العالم على حافة الانفجار الكبير
عباس المعلم
ليست الأيام والأسابيع المقبلة صعبة لأنّ السنوات الثلاث الماضية كانت أقلّ اضطراباً أو لأنّ الأشهر الأخيرة عرفت شيئاً من السكينة، بل لأنّ العالم يدخل طوراً بالغ الخطورة من التشابك الاستراتيجي بين الأزمات، حيث لم تعد الجبهات منفصلة، ولا الصراعات محكومة بحدودها الجغرافية، ولا القرارات العسكرية حبيسة حساباتها المحلية. من أوكرانيا وروسيا إلى إيران والولايات المتحدة، ومن ضفاف اليمن والسعودية إلى باب المندب ومضيق هرمز، تتزاحم الملفات فوق صفيح جيوسياسي ملتهب، وتتداخل معارك النفوذ مع صراع الممرات البحرية وشرايين الطاقة وأسواق النفط. وفي قلب هذا المشهد تقف حكومة نتنياهو، بما تظهره من نزعة متواصلة إلى توسيع العمليات العسكرية وفرض وقائع احتلالية جديدة في غزة ولبنان وسوريا. الأخطر أنّ كلّ جبهة باتت تحمل في أحشائها احتمالات تفجير الجبهة الأخرى، حتى أصبح العالم أمام معادلة شديدة الهشاشة: رصاصة في مكان قد تستدعي صواريخ في مكان آخر، وقرار عسكري محدود قد يطلق سلسلة تداعيات تتجاوز قدرة أصحابه على احتوائها.
ما الذي يمكن أن يحدث خلال الأسبوعين المقبلين؟ هنا تكمن المعضلة الأكثر إثارة للقلق؛ فالمشهد لا يوحي بمجرد تصعيد تقليدي تتخلله رسائل نارية متبادلة، بل باحتمال انتقال الصراعات من مرحلة إدارة الاشتباك إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى بالقوة. واشنطن وطهران أمام حسابات تتجاوز المواجهة المباشرة إلى أمن الخليج والممرات الاستراتيجية، وموسكو والغرب أمام استنزاف مفتوح لم تستنفد تداعياته، فيما تبدو “إسرائيل” معنية باستثمار الاضطراب الإقليمي لتوسيع هامش حركتها العسكرية.
وفي مثل هذه البيئات لا تبدأ الحروب الكبرى بالضرورة بقرار معلن، بل قد تنشأ من خطأ في التقدير، أو ضربة تتجاوز قواعد الاشتباك، أو اعتقاد أحد الأطراف بأن نافذة الفرصة توشك أن تُغلق. والأشدّ خطورة أن يتزامن انفجار أكثر من جبهة، فتتحوّل المواجهات المتفرقة إلى أزمة إقليمية مترابطة، تتدحرج معها أسعار الطاقة، وتهتز حركة الملاحة، وتدخل العواصم في سباق قرارات لا تملك ترف التراجع عنها. إنها احتمالات لا تعني حتمية الحرب، لكنها تجعل كلفة أيّ مغامرة أعلى بكثير من قدرة الحسابات العسكرية الضيقة على استيعابها.
أما التسويات، فلا تزال ممكنة من حيث المبدأ، لكنها تواجه تضاؤلاً حاداً في هوامش المناورة السياسية، خصوصاً مع تصاعد انعدام الثقة وتعارض الشروط الاستراتيجية بين القوى المتواجهة. والمفارقة أنّ الضغوط نفسها التي تدفع الأطراف نحو حافة الحرب قد تدفعها، في اللحظة الأخيرة، إلى تسوية خاطفة تهبط كالصاعقة، لا حباً بالسلام بل خشيةً من أثمان الانفجار. غير أن عامل الوقت يتحول تدريجياً من فرصة للإنقاذ إلى عنصر ضغط قد يسرّع القرارات الأخطر. ولهذا تكتسب الأيام الأربعة عشر المقبلة أهمية استثنائية في تقدير اتجاهات التصعيد، لا بوصفها موعداً محسوماً للحرب، بل نافذة اختبار قد تتضح خلالها نيات الأطراف وحدود استعدادها للمواجهة أو التراجع. نحن أمام مشهد قد تستيقظ فيه المنطقة على تسوية لم يتوقعها أحد، أو على انفجار كان الجميع يتوقعه ولم ينجح أحد في منعه. وبين الاحتمالين، قد لا يكون السؤال الأخطر: متى تبدأ الحرب؟ بل من يظن أنه قادر على إطلاق شرارتها، ثم يمتلك القدرة على إطفائها…؟