kayhan.ir

رمز الخبر: 232593
تأريخ النشر : 2026November02 - 21:43

ما الذي تغيّر بين مذكرة التفاهم والتهديد بحرب جديدة على إيران؟

 

ناصر قنديل

يطرح حديث الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية سؤالاً فورياً عن سبب عدم خوضها قبل الانتخابات، إن كانت هناك ثقة بالفوز بها كحرب سريعة وحاسمة، بما يضمن الفوز والانتخابات معاً، وربما قبل الانتخابات الإسرائيلية كان خوضها أفضل لضمان فوز بنيامين نتنياهو الحليف الذي حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مخاطبة الناخبين الإسرائيليين لدعمه، بينما كان خوض الحرب خير دعم مضمون، إن كان الفوز بالحرب السريعة والحاسمة مضموناً، ولم يكن مصير الحرب كحرب شباط الماضي التي بدأت كمشروع حرب سريعة وحاسمة وفقاً لنصيحة نتنياهو فصارت حرب استنزاف منذ ثمانية شهور ونيّف؟

حاول ترامب تحويل المسار من هزيمة ترجمتها مذكرة التفاهم إلى شروط أفضل عبر مناورات لا تعني العودة للحرب، قامت على تفاهمات المنامة في 25 حزيران الماضي، وقامت على مقاسمة إيران للسيطرة على مضيق هرمز بالاستعانة بغطاء خليجيّ لتأمين عبور النفط من المياه الإقليمية لعُمان، والتملّص من التزام وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان عبر اتفاق لبناني إسرائيلي يريح “إسرائيل” ويضمن توقيعها ويفتح باب اختبار قدرة السلطة المدعومة من واشنطن والرياض على نزع سلاح المقاومة، وصولاً لخطة حرب وضعت في اجتماع بألمانيا برعاية أميركيّة ومشاركة إسرائيلية وعربية للسيطرة على اليمن، وإسقاط حلفاء إيران في صنعاء، وبعدما اختُبرت الخيارات الثلاثة وانتهت بالفشل مع سعر برميل نفط على عتبة 120$ وترنّح الاتفاق اللبناني الإسرائيلي وفشل الحرب في اليمن، فعاد السؤال بين خيار الحرب والعودة لمذكرة التفاهم يطرح مجدّداً السؤال القديم الجديد؟

ما الذي تغيّر بين السابع عشر من حزيران، عندما وافقت واشنطن على مذكرة التفاهم مع طهران للخروج من الحرب، وبين اليوم، عندما تعود التهديدات الأميركية بحرب جديدة بعد الانتخابات النصفية؟ هل أصبحت إيران أضعف، أم أن الولايات المتحدة استعادت قدرتها على الحسم، أم أن الوقائع العسكرية والاقتصادية باتت أكثر تعقيداً مما كانت عليه يوم توقيع المذكرة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل حديث عن ضربة أميركية خاطفة، لأن المذكرة لم تولد من فائض انتصارات عسكرية، بل من إدراك بأن استمرار الحرب يحمل كلفة يصعب التحكّم بها. وقد تضمّنت وقف الأعمال العدائيّة وفتح الطريق نحو استئناف الملاحة في هرمز وإنهاء الحصار الأميركي وبدء مفاوضات أوسع. فهل تغيّرت الشروط التي أنتجت هذه التسوية المؤقتة، أم ازدادت الأسباب التي دعت إليها قوة؟

أول ما تغيّر هو وضع الترسانة الأميركية، ولكن ليس في اتجاه تعزيز القدرة على حرب طويلة. ففي الخامس عشر من أيلول كشف تقرير المفتش العام للبنتاغون اعترافاً بوجود نقص استراتيجي في المخزونات واختناقات صناعيّة تعوق تعويض الذخائر المستهلكة. وهذا اعتراف صادر عن المؤسسة المسؤولة عن توفير أدوات الحرب، لا عن خصومها. وبينما كان الرئيس دونالد ترامب تؤكد تصريحاته امتلاك بلاده ذخائر أكثر مما يمكن أن تحتاج إليه، كانت الأجهزة الرقابيّة التابعة للبنتاغون تقدّم للكونغرس صورة مختلفة عن جاهزية المخزون للحروب المقبلة.

وتكشف الأرقام معنى هذا الاعتراف. فقد نقلت خدمة أبحاث الكونغرس في تقريرها الصادر في الخامس من تشرين الأول تقديرات باستخدام القوات الأميركية نحو 1700 صاروخ باتريوت و200 صاروخ من منظومة ثاد و150 صاروخاً اعتراضياً بحرياً من عائلة ستاندرد حتى آب. أي نحو 2050 صاروخاً دفاعياً من الأنواع المتقدّمة. وقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس أن الولايات المتحدة استهلكت بين نصف وثلثي مخزونها من بعض فئات الصواريخ الاعتراضية، وأن تعويض ما استُهلك منها حتى مطلع آب يحتاج إلى خمس سنوات على الأقل، حتى مع زيادة الإنتاج. وتقدّر دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن مخزون باتريوت الأميركي هبط في تموز إلى أقل من ألف صاروخ، ومخزون ثاد إلى نحو 250 صاروخاً.

