kayhan.ir

رمز الخبر: 231764
تأريخ النشر : 2026October18 - 20:59

من الشارع إلى الجامعة والملعب.. أوروبا تضيّق الخناق الشعبي والمؤسسي على إسرائيل

 

- تتحدث تقارير عربية وعبرية متقاطعة عن اتساع مظاهر الرفض الأوروبي لإسرائيل في ثلاث ساحات متوازية: الشارع والجامعة والملعب. وذهبت صحيفة إسرائيلية إلى أن هولندا وبريطانيا وبلجيكا وأيرلندا باتت تعامل الإسرائيليين كمنبوذين، بينما رأى كاتب ومستشار حكومي إسرائيلي سابق أن مشاهد المدن الأوروبية تذكّر بالانتفاضة، وأن الموقف الأوروبي تحول من الصداقة إلى العداء. وسواء قبلنا هذا التوصيف أم تحفظنا عليه، فإن الجامع بين هذه التطورات واضح، وهو حرب غزة وتوسع الاستيطان في الضفة، اللذان نقلا الغضب من بيانات الحكومات إلى سلوك المجتمعات والمؤسسات. ويكتسب هذا التحول أهميته من أن الاعتراف به صادر من الداخل الإسرائيلي نفسه. وقد تزامنت هذه التطورات في فترة قصيرة نسبياً، فحظر الجماهير في هولندا ترافق مع تقارير عن مقاطعة أكاديمية وتجارية، ومع مشاهد احتجاج في مباريات أوروبية رُفعت فيها لافتات تنادي بفلسطين حرة.

الملاعب: حظر الجماهير يتحول إلى سابقة

في أول مباراة لفريق إسرائيلي في هولندا منذ أحداث أمستردام عام 2024، قررت السلطات في ألكمار منع جماهير هبوعيل بئر السبع من دخول الملعب في الدوري الأوروبي، بعد تقييم أجرته البلدية والشرطة والنيابة العامة اعتبر أن السياق الجيوسياسي والتظاهرات المحتملة ترفع مستوى المخاطر إلى درجة عالية جداً. ولم يكن القرار الأول من نوعه، فقد مُنعت جماهير مكابي تل أبيب في الموسم الماضي من حضور مباراة أستون فيلا في برمنغهام استناداً إلى معلومات استخباراتية، وسط جدل حول موثوقية تقرير قيل إنه أُعدّ بالذكاء الاصطناعي. وتصف السلطات الأوروبية هذه القرارات بأنها إجراءات أمنية، فيما تراها إسرائيل مقاطعة، والتباين في التوصيف جزء من المشهد. ويستحضر القرار الهولندي أحداث السابع من نوفمبر 2024 التي أعقبت مباراة أياكس ومكابي تل أبيب، حين مزّق مشجعون إسرائيليون أعلاماً فلسطينية وردّدوا شعارات معادية للعرب قبل وقوع اعتداءات على سائقي سيارات أجرة هولنديين، بحسب ما نقله موقع "ذا أثلتيك" البريطاني، وانتهت الليلة بإصابات واعتقالات.

الجامعات والتجارة: مقاطعة تتجاوز المباريات

لا تقتصر الضغوط على الملاعب، فالتقارير تشير إلى تزايد المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية، إلى جانب إجراءات تستهدف الشركات العاملة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين والجولان السوري المحتل، والمنتجات القادمة منها. وأعلنت بلجيكا حظر استيراد منتجات المستوطنات، وسبقتها أيرلندا بقانون مماثل. وتصف الصحيفة الإسرائيلية موقف هولندا من التجارة مع إسرائيل بأنه الأكثر تشدداً في الاتحاد الأوروبي. ويلاحظ محللون أن هذه الإجراءات تميّز حتى الآن بين إسرائيل والمستوطنات، بينما تستهدف المقاطعة الثقافية والرياضية إسرائيل ككل، وأن تحذيرات داخل إسرائيل نفسها بدأت تتحدث عن احتمال انتقال العقوبات إلى قطاعات اقتصادية ومالية. ويعني هذا التمييز أن الحكومات الأوروبية تفضل، إلى الآن، مسار ضغط يمكن تبريره قانونياً بعدم شرعية الاستيطان بدل مسار مقاطعة شاملة يصعب سياسياً. لكن اتساع الدائرة من منتجات المستوطنات إلى المؤسسات الأكاديمية والشركات العاملة في الأراضي المحتلة يرسل رسالة بأن الاستثمار في الاحتلال لم يعد بلا كلفة، وهي رسالة تهم الشركات والجامعات الحريصة على سمعتها أكثر مما يهمها الخطاب السياسي.

