من محاصرة روسيا والصين إلى طلب مساعدتهما
ناصر قنديل
– بدأ دونالد ترامب الحرب على إيران برهان يتجاوز إيران نفسها. كان إسقاطها بضربة خاطفة يعني، في حسابات المشروع الأميركي، كسر حلقة رئيسية في شبكة المصالح الروسية والصينية، وإعادة ترتيب المنطقة تحت سقف السيطرة الأميركية. فإيران، بموقعها وثرواتها وعلاقاتها وقوتها العسكرية، تمثّل شريكاً يصعب تعويضه لموسكو وبكين، كما يمثل استقلال قرارها عائقاً أمام تحويل المنطقة إلى منظومة مغلقة تدير واشنطن أمنها وطاقتها وممراتها. لذلك كان إخضاع إيران طريقاً إلى دفع روسيا والصين وراء حدودهما، وقطع امتداداتهما في قلب واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي.
– اليوم، يبحث ترامب عن مخرج للحرب عبر القوتين اللتين كان يفترض أن تدفعا ثمن نتائجها. يتفاوض مع روسيا مباشرة، ويستقبل الوساطة الباكستانية التي تشارك الصين في بناء مسارها السياسي. وبين البداية واللحظة الراهنة تقع حصيلة الحرب، بقاء الدولة الإيرانية، واستمرار قدرتها على المواجهة والتأثير في أمن المنطقة وممرات الطاقة، وتعذّر تحويل التفوّق العسكريّ الأميركيّ إلى نتيجة سياسية حاسمة. لقد نجحت إيران في منع فرض النهاية التي أرادتها واشنطن، فصار البحث عن نهاية أخرى يحتاج إلى شركاء يمتلكون علاقة معها وثقة لديها.
– تكثّف المقارنة بين كلام ترامب السابق وكلامه الراهن معنى هذا التحوّل. ففي حزيران 2025، روى أن فلاديمير بوتين عرض مساعدته في الملف الإيراني، فأجابه بأن مساعدته مطلوبة في الملف الروسي. كان يريد إبقاء إيران ضمن مجال يستطيع إدارة مواجهته بنفسه، وحصر النقاش مع بوتين بالحرب الأوكرانيّة. أما الآن، فهو يعلن التفاوض مع روسيا بشأن إيران وأوكرانيا والديزل، واضعاً الملفات في مساحة تفاوض واحدة. وهذا يمنح موسكو موقعاً أوسع، لأنها تدخل النقاش وفي يدها ما تحتاج إليه واشنطن في الطاقة، وما تستطيع المساهمة به في العلاقة مع طهران.
– تكتسب أزمة الديزل هنا معناها السياسي. فحين يحتاج ترامب إلى الإمدادات الروسية لتخفيف ضغط الأسعار، تصبح العقوبات التي صُممت لمحاصرة روسيا موضوعاً للمراجعة تحت ضغط المصالح الأميركية. وحين يحتاج بالتوازي إلى مساهمة روسية في إنهاء الحرب على إيران، تتسع مساحة الأخذ والرد بين الملفات. تستطيع موسكو أن تناقش أمن منشآتها النفطية، وشروط المواجهة في أوكرانيا، وموقعها في الترتيبات الإقليمية، من موقع الطرف الذي يملك أجوبة عن أزمات تؤرق الرئيس الأميركي.
– على الضفة الصينية، يُقدّم تسلسل الوساطة الباكستانية صورة واضحة. فقد شهدت زيارة وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى بكين في نهاية آذار إعلان خطة مشتركة للسلام، وتواصل التنسيق بين البلدين في المحطات اللاحقة، وصولاً إلى إعلان الخارجية الصينية دعم جهود إسلام آباد وتنسيق المواقف معها. ثم تكررت الدعوات الصينية إلى العودة إلى مذكرة إسلام آباد. هكذا تؤدي باكستان وظيفة الوسيط القادر على التواصل مع واشنطن وطهران، ضمن مسار تشارك بكين في صياغة اتجاهه وتوفير ثقله السياسي. وتستثمر الصين علاقتها بباكستان وإيران معاً في حماية مصالحها في استقرار المنطقة وتدفق الطاقة.
– عندما يدعو سيرغي لافروف إلى العودة إلى مذكرة إسلام آباد، يلتقي الدور الروسي مع الدور الصيني عند مرجعية واحدة. تصبح حركة عاصم منير ومبادرات لافروف تعبيراً عن تقاطع سياسي يمكن أن يمنح الوساطة قدرة أكبر على الاستمرار. فالمشكلة التي واجهت التفاهمات السابقة كانت في الانتقال من النصوص إلى الالتزامات، وفي محاولة إعادة فتح الملفات التي جرى تجاوز جعلها شروطاً لإنهاء الحرب. وكلما اتسعت دائرة القوى المتمسكة بمرجعية المذكرة، ارتفعت الكلفة السياسية لمحاولة استبدالها بشروط جديدة.
– من هنا، تتوقف حظوظ الحل على استعداد واشنطن لترجمة تعثّر الحرب إلى مراجعة لأهدافها. فالوساطة تستطيع ترتيب الخطوات، وصياغة الضمانات، وتوفير مخارج تحفظ ماء الوجه، لكنها تحتاج إلى قرار أميركي بقبول بقاء إيران دولة مستقلة تمتلك برنامجها النووي السلمي وقدراتها الدفاعية وعلاقاتها الإقليمية. كما تحتاج إلى تسلسل تنفيذي يمنح طهران مقابلًا ملموساً لالتزاماتها، بعدما جعلت تجربة المذكرة مسألة التنفيذ في قلب أي تفاوض جديد.
– أراد ترامب أن تكون الحرب إعلاناً عن قدرة أميركا على إعادة رسم المنطقة، فإذا بنهايتها تتطلب الاعتراف بحدود هذه القدرة. وأراد أن يؤدي إخضاع إيران إلى إضعاف روسيا والصين، فإذا بصمود إيران يفتح أمامهما باب المشاركة في صياغة المخرج. هنا يكمن التحوّل الأهم نحو التسوية، فإذا نضجت، ستدوّن موازين القوى التي كشفتها الحرب، وتمنح موسكو وبكين دوراً في المنطقة التي راهنت واشنطن على الانفراد بتقرير مستقبلها.