kayhan.ir

رمز الخبر: 231513
تأريخ النشر : 2026October13 - 20:56

لماذا لا تبادر واشنطن بالعودة إلى مذكرة التفاهم؟

 

تملك واشنطن وطهران مرجعية جاهزة للخروج من المواجهة، مذكرة التفاهم التي وُقعت في السابع عشر من حزيران، وربطت وقف العمليات العسكرية ورفع الحصار الأميركي باستعادة الملاحة التجارية في هرمز، وفتحت مساراً للتفاوض على الملف النووي والتخفيف الاقتصادي. لذلك لا يتعلق السؤال بإمكان اختراع تسوية، بل بسبب تأخير العودة إلى تسوية موجودة، استدعى التوصل إليها أربعين يوماً من حرب ضروس ومثلها من مفاوضات شاقة. والمفارقة أن الرهانات التي يفترض أن تمنح واشنطن شروطاً أفضل تتعثر، بينما تتزايد كلفة انتظار نجاحها على الاقتصاد الأميركي وحلفاء الولايات المتحدة.

الرهان الأول كان على تجاوز العقدة الإيرانية بممرات وعمليات نقل للنفط قرب الساحل العُماني. وقد نجحت ترتيبات العبور في تمرير شحنات وزيادة تدفقات الخام، لكن نجاح المرور لا يساوي استعادة الاطمئنان؛ لأن الناقلات تحتاج انتظاماً وأمناً وتأميناً مقبول التكلفة، والمصافي تحتاج إمدادات متوقعة. استمرار الاستهدافات واحتمال احتجاز السفن أو تعطيلها يبقيان السوق تحت الضغط، حتى عندما تتحسن الصادرات. ولهذا يمكن أن تتعافى حركة الخام من دون تعافٍ موازٍ في أسعار المنتجات النفطية أو كلفة نقلها.

تكشف أزمة الديزل حدود قراءة السوق بأحادية عدد الناقلات وحده؛ حيث يمد الخليج (الفارسي)الأسواق بمنتجات مكررة، ويزود المصافي الآسيوية بخام يتحول إلى ديزل ووقود طائرات وبنزين تصدره إلى قارات أخرى. وعندما تتضرر المصافي الخليجية، أو يصبح وصول الخام متقلباً ومكلفاً، تضطرب سلسلة الإمداد بكاملها. أزمة الديزل لا تختزل في هرمز، لكنها لا تنفصل عنه وعن حالة التكرير الخليجي. شراء دفعات روسية قد يخفف الاختناق جزئياً، لكنه لا يصلح منشأة متضررة ولا يضمن انتظام الملاحة، ولا يمنح الاستقرار والاطمئنان واليقين لسوق قلق.

جاءت الجبهة اليمنية لتجعل الرهان على استعادة المبادرة أكثر كلفة؛ لأن المشروع الذي يفترض أن يضعف أنصار الله ويمنح السعودية أوراقاً جديدة صار يصطدم بقدرتهم على نقل الضغط إلى الداخل السعودي. ويتجاوز أثر ذلك حدود المعركة البرية عبر تهديد المطارات ورفع كلفة النشاط الاقتصادي، وتهديد المنشآت النفطية بوضع الإنتاج والتكرير تحت الخطر، واقتراب المواجهة من البحر الأحمر يضغط على البديل المستخدم لتجاوز هرمز. وهكذا يصبح اليمن عقدة إضافية في أمن الطاقة، بحيث يصعب فصل استقرار السوق عن تسوية إقليمية أوسع.

تبدو العودة إلى الحرب على إيران محكومة بحساب ما سيأتي بعد الضربة. القدرة الأميركية على القصف لا تجيب عن قدرة القواعد والحلفاء على احتمال الرد الإيراني، ولا عن كفاية الذخائر الدفاعية لحماية مواقع متعددة في مواجهة ممتدة. وهذه الحسابات لا تحتاج افتراض نفاد كامل للمخزون كي تصبح قيداً؛ يكفي أن يكون تعويض الذخائر أبطأ من استهلاكها، وأن تفرض حماية المنشآت توزيعاً صعباً للقدرات. كما أن الأضرار الكبيرة في قاعدة الأسطول الخامس بالبحرين، ونقل جانب من الإمداد إلى دييغو غارسيا، يضيفان مسافة وتعقيداً لوجستياً إلى العمليات يقول قادة الجيوش الأميركية إنه يكفي لجعل قرار الحرب شديد الصعوبة.

يبقى الرهان الاقتصادي، الذي يعرضه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بوصفه انتقالاً من الضغط الأقصى إلى العزل المطلق. لكنه حين يتوقع بلوغ إيران نقطة انكسار خلال شهرين إلى أربعة أشهر، يترك النتيجة مفتوحة بين احتجاج شعبي وانقسام داخل الحرس الثوري واتفاق تفاوضي. وهذا اعتراف بأن تجفيف الموارد لا يحمل طريقاً واضحاً مضموناً إلى سقوط الحكم. صحيح أنه توجد خطة لملاحقة المصارف والناقلات والوسطاء، لكن الحلقة التي تنقل خسارة الإيرادات إلى انهيار السلطة تبقى افتراضاً سياسياً.

هنا يظهر سؤال القدرة على الاحتمال. أميركا دولة نفطية، لكن المستهلك يدفع أسعاراً تحددها معادلات السوق، فتصل أزمة الطاقة إلى النقل والغذاء والأعمال والانتخابات. بينما في إيران لا ترتبط أسعار الطاقة المحلية بالأسعار العالمية، وهذا الفارق بين بلدين نفطيين هو فارق في مفهوم النظام اجتماعياً ونظرته للشعب كصاحب للثروة النفطية ودور الدولة مجرد مدير لها، مقابل نظام السوق الأميركي الذي يعتبر الشعب مجموعة زبائن ويرسم مهمة الدولة بحماية حق الشركات بتحقيق الأرباح، وبالتوازي فرق آخر بين دولة أصغر وأفقر من أميركا لكنها توفر قاعدة واسعة من الإنتاج المحلي لضمان الاكتفاء الذاتي خارج لعبة سلاسل التوريد والاقتصادات العالمية، ما يوفر الحماية من اختناق التجارة. لذلك لا يصلح انهيار العملة مقياساً لانهيار الدولة، بينما تعاني الدولة العظمى من ارتهان أسواقها لسلاسل التوريد وأسعار السوق، رغم امتلاكها العملة الأولى الأقوى في العالم.

لا تمنح السوابق التاريخية واشنطن ضمانة. فالحصار لم يسقط الحكم في كوبا وكوريا الشمالية، والعقوبات العراقية أنهكت المجتمع ولم تنهِ حكم صدام قبل الغزو. وفي الوثائق الأميركية عن كوبا يظهر منذ عام 1960 رهان صريح على تحويل الضائقة الاقتصادية إلى إسقاط الحكومة؛ وهو رهان لم يحقق غايته. لذلك يبدو تأخير العودة إلى المذكرة محاولة إنكار، وتجنب الإقرار بأن البدائل لم تنتج شروطاً أفضل. لكن إطالة الانتظار لا تثبت أن الزمن يعمل لمصلحة واشنطن.

البناء

captcha