الشارع والثقافة: من الاحتجاج إلى المؤسسات

في فرنسا دعت 56 منظمة شعبية وحزبية إلى تحركات طوال شهر أكتوبر للمطالبة بوقف تصدير الأسلحة الفرنسية إلى إسرائيل، وتلقت الدعوة دعم أحزاب يسارية مؤثرة، ما يعني أن الاحتجاج بات يطالب بقرارات حكومية محددة لا بمجرد التعبير عن الغضب. وتشير التقارير إلى أن القيمة المعلنة للصادرات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل، وهي نحو 22 مليون دولار سنويًا، لا تشمل المعدات ذات الاستخدام المزدوج والبرمجيات والتقنيات المرتبطة بالقطاع العسكري، ما يوحي بأن حجم الملف أكبر مما يبدو. وفي الثقافة أعلنت هيئة البث الأيرلندية عدم مشاركتها في مسابقة "يوروفيجن 2027" احتجاجاً على مشاركة إسرائيل. وكتب المستشار الإسرائيلي السابق يوسي أحيمئير أن رئيس الوزراء الهولندي يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، وأن قادة فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وبريطانيا وأيرلندا وهولندا لا يشغلهم سوى هذا الملف. ومهما كانت دقة قراءته، فهو يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن الغضب لم يعد حكراً على الهامش اليساري.

حدود "الانتفاضة" الأوروبية

غير أن الصورة ليست متجانسة، فالمحللون يلفتون إلى أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إن أوروبا اتخذت قراراً جماعياً بعزل إسرائيل أو مقاطعتها. فبينما انسحبت هيئة البث الأيرلندية من "يوروفيجن"، أعلنت هيئة البث الهولندية العودة إلى المسابقة، وقرر المنتخب الأيرلندي خوض مباراته في المجر رغم دعوات سياسية لإلغائها، وعبّر لاعبوه عن موقفهم بالشارات السوداء وغياب المصافحة دون أن يلغوا المباراة. ويشير محللون إلى أن الأيام التي تلي الانتخابات الإسرائيلية قد تكون اختباراً حقيقياً لاتجاه هذه الإجراءات. وتحاول الصحافة الإسرائيلية أحياناً إرجاع ما يحدث إلى تركيبة ديموغرافية في بعض المدن، متجاهلة اتساع الغضب إلى بلدان وقطاعات لا علاقة لها بذلك، من أيرلندا إلى بلجيكا وفرنسا. فالحركة حقيقية لكنها متفاوتة، تقودها المجتمعات والمؤسسات أكثر مما تقودها سياسة أوروبية موحدة، ولذلك يصعب الحديث عن قرار أوروبي جامع حتى الآن.

دلالات ومآلات

الدلالة الأهم أن العزلة تتراكم من الأسفل: قرار ملعب هنا، ومقاطعة أكاديمية هناك، وحظر منتجات المستوطنات في دولة ثالثة، حتى يتشكل مناخ عام يصعب على الحكومات تجاهله. وتكشف حدة الغضب الإسرائيلي مدى تأثير هذه الإجراءات، فالدول لا تنزعج من إجراءات لا أثر لها. كما أن أوروبا التي ظلت عقوداً ترى في العلاقة مع إسرائيل، سياسياً وتجارياً وعلمياً، ثابتاً من ثوابتها، تكتشف اليوم أن هذه الثوابت قابلة للمراجعة حين تتغير مواقف الرأي العام وتتراكم الأدلة على كلفة الحرب الإنسانية. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تنتقل هذه الضغوط من حظر الجماهير إلى قرارات تمس التجارة والتسليح والاتفاقيات الأوروبية، وهي ملفات تحتاج إلى إرادة سياسية لا إلى ضغط شعبي فحسب. ويبقى السؤال المطروح مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية: هل تحوّل أوروبا هذه الإجراءات إلى سياسة طويلة الأمد إذا استمرت الحرب والاستيطان، أم تبقى ورقة ضغط مؤقتة تتراجع عند أول هدنة؟

الوقت

captcha