حزب الله يقلب المعادلة الداخلية: من «أمّ الصبي» إلى «البادي أظلم»!
عباس المعلم
في الثامن من أيار عام 2008، قال السيد الشهيد حسن نصرالله، بحرفية لا تحتمل التأويل: «اللي بدو يقوّص علينا رح نقوّص عليه، واللي بدو يعتدي علينا رح نعتدي عليه، واللي بدو يعتقل شاب من شبابنا بدنا نعتقلو». اليوم، وبعد نحو عقدين، تبدو القيادة العليا لحزب الله، حيث تُصاغ القرارات الحاسمة وتُرسم حدود المواجهة، وكأنها حسمت خيار إعادة تفعيل تلك المعادلة، وربما بصيغة أشدّ صرامة وأقصى مدى. وما صدر عن النائبين حسين الحاج حسن وإيهاب حمادة ليس، وفق المعطيات المتوافرة، سوى التعبير الأكثر لطفاً وتهذيباً عمّا يجري تداوله على المستويين التنفيذي والميداني، وفي مختلف أروقة الحزب وقطاعاته.
القرار، بحسب ما يرشح من مستويات قيادية، واضح وقاطع: لا مسايرة، لا مناورة، ولا تمرير لأيّ اعتداء يستهدف المقاومة من الداخل، أياً تكن طبيعته أو شكله أو الجهة التي تقف خلفه، رسمية كانت أم حزبية. وأيّ تعرّض لأحد عناصر المقاومة، اعتداءً أو اعتقالاً، سيُواجَه بحسم يتناسب مع طبيعة الفعل، لا ببيان استنكار أو اتصال هاتفي. فلا اعتبارات شخصية، ولا حسابات سياسية، ولا مقامات مهما علت، يمكن أن تشكّل حصانة لمن يقف خلف أيّ محاولة للاعتداء على المقاومة أو محاصرتها، بشرياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً. ولا صديق أو حليف أو مقرّب للحزب خارج مقتضيات هذا السقف.
والأكثر دلالة وخطورة، وفق ما يتسرّب من مستويات عليا في الحزب، أنّ خيار قلب المعادلة في الداخل اللبناني بات متقدّماً، في هذه المرحلة، على خيار المواجهة العسكرية مع “إسرائيل”. وينطلق هذا التحوّل من قناعة داخل القيادة بأنّ أحد أبرز أسباب ما تعرّضت له المقاومة خلال العامين الأخيرين يتمثّل في انقلاب بعض الأطراف الداخلية عليها، وتآمرها وتشاركها، بصورة أو بأخرى، مع العدو وعدوانه. وعليه، فإنّ استعادة التوازن، وفق هذه المقاربة، تبدأ من الداخل، بتصحيح الاختلالات وإعادة الأحجام السياسية إلى مقاديرها الطبيعية، قبل الانتقال إلى أي حسابات مواجهة أخرى.
وبحسب معرفتنا بطبيعة قيادة الحزب وأسلوبها في إدارة القرارات المصيرية، لا يبدو أنّ ما يجري يندرج في إطار التهويل السياسي أو ممارسة الضغط لتحسين شروط التفاوض، بقدر ما يعكس انتقالاً فعلياً إلى مستوى متقدّم من الجهوزية للمواجهة، قد يجعل حتى أصغر اعتداء على الحزب أو أحد عناصره مدخلاً إلى ردّ لا تتوقّعه الأطراف المعنية، ولا تُحسن بالضرورة احتساب تداعياته.
هنا تكمن خطورة التحوّل الذي ينبغي قراءته بدقة: فمن يتتبّع المؤشرات المتراكمة داخل بنية القرار الحزبي يدرك أنّ حزب الله، وللمرة الأولى منذ نحو عقدين، يبدو أنه غادر فعلياً مربع «أمّ الصبي»، الذي طالما حكم جانباً واسعاً من سلوكه في إدارة الأزمات الداخلية، إلى معادلة مختلفة تماماً عنوانها: «والبادي أظلم». والفارق بين المعادلتين ليس لغوياً ولا سياسياً فحسب، بل قد يكون ميدانياً أيضاً؛ إذ إنّ ما كان يُحتوى بالأمس تحت سقف الحرص على الاستقرار الداخلي، لم يعد مضموناً أن يُحتوى غداً بالوسائل نفسها…