kayhan.ir

رمز الخبر: 232338
تأريخ النشر : 2026October28 - 20:55

لو كنتُ يهودياً…

 

روني ألفا

 لو كنتُ يهودياً في هذا الثلاثاء، لما احتجتُ إلى ورقة اقتراع. تكفيني ورقتان معلّقتان على الجدار: نتنياهو وأيزنكوت. الأول يقول اسمه بالعبرية “الله أعطى”، ولم يُعطِ أحداً غير المقابر. والثاني يرنّ اسمه في أذن جدّتي اليديشية رنين الحديد. بين عطيّة السماء وحديد الأرض، يُطلب مني أن أختار شكل السكين، وأن أسمّي ذلك ديمقراطية.

جدّتي خرجت من “فيلنا”، قدسِ ليتوانيا، بحقيبة واحدة وملعقة فضّة وجملة لهِلِّيل الحكيم: “ما تكرهه لنفسك لا تفعله لغيرك. هذه التوراة كلها، والباقي شرح”.

حفظتُ الجملة. أمّا الشرح فتكتبه اليوم الجرّافة. كأنّ الدولة تتلمذت على شمّاي، الحكيم الذي طرد السائل بعصا البنّاء، فورثت عصاه وكبّرتها. أمس، في زوطر الشرقية، فجّر الجيش الذي يتكلّم باسمي حيّ الرويس على دفعتين. صوتي وصل إلى هناك قبل أن يُفرَز، وفُرز هناك ركاماً.

كانت جدّتي تضع الملعقة الفضّية في الدرج الأعلى، ولا تستعملها إلا في الفصح. تقول إنها كلّ ما بقيَ من بيت في فيلنا صار مكتباً للبريد. كنت أراها تمسحها بطرف مريولها كما يُمسَح وجه طفل نائم. اليوم أفكّر في ملاعق أخرى، في دروج أخرى، تحت ركام بيوت في عيتا والخيام وبنت جبيل. ملاعق لن يمسحها أحد، لأنّ الأيدي التي كانت تمسحها صارت في خيمة، أو في مقبرة، أو في صورة على هاتف ابن مهاجر.

لو كنتُ يهودياً، لخجلتُ من الكلمة التي علّمونا إياها في المدرسة: “لن يتكرّر أبداً”. نسوا أن يُكملوا الجملة. لن يتكرّر لنا. أمّا لغيرنا، فالتكرار سياسة، والسياسة بندٌ في الموازنة.

في كلّ فصح نقرأ الحكاية نفسها: شعب مطرود، وفرعون عنيد، وموسى يقول “أطلِق شعبي”. نغمس الخبز في الماء المالح كي نتذوّق الدموع. ثم نرفع الكأس ونقول: العام المقبل في القدس.

لم يسألنا أحد يوماً عن الذين كانوا في القدس في العام الذي سبق. ولم يخطر لنا أنّ فرعون يستطيع أن يغيّر لغته، ويتعلّم العبرية، ويرتدي القلنسوة، ويجلس في مكتب رئيس الحكومة أطول مما جلس فيه أحد قبله.

وفي التاسع من آب نجلس على الأرض ونقرأ مراثي إرميا: “كيف جلست المدينة وحدها، المدينة الكثيرة الشعب”. لو قرأ أحدنا المراثي بصوت عالٍ في بنت جبيل، لما احتاج إلى تغيير حرف واحد. الفرق الوحيد أنّ الهادم هذه المرة يحفظ المراثي غيباً.

وفي عشية الغفران، يتلو المصلّون “كل نِدري”: كل النذور التي سننذرها، وكل الأيمان التي سنحلفها، باطلة من الآن. صلاة وُضعت لتحمي المكرَه من وعد انتُزع منه بالقوة.

نتنياهو حفظ الصلاة وبدّل المصلّي. ينقض كل اتفاق قبل أن يجفّ حبره، من أوسلو إلى اتفاق حزيران الأخير مع لبنان، ويسمّي ذلك أمناً قومياً.

في ديمونا، معقل الليكود القديم، يتردّد الناخبون بين الوفاء لنتنياهو والهرب إلى أيزنكوت. مدينةٌ تنام فوق مفاعل، وتصحو على سؤال واحد: مَن يحمينا من حُماتنا؟ وفي سوق تل أبيب، يوزّع سموتريتش الوعود كما يوزّع البائع البرتقال. البرتقال يافاويّ الأصل، والبائع لا يذكر اسم البستان ولا اسم صاحبه.

لو كنتُ يهودياً، لتذكّرتُ الغولم. في حكاية براغ، صنع الحاخام من الطين عملاقاً يحمي الحيّ اليهودي، ثم خرج العملاق عن طاعة صانعه وراح يدوس الحيّ الذي صُنع لأجله. الدولة اليوم غولمٌ من فولاذ، وعلى جبينه كلمة “الحقيقة” بالعبرية. يكفي أن تمحو حرفها الأول لتصير “الموت”. ونتنياهو محا الحرف الأول منذ زمن، ثم محا الحاخام.