هنا تظهر المفارقة الصناعيّة التي لا تستطيع الخطابات السياسية إخفاءها. فشركة لوكهيد مارتن أنتجت 620 صاروخاً من طراز PAC-3 MSE خلال عام 2025، بينما يعادل استهلاك 1700 صاروخ باتريوت نحو 33 شهراً من الإنتاج بهذا المعدل، مع ضرورة التنبه إلى اختلاف طرازات باتريوت الداخلة في حساب الاستهلاك. أما إنتاج ثاد الأساسي البالغ نحو 96 صاروخاً سنوياً، فيجعل تعويض 200 صاروخ يحتاج نظرياً إلى أكثر من عامين. وحتى خطط مضاعفة الإنتاج لا تلغي الحاجة إلى سنوات لبناء المصانع وتوسيع سلاسل التوريد. فالصاروخ الذي يُطلق خلال ثوانٍ لا يستطيع المصنع تعويضه خلال ثوانٍ، ولا حتى خلال أيام. وتزداد المشكلة عندما يكون المخزون نفسه مطلوباً للدفاع عن “إسرائيل” ودول الخليج(الفارسي)، ودعم أوكرانيا، والاحتفاظ بقدرة الردع الأميركية في مواجهة الصين.

لا تتوقف التحذيرات عند الخبراء المدنيين. فقد نقلت واشنطن بوست في شباط، عن مصادر مطلعة على المناقشات الداخلية، أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين حذّر من مخاطر نقص الذخائر وغياب الضمانات لحملة عسكرية واسعة ضد إيران. وفي أيار أعلن قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أمام الكونغرس أن القوات الأميركية وشركاءها اعترضوا أكثر من 1500 صاروخ باليستي وأكثر من 6000 مسيّرة هجومية خلال المرحلة الأولى من العمليات، وهو حجم يكشف طبيعة الاستنزاف الذي يرافق الدفاع عن القواعد والحلفاء. ثم جاءت التقديرات المنسوبة إلى رئيس أركان الجيش السابق راندي جورج، بشأن استمرار النقص الاستراتيجي في بعض الاعتراضات حتى عام 2030، لتطرح سؤالاً يتجاوز الحرب الإيرانية إلى جاهزية الجيش الأميركي لحروب أخرى.

المتغير الثاني هو الاقتصاد. فعندما جرى التوصّل إلى مذكرة حزيران، كان وقف الحرب يحمل وعداً بخفض أسعار الطاقة واستعادة الملاحة وتخفيف الضغط على الأسواق. أما اليوم، فقد عاد النفط إلى مستويات تجاوزت 110 دولارات للبرميل في تشرين الأول، فيما شهدت أسهم التكنولوجيا الأميركية موجة بيع قاسية، وسط شكوك متزايدة بعوائد الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي. مع اجتماع الحرب وارتفاع الطاقة مع تراجع التكنولوجيا بما يخلق معادلة شديدة الحساسية: النفط المرتفع يهدد التضخم، والتضخم يقيّد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض الفائدة، وتراجع الأسهم يضغط على الثروة والاستثمار والائتمان. وإذا كانت الأسواق قد أظهرت هذه الهشاشة قبل اندلاع حرب جديدة، فكيف سيكون وضعها إذا تحوّلت التهديدات إلى مواجهة تستمر أسابيع أو شهوراً؟

المتغير الثالث هو ميزان التفاوض. فمذكرة حزيران قامت على تبادل خطوات تتصل بوقف الحرب والحصار وفتح هرمز، مع ترحيل الملف النووي إلى مفاوضات لاحقة. وبعد أشهر من الضغوط والتهديدات لم تظهر مؤشرات موثقة إلى أن طهران تخلّت عن هذه المعادلة. بل إن الموقف الإيراني المعلن أصبح أكثر تشديداً في المطالبة بضمانات تمنع تكرار الهجمات، وبالإفراج عن الأموال ورفع القيود قبل إعادة فتح المضيق بصورة كاملة. وهذا يعني أن العودة إلى الحرب لا تبدأ من موقع أميركي حصل على تنازلات جديدة، بل من خلاف حول تنفيذ تفاهم سبق أن قبلت به واشنطن. وإذا كان الهدف من الحرب الجديدة انتزاع ما عجزت الحرب السابقة عن انتزاعه، فما المتغير العسكري الذي يجعل تحقيق ذلك ممكناً هذه المرة؟

نعود إلى السؤال الأول: ما الذي تغيّر بين شروط توقيع مذكرة التفاهم للخروج من الحرب واليوم؟ الجواب أن المعطيات المثبتة لا تظهر تحسناً واضحاً في شروط الحسم العسكري الأميركي، بل تكشف استنزافاً أكبر في بعض المخزونات، واعترافاً رسمياً بصعوبة التعويض، وارتفاعاً في كلفة الطاقة، وتزايداً في هشاشة الأسواق، مقابل استمرار إيران في التمسّك بالمعادلة التي أنتجت المذكرة والمطالبة بضمانات إضافية. وإذا كانت هذه العوامل قد ساهمت في دفع واشنطن إلى قبول التفاهم يوم كانت كلفتها أقل، فمن الصعب تفسير كيف يصبح استئناف الحرب اليوم طريقاً أقصر إلى تحقيق شروط لم تتحقق بالأمس.

captcha