kayhan.ir

رمز الخبر: 231332
تأريخ النشر : 2026October10 - 20:35

على أوروبا أن تشعر بأنها مغفّلة

 

على أوروبا أن تشعر بأنها مغفّلة عندما ترى دونالد ترامب يعود إلى فلاديمير بوتين لشراء الديزل الروسي، بعدما دفعت هي كلفة الابتعاد عن الطاقة الروسية باسم وحدة الغرب ومواجهة موسكو. وعلى قياداتها أن تتذكّر اعتراضاتها على أسعار البديل الأميركي، وتحذيراتها من انتقال الاستثمارات الصناعية إلى أميركا، ثم مطالبتها بتحمل مسؤولية أمنها عندما غيّرت واشنطن أولوياتها. اتفاق الديزل محطة تكشف حصيلة هذه العلاقة، أوروبا تتحمل أثمان خيارات مشتركة، وأميركا تحتفظ بحق تعديلها كلما أصبحت كلفتها الداخلية محرجة.

البداية من اتفاقات مينسك والرهان على تغيير الموازين مع روسيا. ففي كانون الأول 2022، قالت أنغيلا ميركل إن الاتفاق الذي حمل عنوان مبادرة روسية أوروبية مشتركة لحل الأزمة الأوكرانية، كان بنظر أوروبا مجرد محاولة لمنح أوكرانيا وقتاً لتعزيز دفاعاتها. ووافق فرانسوا هولاند، أحد رعاة الاتفاق، على كلامها، مؤكداً أن الجيش الأوكراني أصبح أفضل تدريباً وتسليحاً، وأن المهلة أتاحت له ذلك. وفي المقابلة نفسها ربط هولاند مخرج الحرب بفشل روسيا ميدانياً. كانت القيادة الأوروبية ترى في الوقت الذي أتاحه التفاوض فرصة لبناء قوة، ثم تنظر إلى الحل من بوابة هزيمة موسكو.

لكن أوروبا التي راهنت على تغيير موازين القوة اكتشفت سريعاً أن موازين الكلفة داخل المعسكر الغربي تعمل ضدها. ففي تشرين الأول 2022، اتهم إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة باتباع معيار مزدوج، طاقة أرخص لصناعتها وغاز مرتفع الثمن لأوروبا. وقال وزير ماليته برونو لومير إن الغاز الأميركي يُباع للشركات الأوروبية بأربعة أضعاف سعره داخل أميركا. هذه شهادة من القيادة الفرنسية على طبيعة الصداقة التي وجدت نفسها فيها، التضامن مطلوب في السياسة والعقوبات، أما في سوق الطاقة فتتصرف الشركات الأميركية وفق أرباحها، وتدفع الصناعة الأوروبية الفارق، في مثال صارخ عن نموذج الحب من طرف واحد الذي تفرضه أميركا على أوروبا، التي تذعن للإذلال.

ثم ظهرت نتيجة أعمق من ارتفاع الفاتورة. خلال زيارته واشنطن في نهاية 2022، حذّر ماكرون من أن الحوافز الصناعية الأميركية يمكن أن تؤدي إلى «تفتيت الغرب»، لأنها تشجّع الاستثمار في أميركا على حساب أوروبا. ولم يبق التحذير نظرياً؛ لأن الشركات الألمانية تعهدت باستثمارات جديدة وموسّعة في الولايات المتحدة بقيمة 15.7 مليار دولار في 2023، مقابل 8.2 مليارات في 2022، وفق «فايننشال تايمز». حيث اجتمعت الطاقة الأرخص والحوافز والسوق لجذب الأموال والمشاريع. كانت أوروبا تخسر ميزة تنافسيّة، بينما يستثمر حليفها في اجتذاب صناعاتها، معيداً ما فعله أسلافه خلال الحرب العالميّة الثانية.

