إغلاق منفذ "جذابة" مع إيران... اختبار لاستقلال القرار السياسي في بغداد
- جاء قرار الحكومة العراقية بإغلاق منفذ الشيب الحدودي، المعروف من الجانب الإيراني بمنفذ جذابة، في وقت تتحدث فيه تقارير إعلامية عن تصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد لتقييد التبادل الحدودي مع إيران. ويقع هذا المنفذ في محافظة ميسان العراقية، ويُعدّ من أهم المسالك التي يعبر منها المسافرون وتجري عبرها المبادلات التجارية بين البلدين. وقد أعلن مسؤولون عراقيون، في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إغلاق المنفذ حتى إشعار آخر، وهو قرار أثار مخاوف بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية وروابط الجوار بين الجارتين.
ضغوط واشنطن
نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدرين سياسيين عراقيين أنّ واشنطن تمارس ضغوطًا لإغلاق المنافذ الحدودية بين العراق وإيران، وأنّ وزارة الخزانة الأمريكية طرحت المسألة بنفسها في حوارها مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. غير أنّ المسؤولين العراقيين لم يعلنوا بوضوح سببًا رسميًا مفصّلًا للقرار الأخير، بينما وصفت «رويترز»، استنادًا إلى مصادرها، إغلاق منفذ الشيب بأنه إجراء تقف وراءه دواعٍ أمنية عاجلة. وعليه، يبقى دور الضغط الأمريكي في هذا القرار احتمالًا جادًّا يستحق التمحيص.
منفذ حدودي حيوي
السؤال المطروح اليوم هو: هل تستطيع الحكومة العراقية أن توازن بين التزاماتها الأمنية والحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، أم أنّ الضغوط الخارجية ستفضي إلى قرارات يدفع ثمنها الأكبر شعبا البلدين؟ فمنفذ جذابة ليس مجرد معبر جغرافي، بل هو جزء من شبكة اقتصادية واجتماعية واسعة تشدّ التجار والسائقين والزوّار والأسر الإيرانية والعراقية بعضهم إلى بعض. وتشير التقارير إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز في العام الماضي عشرة مليارات دولار، وأنّ القيود الواسعة قد تنعكس على سوق السلع الأساسية، وعلى فرص العمل لدى سكان المناطق الحدودية، وعلى أسعار المنتجات الزراعية في العراق.
دسائس الرياض
من جهة أخرى، طالبت المملكة العربية السعودية بغداد، إثر هجمات نُسبت إلى طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، بالتصدي لمن يقف وراءها. وتواجه الحكومة العراقية في هذا المناخ ضغوطًا أمنيةً وسياسيةً متعددةً، ومع ذلك ينبغي ألّا تتحول الهواجس الأمنية إلى ذريعة لإضعاف العلاقات الاقتصادية المشروعة وروابط حسن الجوار مع إيران. وفي هذا السياق، لا يستبعد بعض الخبراء أن يكون للضغط السعودي على الحكومة العراقية أثر في إغلاق المنفذ الحدودي بين العراق وإيران، ويعدّون ضغوط الرياض أحد عوامل الضغط الخارجي على بغداد لتقليص حركة العبور الحدودي مع إيران.
اعتراض العراقيين
وفي الداخل العراقي أيضًا ارتفعت أصوات معارضة للقيود المفروضة على الصلات بين إيران والعراق. ففي قضية تقييد الرحلات الجوية الإيرانية، اعترضت قوى سياسية وفصائل المقاومة العراقية على قرارات تأثرت بالعقوبات الأمريكية، وشدّدت على استقلال قرار بغداد. كما نُشرت تقارير عن وقفات احتجاجية في النجف، أعقبتها ترتيبات لاستئناف الرحلات الجوية من هذه المدينة. وقد أثبتت هذه التجربة أنّ الضغط الشعبي والسياسي في العراق قادر على الإسهام في مراجعة القرارات التي تمسّ علاقات الشعبين. وليس مستبعدًا اليوم أن تدفع الضغوط الواسعة للرأي العام العراقي وسخط فصائل المقاومة العراقية حكومة بغداد، في نهاية المطاف، إلى التراجع مضطرةً عن قرار إغلاق منفذ جذابة.
العراق دولة مستقلة، ومن المنتظر أن تُرسم سياساته الحدودية على أساس المصلحة الوطنية والأمن الحقيقي وإرادة شعبه، لا أن تأتي مجرد ردّ فعل على ضغوط القوى الخارجية. وبإمكان طهران وبغداد، استنادًا إلى روابطهما التاريخية والمذهبية والاقتصادية والجغرافية، أن تعالجا المسائل الأمنية بالحوار والتعاون المشترك. فاستمرار التجارة المشروعة، وإعادة فتح المنافذ في أسرع وقت ممكن، والحيلولة دون تحوّل الحدود إلى أداة للضغط السياسي، كلّ ذلك لا يخدم إيران وحدها، بل يصبّ كذلك في مصلحة العراق الاقتصادية واستقلال قراره.