kayhan.ir

رمز الخبر: 231832
تأريخ النشر : 2026October19 - 21:05

هل تعلمون أن ثورة 17 تشرين استلمت السلطة؟

 

– تسعى كل ثورة إلى تسلّم السلطة لتطبيق برنامجها، لكن المفارقة اللبنانية أن القوى التي ورثت تمثيل 17 تشرين وصلت إلى الحكم وتتصرف كأنها ما زالت خارجه. وبعد سبع سنوات، يصبح إنكار الوصول وسيلة للتهرب من المحاسبة: أين الكهرباء؟ وأين أموال المودعين؟ وأين محاكمة المسؤولين عن الانهيار؟

– لقد حقق هذا المشروع تقدماً في أهدافه السياسية التي اختفت وراء الشعارات الثورية البراقة، فيما بقيت الشعارات الاجتماعية التي منحته جمهوره معلقة. لذلك يصح السؤال: هل خان شعاراته بعدما أدّت وظيفتها في إيصاله؟

– في 17 تشرين الأول 2019، انفجر غضب حقيقي بسبب الضرائب، وتدهور المعيشة، والفساد، وانقطاع الخدمات. خرج الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى تحت شعارات «كلن يعني كلن»، واستعادة الأموال المنهوبة، والقضاء المستقل، والدولة المدنية. لم تكن للانتفاضة قيادة موحدة؛ شاركت مجموعات مثل «لحقي» و«سبعة» و«مواطنون ومواطنات في دولة»، وشيوعيون ونقابيون ومستقلون. لكن غياب القيادة والبرنامج المشترك كان مقصوداً لفتح الباب أمام قوى منظمة تمتلك المال والإعلام لإعادة توجيه الغضب وتحديد وجهته السياسية.

– كانت الشاشات شريكاً في صناعة التمثيل. وقد وثّق معهد الجزيرة للإعلام، في 24 تشرين الثاني 2019، تصدّر MTV» » وLBCI»» و«الجديد» التغطية المباشرة. وفي انتخابات 15 أيار 2022، تبلور عنوان «نواب التغيير» في ثلاثة عشر اسماً: إبراهيم منيمنة، بولا يعقوبيان، ملحم خلف، وضاح الصادق، مارك ضو، نجاة صليبا، ميشال الدويهي، فراس حمدان، إلياس جرادي، حليمة قعقور، سينتيا زرازير، ياسين ياسين، ورامي فنج. واستقبلهم برنامج مارسيل غانم على MTV» » بوصفهم وجوه المرحلة الجديدة، ولم يعد خافياً أن أكثر من نصفهم ظهر شريكاً في الظل للحكومة التي شكلها نواف سلام.

– أما رئيس الحكومة نواف سلام، فكان مشروعاً لرئاسة الحكومة منذ البداية بعدما هتف باسمه ورفع صوره في ساحات “الثورة”. ثم اقترحه سامي الجميل في 8 كانون الأول 2019، وسمّته الكتائب في استشارات 19 كانون الأول باعتباره استجابة لمطالب المنتفضين، كما قالت. وفي 23 حزيران 2022، سمّاه عشرة من النواب التغييريين الثلاثة عشر. ثم كُلّف في 13 كانون الثاني 2025 بأربعة وثمانين صوتاً، بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً في 9 كانون الثاني. هذه سلسلة وصول إلى السلطة، وليست استمراراً للاحتجاج عليها.

– أما الرئيس جوزاف عون فقد كان، بصفته قائداً للجيش، حاضراً في بناء صورة البديل؛ إذ أعلن الجيش الوقوف إلى جانب المطالب الحياتية المحقة، وتولى حماية التظاهر وفتح الطرق. ورفعت صور قائد الجيش جوزاف عون في ساحات “الثورة” كمنقذ للبلاد، وفي شهادته أمام الكونغرس يوم 19 تشرين الثاني 2019، رسم جيفري فيلتمان هذه المعادلة: ارتفاع شعبية الجيش مقابل تراجع مكانة حزب الله، وإمكانية بل ضرورة استثمار هذا التحول سياسياً.

– شرح فيلتمان أيضاً أهمية الحراك بمقارنته بـ 14 آذار 2005، بقوله إنه هذه المرة شارك الشيعة، وحملت المطالب الاجتماعية قدرة على جمع اللبنانيين. ثم رسم برنامج الاستفادة الأميركية عبر إضعاف تحالف حزب الله والتكتل الوطني الحر، وإضعاف حلفاء حزب الله البرلمانيين انتخابياً، وربط الدعم المالي بوجوه الحكومة وسياساتها. هذه خريطة انتقال من الغضب الاقتصادي إلى تغيير موازين القوى. وبهذا المعنى، فإن «14 آذار باسم جديد» توصيف للمشروع الذي أراد استثمار الانتفاضة، بينما كان جمهورها ينتظر الخبز والحقوق.

