضد دولة ساحلية أخرى.

ويضع هذا الإطار القانوني قيوداً جدية على إمكانية الوجود العسكري الأمريكي المباشر في بحر قزوين. ولذلك، تستطيع واشنطن، وإن كان بإمكانها استخدام أدوات استخباراتية وعقابية ودبلوماسية للتأثير في التجارة بالمنطقة، فإن تحويل هذه الأدوات إلى حصار بحري فعلي يمثل مسألة مختلفة تماماً.

فريق عمل من 20 شخصاً في مواجهة شبكة تجارية واسعة

تتعلق المسألة الرابعة بالهيكل العملياتي لفريق «البوابة الحديدية». فوفقاً لتقرير رويترز، يضم هذا التشكيل نحو 20 عسكرياً ومدنياً، وسيتمركز في مدينة تامبا. وهذا يعني أننا لسنا أمام قوة عسكرية منتشرة على الحدود الإيرانية، أو وحدة عملياتية متخصصة في اعتراض الشحنات ومصادرتها، بل أمام آلية لتنسيق العمل بين المؤسسات الأمريكية المختلفة.

ويمكن لهذا الهيكل أن يسهم في رفع كلفة التجارة الإيرانية من خلال تبادل المعلومات، ورصد الشبكات التجارية، وفرض عقوبات محددة، والضغط على الشركات الوسيطة. لكن تحديد جميع مسارات نقل السلع ووقفها في بلد يمتلك هذه المساحة الجغرافية والاقتصاد المتنوع والحدود المتعددة، مهمة أكثر تعقيداً بكثير من إنشاء فريق إداري واستخباراتي.

من إخفاق الأهداف العسكرية إلى توسيع الضغط الاقتصادي

ينبغي تقييم «البوابة الحديدية» في إطار التطورات الأوسع للمواجهة الأمريكية مع إيران. فعندما تعجز الأدوات العسكرية عن تحقيق الأهداف السياسية المنشودة، يصبح توسيع الضغوط الاقتصادية والحد من مسارات الإمداد والتجارة أحد الخيارات البديلة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الإعلان عن تشكيل فريق العمل الجديد مؤشراً على محاولة واشنطن تعويض محدودية أدواتها العسكرية، ونقل جانب أكبر من المواجهة إلى المجالات الاقتصادية والتجارية واللوجستية.

ومع ذلك، تواجه «البوابة الحديدية» العقبة نفسها التي واجهت العديد من سياسات الضغط الأقصى الأمريكية، وهي الفجوة بين القدرة على ممارسة الضغط وإمكانية تحويله إلى نتائج سياسية واستراتيجية.

خطة بأهداف أكبر من قدراتها التنفيذية

في المحصلة، لا ينبغي الخلط بين تشكيل فريق «البوابة الحديدية» وفرض حصار بري وبحري شامل على إيران. فقد تتمكن هذه الخطة من فرض قيود على بعض الشحنات الحساسة والشركات الوسيطة ومسارات تجارية محددة، وزيادة كلفة المعاملات الإيرانية، لكنها تواجه عقبات جغرافية وقانونية واقتصادية وسياسية جدية تحول دون تحويلها إلى آلية للسيطرة على جميع الحدود الإيرانية.

ولكي تنجح الولايات المتحدة في هذه المهمة، يتعين عليها ليس فقط تحديد الشبكة الواسعة للمسارات التجارية الإيرانية، بل أيضاً الحصول على موافقة وتعاون مستمرين من الدول المجاورة، وهو أمر لا يوجد أي ضمان لتحققه.

ومن هنا، فإن الحديث عن محاصرة إيران بالكامل من خلال «البوابة الحديدية» لا ينسجم مع الحقائق الجغرافية والجيوسياسية للمنطقة. وحتى إذا تمكنت الخطة من تعطيل جزء من المبادلات التجارية الإيرانية، فإن ذلك لا يكفي بحد ذاته لفرض حصار شامل.

وعليه، فإن «البوابة الحديدية» ليست بقدر ما هي استراتيجية عملياتية لإغلاق جميع المنافذ أمام إيران، محاولة جديدة لتعويض محدودية أدوات الضغط العسكري والبحري الأمريكي؛ وهي محاولة ستظل الفجوة بين طموحات واشنطن وحقائق المنطقة أبرز العقبات أمام تنفيذها.

مهر

captcha