kayhan.ir

رمز الخبر: 232402
تأريخ النشر : 2026October30 - 21:39

ترامب و«الفرصة الأخيرة»… مَن يمنحها لمَن؟

كلما تحركت الوساطات بين واشنطن وطهران، عاد الحديث الأميركي عن منح إيران فرصة أخيرة قبل الحرب. وتؤدي هذه الصيغة وظيفة واضحة: تقديم التفاوض باعتباره مهلة يمنحها القوي لخصمه، تمهيداً للاستسلام أو العقاب. لكنها تتجاوز السؤال الذي يحدّد قيمة التهديد: هل تستطيع واشنطن خوض حرب تحقق أهدافها؟ وكيف ستنتهي؟ وماذا يبقى بعدها من المنطقة واقتصادها وأمنها؟ فالمشكلة لا تبدأ بامتلاك الطائرات والصواريخ، بل بامتلاك تصور قابل للتنفيذ للنتيجة السياسية.

– تستطيع أميركا توجيه ضربات مدمرة، لكن حجم التدمير لا يجيب عن سؤال الجدوى. فإذا كانت المنشآت المستهدفة قد ضُربت سابقاً، وبقيت إيران قادرةً على الرد وفرض شروطها التفاوضية، فما الذي ستضيفه الجولة المقبلة؟ وإذا اتسعت الأهداف إلى النفط والكهرباء والبنى الحيوية، تصبح منشآت المنطقة و”إسرائيل” جزءاً من حساب الرد. عندها لا يعود السؤال عن مقدار الضرر الذي تستطيع أميركا إيقاعه، بل عن الكلفة التي تستطيع احتمالها، وقدرتها على منع خصمها من توسيعها وصولاً إلى استغلال تراجع مخزون الصواريخ الدفاعية لاستهداف الحاملات والسفن الحربية.

– يكشف التوقيت الانتخابي جانباً مهماً من هذا المأزق. فمَن يثق بقدرته على تحقيق انتصار عسكري واضح خلال أيام، يجد في الأيام السابقة للانتخابات فرصة لتوظيفه سياسياً. كان يمكن لترامب ونتنياهو أن يقدما حرباً قصيرة ناجحة بوصفها برهاناً على صواب قيادتهما، وأن يدخلا الاستحقاقين الإسرائيلي والأميركي بزخم الانتصار. لم يكن ذلك ليضمن الفوز، لكنه كان سيمنحهما ورقة أقوى من الوعد بحرب مؤجلة. لذلك يستحق التأجيل تفسيراً يتجاوز القول إن التوقيت لم ينضج بعد.

– التأجيل تعبير عن عجز عن ضمان النتيجة، وقلق من مخاطر لا تستطيع واشنطن ضبطها. وأولها أن ترد إيران على ضرب منشآتها بضرب النفط والغاز والكهرباء والمطارات في المنطقة، فتتحول محاولة إضعافها إلى صدمة اقتصادية تتجاوز حدود الحرب. وثانيها تعرض القواعد والقوات والسفن الأميركية لخسائر، مع استنزاف الدفاعات وصعوبة تعويض الصواريخ الاعتراضية سريعاً. وثالثها اتساع الأضرار داخل “إسرائيل”، بما يقلب صورة القوة التي يريد نتنياهو تقديمها إلى اختبار جديد لعجزه عن حماية الداخل. ورابعها تعطيل الملاحة في هرمز وامتداد الخطر إلى الممرات والكابلات البحرية، وارتفاع أسعار الطاقة والتأمين والشحن وصولاً إلى المستهلك الأميركي. أما الخطر الجامع فهو غياب نهاية مضمونة: ماذا لو انتهى القصف وبقيت إيران ترد، وبقي المضيق مضطرباً، ولم تتغير شروط طهران؟ عندها تضطر واشنطن إلى الاختيار بين تصعيد أوسع أو العودة إلى التفاوض بعد دفع كلفة إضافية. لذلك يكشف التأجيل حدود القدرة على الحسم، ويجعل السؤال عن حرب سريعة رابحة أشد إلحاحاً: لو كانت متاحة بثقة، لكان توقيتها قبل الانتخابات أكثر إغراءً من ترحيل مخاطرها إلى ما بعدها.