لو كنتُ يهودياً، لقرأتُ الرسالة التي وقّعها ألبرت أينشتاين وحنّه أرندت في كانون الأول 1948، يحذّران فيها من حزب مناحيم بيغن، ويصفانه بأنه قريب في تنظيمه وأساليبه وفلسفته من الأحزاب النازية والفاشية. كان اسم الحزب “حيروت”، أيّ الحرية بالعبرية. من رحم تلك الحرية وُلد الليكود. أينشتاين رفض رئاسة الدولة، ونتنياهو يرفض مغادرتها. يعرف أنّ الطريق من المكتب إلى الزنزانة قصير: ملفات الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة تنتظره في محكمة القدس، ومذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية تنتظره في مطارات أكثر من مئة وعشرين دولة. رجلٌ يخاف من القاضي أكثر مما يخاف من الله، فيشعل الحروب كي لا يُطفأ.

وفي ساحة تحمل اليوم اسم إسحق رابين، قُتل الرجل عام 1995 برصاص يهوديّ متطرّف لأنه صافح. قبل أسابيع من الرصاصة، وقف نتنياهو على شرفة في ساحة صهيون، وتحته لافتات تُلبس رابين بزّة نازية. الرصاصة خرجت من مسدس يغئال عمير، والإصبع الذي أشار كان على الشرفة. منذ تلك الليلة تعلّمت الدولة درسها: اليد التي تصافح تُقطع، واليد التي تضغط الزناد تُنتخب.

ثم جاء السابع من تشرين الأول 2023. قالوا لي إنه يومنا الأسود. لكن نتنياهو حوّل الحزن إلى رخصة مفتوحة، والرخصة إلى طريق لا ينتهي إلا عند آخر بيت في غزة، والأسرى إلى ورقة انتخابية. صار عليّ أن أختار بين حزني وضميري، كأنّ الاثنين لا يسكنان صدراً واحداً.

لو كنتُ يهودياً، لتعلّمتُ من أيار 2000 ما لم تعلّمه المدارس. جيشٌ قيل إنه لا يُقهر خرج من الجنوب ليلاً، بلا اتفاق ولا مراسم. لم يُخرجه القرار 425 الذي انتظر اثنين وعشرين عاماً على الرفّ. أخرجه رجالٌ يعرفون الوديان بأسمائها والصخور بأعمارها. وفي تموز 2006 عاد، فخرج بلجنة فينوغراد تحاكم قادته.

يُقال لي إنّ الجنوب اللبناني “منطقة أمنية”. أنظر إلى الصور: أمنٌ من حجارة مقلوبة، وسلامٌ من خيام النازحين تحت أول مطر. وكلمة السلام عندنا “شالوم”، وفي بيروت يقولون “سلام”. الجذر واحد، والحروف أخوات، والكلمة صارت تحية على الحاجز، يقولها الجنديّ قبل أن يطلق.

لو كنتُ يهودياً، لتذكّرتُ أنّ أنبيائي كانوا معارضة. عاموس صرخ في وجه الملوك: “ليَجرِ الحقُّ كالمياه، والبرُّ كنهرٍ دائم”. وإشعيا قال لهم إنّ أيديهم ملآنة دماً وصلواتهم لا تُسمع. لو عاش عاموس اليوم، لسحب منه نتنياهو البطاقة الصحافية وأحاله إلى التحقيق بتهمة التحريض. وبريمو ليفي سأل من قلب المعسكر: “إنْ كان هذا إنساناً”. سؤاله يتجوّل الآن بين غزة والخيام والنبطية، يطرق كلّ باب، ولا يجد من يفتح.

وعلى الضفة الأخرى من الحدود، يتابع اللبنانيون اقتراعي كما يتابع الفلّاح نشرة الطقس. لا يملكون ورقة في صندوقي، وتسقط عليهم نتيجته. يسألونهم في واشنطن وتل أبيب لماذا يتسلّح حزب الله.

والسؤال الأصدق: لماذا ما زالت دبابة إسرائيلية تتنزّه في القنطرة؟ المقاومة قرأت التاريخ جيداً: كلّ أرض خرج منها هذا الجيش خرج منها مُكرَهاً، ولم يرحل يوماً بدعوة مهذّبة. يقول مثلهم الشعبي إنّ الذي يأكل العصيّ غير الذي يعدّها. أنا هنا أعدّ الأصوات، وهم هناك يأكلون العصيّ، ثم يكسرونها.

الكيان الذي يتكلّم باسمي احتلّ اسمي قبل أن يحتلّ الأرض. أخذ نجمة داود ورسمها على الدبابة، وأخذ التوراة وجعلها صكّ ملكية، وأخذ ذاكرة المحرقة وجعلها ترخيصاً. ثم طلب مني أن أصوّت، كي يقول للعالم إنّ اللصّ منتخب.

لو كنتُ يهودياً اليوم، لدخلتُ الغرفة المعزولة، وكتبتُ على ورقتي سطراً واحداً: “ليس باسمي”. ثم خرجتُ أسأل: إذا كان الله قد أعطى، كما يقول اسم المرشّح، فمَن يُعيد إلى زوطر بيوتها، وإلى غزة أسماء أطفالها، وإلى الخيام سقوفها، وإليّ يهوديّتي؟

captcha