كيف يُقيّد العجز المالي وشبح الدين خيارات واشنطن العسكرية؟
حسن حردان
رفض الكونغرس الأميركي لطلب زيادة ميزانية الدفاع أو اتجاهه لقطع أجزاء منها يُعدّ مؤشراً سياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية. إنّ مناقشة اقتطاعات محددة في الميزانية تجري وسط ضغوط مالية وسياسية متزايدة داخل واشنطن.
أولاً : دلالات رفض الزيادة والاتجاه نحو خفض الميزانية
سحب “الشيك على بياض” من البنتاغون: الرفض يعني أنّ المشرعين في الكونغرس لم يعودوا مستعدّين لمنح إدارة البيت الأبيض والجيش تمويلاً مفتوحاً دون مساءلة دقيقة حول الجدوى والأهداف الاستراتيجية.
الانقسام الحزبي والتوازنات السياسية: يُعبّر القرار عن تزايد المعارضة (من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين المحافظين مالياً) لتوسع الإنفاق العسكري الخارجي على حساب الأولويات الاقتصادية المحلية.
إشارة للداخل الأميركي: رسالة للرأي العام المعترض على ارتفاع أسعار المعيشة بأنّ واشنطن تبحث عن ضبط الإنفاق وتجنب المزيد من الاقتراض لخوض حروب خارجية.
ثانياً: التأثير على القرارات اللاحقة بشأن شنّ ضربات ضدّ إيران
إذا تحوّل هذا الخفض إلى مسار تشريعي ثابت، فسيكون له تأثير مباشر وميداني على صناعة القرار العسكري:
أزمة استنزاف الذخائر الاستراتيجية: الضربات الجوية والصاروخية مكلفة للغاية؛ وصواريخ الدفاع الجوي والاعتراض (مثل باتريوت وتاد) والذخائر الموجهة عالية الدقة تعاني بالفعل من نقص وتكلفة إعادة تصنيع باهظة.. وخفض الميزانية يحدّ من قدرة البنتاغون على تعويض المخزون.
تقييد خيارات العمليات المفتوحة: سيجعل العمليات الممتدة أو استئناف ضربات واسعة النطاق ضدّ إيران أمراً صعباً خوضه بدون ميزانيات طوارئ ملحقة، والتي سيتعيّن على الإدارة القتال بقوة في الكونغرس ليمررها.
الاعتماد على الحصار والردع المحدود: قد يضطر صناع القرار في واشنطن إلى الاعتماد على أدوات أقلّ كلفة مالية، مثل الحظر البحري، والضغط الاقتصادي، أو الضربات النوعية المركز بدلاً من الحملات الجوية الموسعة.
ثالثاً: أزمة العجز والدين العام والانفاق على الحروب
القرار يترجم واقع الضغط الاقتصادي الناجم عن المتغيرات المالية التالي:
1 ـ ارتفاع الدين العام الأميركي (تجاوز حاجز $40 تريليون.
2 ـ ارتفاع فوائد خدمة الدين.
3 ـ تزايد تكلفة العمليات العسكرية والدعم لحلفاء أميركا وخصوصا الكيان الصهيوني.
4 ـ فاتورة حرب على إيران والمنطقة: كشفت تقديرات البنتاغون والكونغرس أنّ كلفة العمليات العسكرية ضدّ إيران وحدها بلغت عشرات الملايين من الدولارات يومياً، وتجاوز إجمالي كلفة العمليات الاستنزافية والذخائر عشرات الملايين.
5 ـ الانعكاسات الاقتصادية المباشرة: أدى هذا التوسع في الإنفاق العسكري إلى ضغوط تضخمية، وارتفاع في أسعار الطاقة وفائدة التمويل العقاري، مما جعل الفاتورة الاقتصادية للحروب ملموسة بشكل مباشر للمواطن الأميركي.
هذا التخفيض ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو كبح سياسي ومالي يفرضه واقع العجز والديون المتراكمة نتيجة حروب أفغانستان والعراق، وتمويل حرب أوكرانيا، وأخيراً الحرب على إيران، ويوجه رسالة للبيت الأبيض بأنّ الخيارات العسكرية أصبحت مقيّدة بشرط التمويل وقدرة الاقتصاد الأميركي على التحمّل…