– لهذا تبدو حركة الوساطات أكثر تعبيراً عن الحاجة الفعلية من ارتفاع صيحات الحرب. فرسالة نائب الرئيس جي دي فانس إلى محسن رضائي، وما نشرته الصحافة الأميركية عن اقتراح استئناف المفاوضات، يشيران إلى بحث سياسي يتجاوز انتظار قبول إيران بإنذار. ونقلت «نيويورك تايمز»، في تقرير لفارناز فصيحي وتايلر بيجر، أن فانس عرض قيادة الجانب الأميركي، وأن ترامب وافق على الرسالة قبل إرسالها. نحن أمام محاولة لصناعة مسار تفاوضي، تتطلب البحث في الالتزامات والمقابل والضمانات.

– ولا يلغي ذلك جدية التحضير العسكري. فقد كشفت «وول ستريت جورنال» عرض قائد «سنتكوم» براد كوبر خيارات إيران على ترامب في البيت الأبيض. لكن عرض الخيارات يعني إعداد أدوات القرار، ويترك سؤال الاختيار ونتائجه مفتوحاً. كما أن وجود استعدادات هجومية لا يثبت أن القيادة حسمت قدرتها على تحقيق غاية سياسية مقبولة الكلفة. ويمكن للتحضير نفسه أن يخدم الضغط على طاولة التفاوض، وإقناع الوسطاء والخصم بأن ثمن غياب التسوية قد يرتفع.

– هنا تؤدي عبارة «الفرصة الأخيرة» دورها: تحسين موقع واشنطن التفاوضي، وصناعة الرواية التي سترافق أي اتفاق. فإذا نجحت الوساطة، يستطيع ترامب القول إنّ التهديد أجبر إيران على التراجع، حتى لو تضمنت التسوية تنازلات أميركية بشأن الحصار والعقوبات والأموال. تصبح صيحة الحرب وسيلة لرفع المطالب، ثم تغطية المسافة بين المطالب المعلنة والنتيجة الممكنة. ويصبح التفاوض أكثر قابليّة للتسويق داخلياً عندما يظهر كأنه حصيلة القوة، خصوصاً بعد وعود متكررة بالحسم وإخضاع الخصم.

– لكن اختبار هذه الرواية يكون بمضمون الالتزامات. فإيران تطلب إجراءات تتعلق بوقف الأعمال العدائية والحصار والأموال قبل التخلي عن أوراقها، وواشنطن تريد مقابلاً نووياً مبكراً. وتعمل الوساطة على ترتيب الخطوات وتوفير الضمانات، وهو عمل يكشف صعوبة انتزاع ما عجزت الحرب عن فرضه. فإذا انتهت واشنطن إلى قبول تبادل متدرّج يحفظ لإيران حقوقاً وأدوات تأثير، تكون قد اعترفت عملياً بأن التسوية تُبنى على ميزان القوة القائم، مهما ارتفعت لغة الإنذار التي تسبقها.

– لذلك ينبغي إعادة السؤال إلى مكانه: مَن يحتاج إلى الفرصة الأخيرة؟ إيران التي تريد تنفيذ مطالبها، أم إدارة تبحث عن مخرج من حرب مرتفعة الكلفة قبل استحقاق انتخابي؟ ترجح حركة التفاوض أن الحاجة إلى الاتفاق جدية، وأن التهديد يخدم محاولة تحسين شروطه. ويبقى خطر الحرب قائماً بفعل سوء التقدير أو فشل المساومة. أما الادعاء بامتلاك حرب سريعة مؤثرة، فيواجه سؤالاً بسيطاً: لماذا لم تُخَضْ حين كان انتصارها يستطيع خدمة ترامب ونتنياهو انتخابياً؟

captcha