kayhan.ir

رمز الخبر: 232467
تأريخ النشر : 2026October31 - 21:13

إيران وحلف مكة: منظومة إقليمية أمنية مستدامة لم لا؟!

 

د. عدنان منصور

أتت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران يوم الاثنين الماضي، في ظلّ ظرف إقليمي بالغ الخطورة، بما يعكس إدراك المملكة العربية السعودية أهمية التواصل المباشر مع إيران وضرورته، لمنع تفاقم الأوضاع، واتساع رقعة الصراع، حفاظاً على مصالح دول المنطقة وأمنها.

لقد عُقد الاجتماع الرباعي في طهران يوم 26 من الشهر الحالي، واستضافه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، بمشاركة الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين، وبحضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي.

تناول اللقاء تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية. ومن أبرز نتائجه الاتفاق على مواصلة الحوار بين الأطراف، بهدف تعزيز السلم والأمن الإقليميين، وتفادي اتساع رقعة المواجهات، وفتح قنوات التفاوض منعاً للتصعيد العسكري، فضلاً عن دعم جهود الوساطة التي تبذلها دول من بينها قطر وباكستان.

تشكل زيارة الأمير خالد بن سلمان إلى إيران، مدخلاً لتحوّل استراتيجي في موازين القوى في الشرق الأوسط، إذا ما انتقل التقارب والتفاهم بين البلدين من إطار الدبلوماسية إلى إطار الشراكة السياسية والأمنية الفعلية. إنّ تقارب السعودية بما تمثله من مكانة عربية محورية، وثقل إسلامي مؤثر، وإيران بما تتمتع به من موقع جيوسياسي استراتيجي وقدرات عسكرية، وحضور فاعل في المنطقة، يمكن أن يفتح المجال أمام ترتيبات مشتركة تعزز السلام والأمن والاستقرار في غربي آسيا.

لقد جاءت زيارة وزير الدفاع السعودي في وقت امتدّت فيه المواجهة من الخليج إلى اليمن، ما أعاد إلى الواجهة ملفات ساخنة تتصل بالتصعيد العسكري بين صنعاء والرياض، وبالتدهور الأوسع في الأمن الإقليمي. إذ إنّ المنطقة بأمسّ الحاجة إلى دور مشترك وفاعل بين إيران والسعودية، وإلى تجاوز مقاربة تقوم على استبعاد إيران، والانتقال إلى تعاون إقليمي يستند إلى الثقة المتبادلة بعيداً عن إملاءات القوى الخارجية وتأثيراتها. من شأن ذلك، أن يمهّد لإرساء ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة، والتوصل إلى تفاهم استراتيجي بين القوّتين الإقليميتين حول مستقبل المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

إذا كانت السعودية تعتمد على الولايات المتحدة في جانب من جوانب حماية أمنها، في إطار شراكتها الدفاعية معها، فإنّ ذلك لا يحول دون فتح الرياض قنوات للتفاهم الأمني مع باكستان وإيران وتركيا، وتنويع خياراتها الاستراتيجية دون أن يعني ذلك بالضرورة استبدال حليف بآخر. من هذا المنطق يمكن لدول حلف مكة الثلاث، بالتفاهم مع إيران، بلورة صيغة إقليمية لاحتواء النزاعات، وتهدئة المخاوف، وتعميق الثقة، بدلاً من ترك أزمات المنطقة رهينة لترتيبات تضعها وتديرها قوى الهيمنة الخارجية. هذا لا يعني تجاهل صعوبة التوصل إلى رؤية موحدة بين الدول الأربع إزاء جميع قضايا المنطقة ومشكلاتها، في ظلّ تباين مصالحها وحساباتها السياسية والأمنية.

إذا اقتصر أثر الزيارة واللقاء الرباعي على تبادل الرسائل، والاتفاق على تجنّب التصعيد العسكري المباشر، فسيظلّ تأثيرها محدوداً. أما إذا أفضت المشاورات اللاحقة إلى وضع آليات أمنية دائمة، فسنكون أمام تطور ملموس في العلاقات الإقليمية، من شأنه أن يرسّخ التزامات متبادلة بعدم الاعتداء، وعدم استخدام أراضي الدول أو أجوائها لشنّ هجمات على دول أخرى، فضلاً عن التفاهم بشأن أمن الملاحة والمنشآت النفطية، وإيجاد آليات لتبديد المخاوف الأمنية لدى إيران والسعودية، ومعالجة النزاعات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح طهران والرياض.

إنّ التفاهم الإيراني السعودي بشأن إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية يمكن أن يسهم في تغيير ملامح المنطقة المشرقية، لا سيما أنّ عدداً من الملفات الإقليمية الحساسة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح البلدين. يأتي الملف اللبناني في مقدمة هذه الملفات الإقليمية الحساسة بعد أن انعكست الخلافات السعودية الإيرانية عليه بدرجات متفاوتة، وأثرت في التوازنات السياسية اللبنانية، وعلى علاقات القوى السياسية اللبنانية بعضها ببعض، الأمر الذي أسهم في إضعاف قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة عن تأثيرات الخارج.