السؤال الذي يفرض نفسه هو ماذا حصلت عليه أوروبا مقابل هذه الكلفة؟ كان يمكن لقياداتها أن تجيب بأن الأمن المشترك يستحقّ التضحيات. لكن في شباط 2025، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن واشنطن لم تعد تستطيع جعل أمن أوروبا محور اهتمامها الأساسي، وطالب الأوروبيّين بقيادة أكبر في دعم أوكرانيا، واستبعد مشاركة قوات أميركية في ضمان التسوية المقبلة. ثم علّق ترامب المساعدات العسكريّة لأوكرانيا في الثالث من آذار. وفي اليوم التالي طرحت المفوضية الأوروبية خطة لإتاحة إنفاق دفاعيّ يصل إلى 800 مليار يورو، في ظل الشكّ بالحماية الأميركية.

هنا انكشفت كلفة الاعتماد: خيارات مواجهة تحتاج إلى قدرة مستقلة لم تكن جاهزة بالقدر المطلوب، وحليف يملك حرية إعادة تحديد التزاماته. بعد سنوات من تحمّل الأعباء الاقتصادية، صار على أوروبا أن تبحث أيضاً عن موارد لاستدراك الفجوة العسكرية. لم تنتظر واشنطن اكتمال الاستعداد الأوروبيّ كي تغيّر أولوياتها؛ تركت الأوروبيين يعالجون النتائج التي ترتبت على ثقتهم بثبات المظلة الأميركية.

ثم تكرر المشهد في الحرب على إيران. في الثامن عشر من آذار 2026، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن واشنطن لم تتشاور مع بلاده، وإنه لا توجد خطة مقنعة لنجاح العملية. جاء كلامه بعدما طلب ترامب سفناً للمساعدة في فتح هرمز. وبعد يومين وصف ترامب دول الناتو بالجبناء لرفضها المشاركة. اتخذ القرار مع “إسرائيل”، ثم طالب الحلفاء بالمساهمة عندما اتسعت تبعاته، وهاجمهم عندما امتنعوا.

وعند اشتداد أزمة الديزل، اكتشف الأوروبيون وجهاً آخر لاعتمادهم على البديل الأميركي. وثقت «رويترز» ضغط واشنطن لتحرير احتياطياتهم، مع التلويح بحظر صادرات الديزل الأميركية إذا لم يتحركوا. وفي الثاني من تشرين الأول وافقت مجموعة السبع على تحرير مخزون النفط والديزل. أصبحت الإمدادات التي لجأت إليها أوروبا لتعويض الطاقة الروسية أداة ضغط عليها، وأصبح احتياطها جزءاً من البحث الأميركي عن تخفيف أزمة الأسعار قبل الانتخابات.

وفي التاسع من تشرين الأول أعلن ترامب الاتفاق مع بوتين، وأصدرت الخزانة ترخيصاً لاستيراد الديزل الروسي حتى السابع من نيسان المقبل. قبل ذلك بثمانية أيام، كان بوتين قد قال إن العقوبات تمنع وصول الديزل الروسي إلى الأسواق. اختارات واشنطن تعديل تطبيق العقوبات عندما احتاجت إلى الوقود، بعدما دفعت أوروبا كلفة الالتزام بها ووافقت على تحرير احتياطها، وهي اليوم تقف بذهول أمام الانفراد الأميركي برفع العقوبات عن الديزل الروسي دون أن يكلف نفسه عناء التشاور مع حلفائه.

على أوروبا أن تشعر كم هي مغفّلة، وأن تحوّل هذا الشعور إلى قرار. ما الذي يمنعها من التفاوض مباشرة مع موسكو لإنهاء الحرب ومراجعة العقوبات واستعادة مصالح الطاقة؟ هل تخشى مخالفة واشنطن التي لا تتردّد في تغيير سياستها وفق حاجتها؟ إن عجزت قياداتها عن التصرف بعد كل هذه الوقائع، يصبح السؤال عن قدرتها على الحكم، وعن موعد مجيء قوى عبر الانتخابات تفعل ما تعرف هذه القيادات ضرورته ولا تجرؤ عليه. لقد تصرف ترامب لحماية مصلحته؛ فمتى يتصرّف الأوروبيون لحماية مصالحهم؟

البناء

captcha