– ظهر امتحان هذا الانتقال في تظاهرة 6 حزيران 2020. فقبلها، وثّقت «لوريان لوجور» دعم «سبعة» والكتائب للدعوة، وموضوعها القرار 1559 ونزع سلاح حزب الله. بدأ تراجع الحراك عندما طُلب منه الانتقال من محاسبة النظام الاقتصادي إلى معركة السلاح. هنا انكشفت حدود الزخم الشعبيّ المتاح للعنوان الجديد، وعادت مفردات الاصطفاف القديم إلى الساحة الاجتماعية.

– وفي المقابل، كانت معركة رياض سلامة تكشف طبيعة الحماية المالية؛ إذ طرح رئيس الحكومة حسان دياب – الذي ناصبته “الثورة” العداء يومها – إقالة سلامة في جلسة 24 نيسان 2020، فانقسم الوزراء وتعطل القرار. وقبل ذلك، في 9 كانون الثاني، ظهر سلامة معززاً مكَرّماً على «MTV» ليتحدث منفرداً دون أن يسائله المحاورون، مؤكداً أن الودائع بخير وأن لبنان ليس أمام انهيار. هكذا إذن الشاشة التي نقلت الثورة أتاحت لحاكم المصرف الدفاع عن النظام الذي احتجز أموال جمهورها، وهذه واقعة أبلغ من الاكتفاء بتبادل الاتهامات حول هوية الثائر والمستفيد.

– وصلة المال بالإعلام لها أسماء أيضاً. ففي تقرير نشره «معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط» في 9 نيسان 2025، ظهر اسم المصرفي أنطون الصحناوي في تمويل حملات إعلامية، وظهرت تقارير تتحدّث عن دعم مالي أميركي متعدد لمؤسسات إعلامية بينها «درج» و«ميغافون» و«كلنا إرادة»، وكان الصحناوي حاضراً عبر منصات مرتبطة به وتقارير بثتها «MTV». والصحناوي شريك الأهداف مع الثورة في مواجهة حزب الله، وعدوها في الشعارات التي رفعتها الثورة حول حقوق المودعين عند أصحاب المصارف.

– سياسياً، أصبح الالتحاق بالمعارضة التقليدية معلناً؛ إذ انتظم مارك ضو ووضاح الصادق وميشال الدويهي في «تحالف التغيير»، إلى جانب معارضة تضم القوات والكتائب و«تجدد». وفي معركة تكليف سلام، اجتمع التغييريون مجدداً خلف الاسم نفسه. هنا عادت 14 آذار بوجوه إضافية ومعجم جديد، بعدما انتقل قسم من الذين بنوا رصيدهم على مزاعم تمثيل القطيعة مع النظام إلى التحالف مع أركانه، بعدما كان «كلن يعني كلن» أساس تفويضهم الشعبي.

– جاء العدوان الإسرائيلي ليغيّر الموازين التي عجزت التعبئة الداخلية وحدها عن تغييرها. وبعد حرب 2024 وصل عون وسلام، ثم تصدّر السلاح جدول الحكم. وفي 5 حزيران 2026، قال عون لـ«CNN» إن حالة العداء مع “إسرائيل” يجب أن تنتهي إلى الأبد. وفي تشرين الأول، دخل الضغط الأميركي لإلغاء قانون المقاطعة صراحةً في اتصال روبيو بعون، بعدما دشّن الصحناوي إلغاء المقاطعة بحضوره على مائدة واحدة مع بنيامين نتنياهو. فصار ما كان يُناقش بوصفه اتجاه المشروع موضوعاً على جدول السلطة.

– أما حصيلة الناس، فلا تختصرها الوعود؛ فقد قال سلام في 21 أيلول 2026 إن حكومته أقرت إصلاحات مصرفيّة وعيّنت الهيئة الناظمة للكهرباء، لكنها ما زالت تعمل على قانون الفجوة واستعادة الودائع. وبعد سبع سنوات، يحق للمودع أن يسأل عن ماله، وللفقير عن الكهرباء. ثورة الناس غُدرت حين استُخدم غضبها لإنتاج سلطة تعيد ترتيب الأولويات حول السلاح والرضى الأميركي.

– بدلاً من إعادة أموال المودعين تلاحق «الثورة» -عبر حكومتها ونوابها – «القرض الحسن»، وبدلاً من تأمين الكهرباء يكرّر رموزها معادلة واحدة بكلمة: سلاح المقاومة أولاً وبعده تأتي الأولويات؛ وهذا هو الفارق المخجل بين أهداف قادتها المخفية والشعارات التي خدعوا بها الناس.

البناء

captcha