kayhan.ir

رمز الخبر: 231580
تأريخ النشر : 2026October14 - 21:02

الخرائط الممزقة: بين «جمهورية الخوف» و«شبح البلقنة»

 

د. حسين حمية

 انّ مظاهر البلقنة العالمية الراهنة ليست قدراً حتمياً لا يمكن الفكاك منه، بل هو نتاج “صناعة الجهل الاستراتيجي” وإيثار المصالح الآنية على حساب القيم الإنسانية المشتركة ولن يخرج العالم من نفق الكيانات المتصارعة، ويعود الى تعددية قطبية عادلة ومتوازنة إلا بالعودة الى منطق “الحق” بوصفه ركيزة الاستقرار، فكما يعلّمنا نهج البلاغة للإمام علي “الحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف”، فاذا لم تتصف القوى الدولية فإنّ قطار البلقنة سيستمرّ في تفكيك ما تبقى من استقرار عالمي ليظلّ العالم غارقاً في صراعات لا غالب فيها ولا ناجٍ.

ـ الكانتونات المتصارعة اليوم هي تجسيد دقيق لهذه “الرئاسات والعصبيات المتشظية” وكأننا ننتقل من فخ الوهم في التعددية القطبية الى سياسة دولية قد همّشت الشعوب واستنزفت مقدراتها في أتون صراعات بالوكالة، فالعالم اليوم حائر بين أهواء القوى المتنافرة التي تغوي مجتمعاتها بالحروب وبين الحق الإنساني الضائع في الأمن والاستقرار، فالتحوّل من القطبية التعددية الى البلقنة يعني أنّ الأقطاب الكبرى (واشنطن، بكين، موسكو) لم تعد قادرة على تشكيل “كتل مستقرة” تابعة لها كما كان الحال في الحرب الباردة، بدلاً من ذلك يتسم العالم اليوم بظهور “فوضى قطبية جديدة” تتداخل فيها القوى وتتفتت الاتفاقيات الدولية الى تحالفات جزئية مؤقتة (minilateralisn) وهو المظهر الحديث لبلقنة العلاقات الدولية.

ـ ايفن ماري لولان العالم الفرنسي الشهير تحدث عن التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم، ويعزز مقالتنا السياسية معززاً موقفه برسم خريطة جديدة للعالم بعد الحرب الباردة، وأنّ العالم يسير نحو بلقنة شاملة أيّ تفتيت وتقسيم للكيانات السياسية والاقتصادية وليس نحو نظام عالمي جديد ومستقر، والبلقنة هنا لا تعني فقط التفتيت الجغرافي للدول بل تعني أيضاً تجزؤ القرار السياسي وتفكك الأطر الاقتصادية الكبرى وعودة النزاعات القومية والدينية والأصولية، وأنّ “عالمية الاقتصاد” و”بلقنة القرار السياسي” يسيران جنباً الى جن؛: فبينما يتجه القرار السياسي نحو التشرذم والتفكك أمام هذا التناقض بين الاقتصاد الموحد والسياسة الممزقة سيؤدي الى عالم من الفوضى وعدم اليقين ما لم يتمكّن بعض القادة من التقاط الإشارة التي يمدها التاريخ وإعادة النظام.

ـ انّ تفكك النظام العالمي القديم الذي قام على الثنائية القطبية وهشاشة النظام العربي وتبعية بعض أنظمته للخارج وهشاشة النظام الشيوعي وموجة القوميات التي انفجرت في أوروبا الشرقية وإنما هي عبارة عن تؤام الأزمات الدولية، وإشكالية جديدة للأمن حيث لم يعد الأمن في عالم بلا أقطاب ولم يعد بالمعنى العسكري التقليدي، بل أصبح مهدّداً من داخل الدول ومن خارج الدول عبر الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والجريمة المنظمة، وأنّ “انفجار الكرة المالية”، و”الانفجار الديموغرافي العالمي” هما تهديدان بنيويان للأمن العالمي الجديد.

ـ الاقتصاد أصبح عالمياً (عولمة الأسواق والمال والشركات) بينما القرار السياسي أصبح مبلقناً مفتتاً بين دول ومناطق وقوميات و”الأسواق المالية” أصبحت “أقوى من الحكومات”، كما أنّ الأصولية والإرهاب الممنهج والمدعوم استخبارياً ودولياً، والانفحار الديموغرافي في العالم الثالث عبارة عن قنبلة موقوتة تهدّد الاستقرار العالمي .

الخاتمة: أمام هذه السردية ما لم تتمّ إعادة بناء نظام سياسي عالمي يستوعب التنوع الثقافي والقومي سنواجه في القرن الحادي والعشرين: الإرهاب، الأصولية، الهجرة، الأزمات المالية، الانفجار الديموغرافي… ويصعب علينا الحديث عن الانتقال من الحرب الباردة الى عالم ما بعد القطبية الثائية والعالم سيشهد نظاماً جديداً بعيداً عن التعددية القطبية التي يتحدث عنها الكثير من المحللين بل سنشهد “بلقنة شاملة” و”تفتتاً سياسياً” ،و”تفككاً اقتصادياً، وما نشهده اليوم من حرب “إسرائيلية” على كلّ من لبنان وغزة وسورية والعراق والحرب الأميركية ـ “الإسرائيلية” على إيران ومحورها والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على النظام العالمي، ومن صعود لليمين القومي المتطرف في أوروبا، وكأننا أمام حروب متدحرجة بين العديد من الدول ما ينذر بفوضى عالمية ستشهد إعادة تشكيل لنظام جديد متعدد الأقطاب أو بلقنة جديدة للعالم…

captcha