من هنا تبرز أهمية التفاهم السعودي الإيراني في الحدّ من استخدام لبنان ساحة للتنافس الإقليمي، بما قد يساعد على تهيئة الظروف الملائمة للحوار بين القوى السياسية اللبنانية والحدّ من الاحتقان فيما بينها، وتعزيز قدرة الدولة على ممارسة صلاحياتها واستعادة دورها السيادي. غير أنّ التفاهم السعودي الإيراني على أهميته لا يكفي وحده لإخراج لبنان من أزمته في ظلّ الانقسامات الداخلية العميقة. كما أنّ خيارات الحكومة اللبنانية في إدارة علاقاتها الخارجية، واعتمادها على الولايات المتحدة، تظلّ موضع نقاش سياسي داخلي، إذ إنّ رفض الحكومة اللبنانية لاتفاق إسلام آباد الداعم لموقف لبنان، يفسح المجال أمام اتساع النفوذ الأميركي في إدارة الشؤون اللبنانية، حتى في تفاصيلها الداخلية، وهي مسألة تستدعي نقاشاً جدياً حول مدى التأثير الخارجي وسبل حماية القرار الوطني المستقلّ.

لا يقتصر الأثر المحتمل للتفاهم السعودي الإيراني على لبنان، بل يمكن أن يمتدّ إلى سورية، بحيث تتحوّل الساحة السورية تدريجياً من ميدان للتنافس الإقليمي، إلى مجال للتوافق والتعاون، بما يساعد على الحفاظ على وحدة الدولة السورية والحدّ من الصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية، وإنْ لم يؤدّ ذلك تلقائياً إلى تطابق المصالح السعودية والإيرانية في سورية.

ينطبق الأمر نفسه على العراق الذي يحتلّ موقعاً محورياً في أيّ مشروع إقليمي يهدف إلى خفض التوتر بين الرياض وطهران، بحكم علاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية بالبلدين. من هنا ينبغي التعامل مع العراق بوصفه دولة ذات سيادة لا ساحة لتصفية الحسابات أو التنافس الإقليمي. أما اليمن فلن يكون بمنأى عن أيّ تفاهم مستقبلي، فالانتقال من المواجهة إلى ترتيبات أمنية مستدامة، يشكل اختباراً جدياً لمدى التقارب والتفاهم السعودي الإيراني، لا سيما في ما يتعلق بخفض التصعيد في الخليج والبحر الأحمر، في ضوء العلاقات الوثيقة بين إيران وحركة أنصار الله، مما يفتح الطريق أمام تهيئة الظروف لحلّ سياسي بين الأطراف اليمنية المتنازعة.

إنّ أيّ تفاهم سعودي إيراني، لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي في المنطقة، لكنه يسهم في نشوء توازن إقليمي تعدّدي تتمتع فيه القوى المحلية بقدرة أكبر على التأثير في القرارات التي تمسّ مصالحها ومستقبلها. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ستتعامل واشنطن وتل أبيب مع أيّ تقارب أو تفاهم بين إيران والسعودية حتى لو كان في حدوده الدنيا؟ من الضروري هنا عدم الخلط بين التقارب أو التفاهم بين البلدين من جهة، وقيام تحالف استراتيجي بينهما من جهة أخرى. قد ينجح التفاهم الإيراني السعودي في منع الحرب واحتواء التصعيد، حتى مع استمرار الخلافات بشأن النفوذ الأميركي والملفات السياسية المختلفة.

لكن هل ستقبل الولايات المتحدة بتقارب سعودي إيراني يفضي إلى إنهاء التوتر بين البلدين، ويعيد طرح مسألة جدوى استمرار القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، ليحدّ من قدرة واشنطن على فرض ترتيبات أمنية إقليمية تصوغها وترعاها مع “إسرائيل”؟

لقد بات من الضروري أن تعيد دول المنطقة النظر في مدى قدرة القواعد العسكرية الأميركية على توفير الأمن القومي، وحماية الاستقرار على المدى البعيد! الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية مشتركة، وتعاون إقليمي يؤسّس لمنظومة تتكامل فيها العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية على نحو يستلهم بعض جوانب التجربة الأوروبية في بناء التعاون المؤسسي بعد حروب دامية أزهقت أرواح عشرات الملايين من البشر.

إنّ من مصلحة دول المنطقة التوصل إلى تفاهم متين بشأن نظام أمني جديد يشمل إيران، انطلاقاً من الخطر الإسرائيلي الذي يهدّد أمن المنطقة واستقرارها. حيث التطبيع مع “إسرائيل” لن يوفر مطلقاً ضمانة لحماية الدول المطبّعة أو المتعاونة سراً معها.

مسار العلاقات الإيرانية السعودية وإنْ كان شائكاً ومعقداً فإنّ الرياض وطهران تستطيعان إعادة تهذيب علاقاتهما الثنائية، ووضع أسس متينة لمستقبل إقليمي، يقوم على الأمن والاستقرار واحترام سيادة الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة الأميركية والتدخلات الخارجية.

هل ستكون زيارة الأمير خالد بن سلمان لطهران بداية مسار جاد نحو منظومة أمنية إقليمية مستدامة، تستند إلى الحوار والتعاون وإلى إرادة مستقلة متحررة من نفوذ قوى الهيمنة الغربية؟

لمَ لا…؟

captcha