kayhan.ir

رمز الخبر: 232534
تأريخ النشر : 2026November01 - 21:07

القاهرة على خط التماس

 

هل تستطيع الوساطة المصرية إيقاف الحرب بين صنعاء والرياض؟

-الحرب بين صنعاء والسعودية لم تعد احتمالاً يُحذَّر منه، بل واقع يومي. القصف متبادل، والجبهات مفتوحة، وكل جولة تترك خلفها حسابات جديدة تجعل التراجع أصعب من التقدم. في هذا المشهد تدخل القاهرة بوساطة لا تشبه وساطات أوقات الهدوء تحاول القاهرة إدخال كلمة توقف في معركة لا يريد أي طرف أن يكون أول من ينطقها. وهذا ما يمنح التحرك المصري وزنه وهشاشته معاً. وزنه لأن الحرب حين تطول تفتح أبواب الاتساع في البحر الأحمر والإقليم، وتلامس مصالح مصر المباشرة في الملاحة وقناة السويس. وهشاشته لأن الطرفين ما زالا يريان في الميدان وسيلة تفاوض أنجع من الطاولة. يقرأ هذا المقال ما تقترحه القاهرة، وحسابات صنعاء والرياض من داخل الحرب لا من خارجها، وحدود ما تستطيع الوساطة تحقيقه، وما ينقصها كي تنتقل من محاولة وقف النار إلى فرض وقف يصمد.

ما تعرضه القاهرة.. وقف النار أولاً والباقي بالتوازي

تقوم المبادرة المصرية على ترتيب واضح توقف العمليات العسكرية أولاً، ثم تُفتح مسارات حوار متوازية لا يعطّل أحدها الآخر. لا تطلب القاهرة من الطرفين أن يتفقا على شكل السلام قبل أن يتوقف القصف، لأنها تدرك أن اشتراط الاتفاق الشامل مسبقاً هو أقصر طريق لإبقاء الحرب مشتعلة. فمسار يعالج وقف الضربات المتبادلة، ومسار يعالج ما تبقى من ملفات خلافية، وكلاهما يسير دون أن يكون رهينة الآخر.

ويفسر هذا التصميم تواضع الطرح الظاهري. فالمبادرة لا تَعِد بسلام نهائي، بل بتوقف يتيح التفاوض بدل القتال. وهذا واقعي في حرب بلغت مرحلة يعدّ فيها كل طرف أي نداء للتهدئة اختباراً لإرادته. ولمصر مصلحة في إنجاحه: الملاحة في البحر الأحمر تتأثر مع كل جولة، وقناة السويس تدفع الثمن بالإيرادات والاستقرار. ومن يقترح وقف الحرب وهو يدفع جزءاً من كلفتها يصعب اتهامه بالتفرج.

سبق ان جاءت مبادرة شيخ الأزهر أحمد الطيب بدعوة إلى تشكيل لجنة من العقلاء والحكماء تقرّب وجهات النظر وتنهي الحروب بين المسلمين، وبذلك وضعت المؤسسات الدينية أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية. وقد جاء رد صنعاء سريعاً: رحّبت حكومتها بالمبادرة وأعلنت استعدادها لاستقبال أي لجان يشكلها الأزهر، وأكد البخيتي أن اليمن لا يرى الحرب خياراً أمثل لحل الخلافات بين الدول العربية والإسلامية. وسبقتها رابطة علماء اليمن في صنعاء، فرحّبت بالدعوة وأعلنت التفاعل الإيجابي معها. في المقابل فإن المبادرة تضع الرياض أمام معادلة محرجة: رفض وساطة أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي يبدو مكلفاً رمزياً، وقبولها يعني الجلوس إلى طرف تصفه بالخصم. أما صنعاء، فقد ربحت المبادرة سياسياً حين قبلتها مسبقاً.

صنعاء.. قبول مشروط من موقع من يرى نفسه قادراً على الاستمرار

تتعامل صنعاء مع الوساطة وهي ترى أنها تقاتل من موقع القدرة لا الاضطرار. لذلك يأتي ترحيبها محسوباً: توقف القصف مقبول، لكن بشروط تحفظ ما تعدّه مكاسب ميدانية وسياسية، ولا يُقرأ في الداخل على أنه تراجع بعد كل ما قُدِّم. ولا تقبل أن تكون التهدئة وقفاً من طرف واحد، فما تطلبه هو التزام متبادل يشمل كل ما تتعرض له، من القصف إلى القيود والحصار.

وتطلب ضمانات حقيقية، لأن تجربة الهدن السابقة تُظهر أن التفاهمات الشفهية تنهار عند أول تبدل في الحسابات. ثم إن ثقل صنعاء في معادلة المنطقة صار أكبر من حدود اليمن، فتحركها في البحر الأحمر وارتباطها بما يجري في غزة يمنحانها ورقة ضغط لا تتخلى عنها بسهولة.

