البرازيل وصربيا… هزيمتان لترامب ونتنياهو
– في الخامس من تشرين الأول، توجّه بنيامين نتنياهو إلى فلافيو بولسونارو مهنئاً بتقدّمه في الجولة الأولى من الانتخابات البرازيلية، ومتمنياً له الفوز في الجولة النهائية، ومعلناً تطلّعه إلى استعادة «الصداقة الاستثنائية» بين “إسرائيل” والبرازيل. وبعد ثلاثة أسابيع، كان المرشح الذي راهن عليه نتنياهو يخسر أمام لولا دا سيلفا، ويطعن في النتائج، ثم يتجه إلى الولايات المتحدة التي فتحت أبوابها لاستقباله. بين التهنئة الإسرائيلية قبل الانتخابات والاستقبال الأميركي بعدها، تتضح هوية الرهان الذي أسقطه الناخبون البرازيليون.
– حصل لولا على 51.8% مقابل 48.2% لبولسونارو، بفارق نحو 4.4 ملايين صوت، بعدما كان قد حلّ ثانياً في الجولة الأولى بنحو 45% مقابل نحو 47% لمنافسه. وتكشف المقارنة بين الجولتين أن الفوز صُنع بالتعبئة: ازداد عدد الأصوات الصحيحة بنحو 4.8 ملايين صوت، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي المحدّث في 29 تشرين الأول. استطاع معسكر لولا تغيير اتجاه المنافسة، وتحويل الشعور بخطر عودة اليمين إلى مشاركة انتخابية حسمت النتيجة.
– دخل نتنياهو هذه المنافسة بصفته طرفاً معلناً. كان يتطلّع إلى استبدال رئيس برازيلي يصطدم معه حول الحرب على غزة، برئيس يعد بإصلاح العلاقة مع “إسرائيل”. وأعطت رسالته لبولسونارو هذا الخيار اسمه ومعناه: انتصار المرشح اليميني هو الطريق الذي اختاره لاستعادة العلاقة التي يريدها مع أكبر دول أميركا اللاتينية. لذلك فإن فوز لولا هزيمة سياسية لنتنياهو، لأن الناخبين أبقوا في الرئاسة الخصم الذي أراد إزاحته، وأسقطوا الحليف الذي تمنّى انتصاره.
– وفي واشنطن، اتخذ الرهان أدوات تتجاوز الرسائل. يوثّق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس محاولات مسؤولين في إدارة ترامب دعم حملة فلافيو بولسونارو، وتوجيه موظفي السفارة الأميركية إلى تجنّب التواصل مع منافسين محتملين له داخل اليمين. كما يعرض توظيف الضغوط التجارية والعقوبات في الصراع مع السلطات البرازيلية بشأن معسكر بولسونارو. هذه الوقائع تجعل الهزيمة البرازيلية اختباراً فاشلاً للقدرة على تحويل النفوذ الأميركيّ إلى نتيجة انتخابية تخدم الحليف.
– بعد ظهور النتيجة، شكّك ترامب في نزاهة الانتخابات من دون تقديم دليل، فيما طالب بولسونارو بإلغائها. ثم قال الرئيس الأميركيّ إنه يوافق على استقباله، وأكد مسؤول في الخارجيّة استعداد واشنطن لإصدار تأشيرات له ولعائلته، وجاء وصوله إلى ميامي رغم قرار قضائي بمنعه من السفر دليلاً على حجم العلاقة. هكذا انتقلت العلاقة من دعم الرهان على الوصول إلى الرئاسة إلى استقبال صاحبه بعد سقوطه؛ وبقي لولا في برازيليا، بينما انتهى منافسه في الولايات المتحدة.
– وفي الخامس والعشرين من تشرين الأول، سقط رهان آخر في صربيا. حازت «القائمة الطلابية» 53.7% و141 مقعداً من أصل 250، مقابل 39.5% و103 مقاعد لقائمة ألكسندر فوتشيتش، بحسب إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني المنشورة في 30 تشرين الأول. وأنهى الفوز أربعة عشر عاماً من حكم الحزب التقدمي. بدأت الحركة من المطالبة بالمحاسبة بعد كارثة محطة نوفي ساد التي أودت بحياة 16 شخصاً، ثم بنت قدرة على تحويل الاحتجاج إلى أكثرية برلمانية.
– وكانَت العلاقة الإسرائيليّة بفوتشيتش قد بلغت مستوى يفسّر حجم الخسارة. ففي الأول من تشرين الأول، نشر فلاديمير كرولي في معهد «روسي» دراسة بعنوان «لماذا تهم انتخابات صربيا ترسانة إسرائيل؟»، تناولت صربيا باعتبارها قاعدة إنتاج محتملة للصناعة العسكرية الإسرائيلية. ووثّقت إطلاق الحوار الاستراتيجي في نيسان 2026، ثم افتتاح منشأة مشتركة لتجميع المسيّرات الإسرائيلية في أيلول. كانت تل أبيب توسّع شراكتها الصناعيّة مع بلغراد قبل أسابيع من خسارة الرجل الذي رعاها.
– عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن مكانة فوتشيتش عندما وصفه بأنّه من أبرز قادة أوروبا ومن أعظم أصدقاء “إسرائيل”، وشكره على دعمه وصداقته الشخصيّة. أما أليكس وينستون، فكتب في «جيروزاليم بوست» يوم الانتخابات أن استمرار قيادته يحفظ لـ”إسرائيل” علاقة أوروبية مهمة، مستعرضاً التعاون العسكري وإمدادات الذخائر. كانت مصلحة “إسرائيل” في بقائه ظاهرة في كلام مسؤوليها وقراءة صحافتها، ثم جاءت الصناديق لتحرمها استمرار حكم هذا الحليف.
– وعلى الضفة الأميركية، بنى فوتشيتش شبكة وصول إلى الدائرة الترامبية. وكشف تقرير «N1» في الثامن من تشرين الأول، استناداً إلى إفصاحات مقدّمة لوزارة العدل، دور شركة «فالكور» في ترتيب مقابلة له مع «بريتبارت» ولفت انتباه ترامب إليها، فأعاد نشرها. وبلغت مدفوعات الحكومة الصربيّة للشركة نحو 794 ألف دولار خلال فترة التقرير من آذار إلى أيلول. كان القرب من ترامب رصيداً يجري الاستثمار فيه، لكنه عجز عن إنقاذ الحكم من التصويت العقابي.
– في البرازيل وصربيا، هُزمت رهانات ترامب ونتنياهو بأداتين متشابهتين: تعبئة شعبية رفعت المشاركة، وتحويل الاعتراض إلى قوة انتخابية منظمة. خسر نتنياهو مرشحه في البرازيل وحليفاً استراتيجياً في صربيا، وخسرت الدائرة الترامبية فرصتين لتثبيت نفوذها عبر حلفاء اليمين. الرسالة التي خرجت من الصناديق أن التأييد الخارجي والعلاقات والاتفاقات لا تمنح أصحابها حصانة من المحاسبة؛ وحين ينجح الخصوم في تنظيم القوة الشعبية، يصبح إسقاط الحلفاء هزيمة لمن راهن عليهم أيضاً.