أوضح ما صدر عن صنعاء في هذا الاتجاه تصريحات محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لأنصار الله. فقد قال لوسيلة إعلام مصرية إن صنعاء ترحب بالوساطة المصرية، وتريد أن تكون القاهرة حاضنة لمفاوضات مباشرة لإنهاء الصراع، وإن السلام مع السعودية خيار استراتيجي لها. وهذه ليست لغة طرف يقبل الوساطة بحكم الضرورة، بل طرف يختار عنواناً بعينه. لكن الانفتاح على مصر لا يعني قبول أي صيغة. فقبل أسابيع رفضت صنعاء هدنة مؤقتة طلبتها الرياض ، وصفها البخيتي بأنها تجزئة للحلول، وقال إن السعودية تحشد تحالفاً عسكرياً دولياً ثم تقدم نفسها وسيطاً لوقف حربها وحصارها. ومطلبه الثابت أن يتوقف العدوان ويُرفع الحصار من الجانبين. والمعنى السياسي واضح: صنعاء ترفض أن تُعامل كطرف يُستدرج إلى هدنة، وتريد أن تُعامل كند يتفاوض على كل شيء معاً، وتجد في القاهرة وسيطاً أقل حساسية. أما هل تقبل الرياض أن تتفاوض مباشرة على هذه الأسس، فذلك ما لم يُجب عنه أحد بعد.

الرياض.. حرب مكلفة ومخرج لا يشبه الهزيمة

الرياض في حرب مكلفة تستنزف مواردها وصورتها وأمن حدودها ومنشآتها، وهي أكثر الأطراف حاجة إلى مخرج. لكنها لا تريد أن يبدو المخرج انسحاباً أمام خصم ما زال يضغط، ولا أن يُقرأ في المنطقة على أنه انتصار لصنعاء. وهذه المعادلة هي ما يجعل القناة المصرية مفيدة تتيح للرياض أن تختبر استعداد خصمها دون اتصال مباشر يحمل كلفة سياسية ورمزية عالية.

وتملك القاهرة ما يحتاجه هذا الدو علاقات وثيقة بالرياض وقدرة على فتح الأبواب مع من لا يقبل التعامل مع غيرها لكن وساطتها تبقى قائمة على الإقناع. وهذا يعني أن نجاحها مرهون بتقاطع حقيقي في رغبة الطرفين بالتوقف، لا بقدرة القاهرة وحدها على صناعته. فإن كانت الرياض تبحث فعلاً عن مخرج، فالقاهرة قد تكون أنسب بوابة. وإن كانت تراهن على تغيير الميدان أولاً، فلن تُجدي أي وساطة.

ما بعد وقف النار.. كيف يصمد ما يُتفق عليه

وقف النار في حرب بهذا الحجم هو الجزء الأسهل. الصعوبة في أن يصمد. فالهدنة التي لا يقابلها جدول زمني معلن وآلية مراقبة وتبعات واضحة للإخلال بها تتحول إلى استراحة يعيد فيها كل طرف ترتيب قواته. المطلوب إذن اتفاق يحدد من يتوقف عن ماذا ومتى، ومن يراقب، وما الثمن حين يُخرق. وهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يفصل بين هدنة تصمد وأخرى تنهار في أسبوعها الأول.

وهنا يحتاج الدور المصري إلى سند. وساطة إقليمية منفردة لا تكفي لإلزام طرفين في حرب مشتعلة، ولا بد من قوى دولية تتبنى الاتفاق وتمنحه غطاءً سياسياً وقانونياً،فأصعب ما ينتظر القاهرة ليس إقناع الطرفين بالجلوس إلى الطاولة، بل إقناع العواصم الكبرى بأن إيقاف هذه الحرب مصلحة مشتركة لا يمكن تركها لتتوقف من تلقاء نفسها.

الوساطة المصرية فرصة حقيقية لكنها محدودة السقف. تستطيع أن تفتح قناة بين طرفين يتبادلان النار، وأن تطرح صيغة تتيح لكليهما التوقف دون إعلان هزيمة. لكنها لا تستطيع وحدها أن تنهي حرباً ما زال كل طرف فيها يرى أن الميدان أقصر طريق إلى شروطه. ولذلك سيُقاس نجاحها بقدرتها على إقناع الطرفين بأن كلفة الاستمرار صارت أعلى من كلفة التوقف، لا بسرعة إعلان الاتفاق.

وما يجري يكشف أن المنطقة تحتاج وسطاء مقبولين لدى الجميع، وتحتاج إلى منظومة ضمانات تحمي ما يتفقون عليه. فبين صنعاء والرياض، حيث تتشابك الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، لا يكفي أن يتوقف القصف حتى يبدأ السلام. المطلوب أن يشعر كل طرف بأنه يخرج بما يحفظ مصالحه الأساسية، وأن تكون الضمانات مكتوبة وواضحة وملزمة.

وتبقى القاهرة أمام مهمة دقيقة أن تحافظ على موقعها وسيطاً موثوقاً دون أن تعد بما لا تملك. فإن نجحت في وقف النار، فقد تكون وضعت أول حجر في طريق طويل. وإن لم تنجح، فستكون قد أبقت الباب مفتوحاً لمن يأتي بعدها حين تنضج لحظة التوقف.

الوقت

captcha