غضب تل أبيب من نوبل للسلام... نافي بيلاي وملف الإبادة الجماعية في غزة
- صارت جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي مُنحت لنافانثيم «نافي» بيلاي، الحقوقية الجنوب أفريقية البارزة والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، من أحدث بؤر التوتر بين الكيان الصهيوني والمؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، وصفت وزارة خارجية الكيان الصهيوني، في ردٍّ نشرته على منصة «إكس»، منحَ الجائزة بأنه خطوة لإضفاء الشرعية على ما سمّته «الكراهية والتعصب المعاديين لإسرائيل»، وشنّت على بيلاي ولجنة نوبل هجوماً بلغةٍ حادة.
أما بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، فقال تعقيباً على هذا الاختيار إن لجنة نوبل «فقدت بوصلتها الأخلاقية»، وانتقد بيلاي بعبارة نابية.
وقال في هجومه على اللجنة: «أُشيد بالرئيس ترامب وبروبيو، وزير الخارجية الأمريكي، لقرارهما الحاسم فرضَ عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية».
من مناهضة الفصل العنصري إلى مكانة رفيعة في القانون الدولي... من هي نافي بيلاي؟
نافانثيم بيلاي حقوقية جنوب أفريقية وُلدت عام 1941 في مدينة دوربان، لأسرة تنحدر من أصول هندية تاميلية. وفي زمن الفصل العنصري، ذلك النظام التمييزي الذي حكم جنوب أفريقيا، بدأت مسارها المهني في المحاماة، وانبرت للدفاع عن الناشطين المناوئين له. وكان لعيشها في مجتمع قام على التمييز العنصري أثرٌ بالغ في تشكيل رؤيتها القانونية إزاء المساواة والكرامة الإنسانية ومسؤولية الدول.
أسّست بيلاي مكتبها القانوني الخاص عام 1967، وفي السنوات التالية، لا سيما أثناء دفاعها عن النشطاء المناهضين للفصل العنصري والسجناء السياسيين، غدت وجهاً معروفاً في الأوساط القانونية الجنوب أفريقية. وفي عام 1995 انضمت إلى أوائل النساء من غير ذوات البشرة البيضاء اللواتي بلغن المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، وهو حدث له وزنه في سياق عبور البلاد من نظام الفصل العنصري إلى نظام سياسي جديد.
ثم امتد مسارها المهني إلى ساحة العدالة الجنائية الدولية، فعملت قاضيةً ثم رئيسةً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي أُنشئت للنظر في جرائم الإبادة الجماعية عام 1994. ويُعدّ دورها في القضايا المتعلقة بالعنف الجنسي من أبرز فصول سجلّها القضائي، ومنها ترسيخ المبدأ القانوني القائل بأن الاغتصاب قد يشكّل، في ظروف محددة، جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وفي عام 2003 انتُخبت بيلاي قاضيةً في المحكمة الجنائية الدولية، ثم تولّت منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة من عام 2008 إلى عام 2014. وقد اتخذت في هذا الموقع مواقف إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق مختلفة من العالم، وشدّدت على وجوب مساءلة الدول والمسؤولين عن انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان.
ويفسّر هذا السجلّ لماذا لم تُمنح جائزة نوبل 2026 بسبب مواقفها من فلسطين وحدها، فقد أعلنت لجنة نوبل أن أساس اختيارها هو مجمل نشاط بيلاي الممتد عقوداً في القانون الدولي والعدالة الجنائية وملاحقة جرائم الحرب. ومع ذلك، فإن دورها في ملف غزة صار من أبرز العوامل السياسية والإعلامية وراء ردّ فعل تل أبيب.
ملف غزة... جوهر الخلاف بين بيلاي وتل أبيب
السبب الأهم لغضب المسؤولين الصهاينة من اختيار بيلاي يكمن في رئاستها للجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، و"إسرائيل". وقد درست هذه اللجنة، بين عامي 2021 و2025، تطورات الأراضي المحتلة وسياسات الكيان الصهيوني وتبعاتها على حقوق الفلسطينيين.
وأعلنت لجنة نوبل في بيانها أن جائزة هذا العام مُنحت تقديراً لجهود بيلاي في النهوض بالسلام والقانون الدولي. وشدّدت اللجنة على ضرورة الدفاع عن النظام القانوني العالمي ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ومن ثَمّ، فإن تقرير غزة وإن لم يرد في بيان اللجنة سبباً خاصاً للجائزة، فإن سجلّ بيلاي في هذا الملف كان جزءاً بارزاً من الخلفية السياسية لردود الفعل على اختيارها.
وفي سبتمبر 2025، أعلنت اللجنة في تقرير قانوني أنها خلصت، استناداً إلى تحقيقاتها، إلى أن الكيان الصهيوني ارتكب إبادة جماعية في قطاع غزة. وأشار التقرير إلى أربعة أفعال تندرج ضمن اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وانتهى إلى أن هذه الأفعال ارتُكبت بقصد خاص هو إبادة الفلسطينيين في غزة، كلياً أو جزئياً. كما تناولت اللجنة تصريحات كبار المسؤولين الصهاينة، ورأت في بعضها تحريضاً على ارتكاب الإبادة الجماعية.
وتنبع أهمية هذا الاستنتاج من أن تهمة الإبادة الجماعية من أثقل التهم في القانون الدولي، ولا تنحصر في ارتفاع أعداد الضحايا، بل يستلزم إثباتها توافر عناصر محددة، منها قصد إبادة جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً.
ورغم أن تقرير لجنة التحقيق الأممية تقييمٌ قانوني موثّق صادر عن هيئة تحقيق، ولا يُعدّ في ذاته حكماً نهائياً لمحكمة دولية، فقد كان لما انتهت إليه من نتائج دور مهم في صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الكيان الصهيوني، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو.
أربعة محاور رئيسية في انتقادات اللجنة لأداء الكيان الصهيوني
1. الدمار الشامل وظروف معيشة الفلسطينيين
وقفت اللجنة عند الاتساع الهائل للدمار الذي لحق بالأحياء السكنية والبنى التحتية الحيوية والموارد الضرورية لبقاء السكان المدنيين في غزة. وبحسب تقرير هذه الهيئة، ينبغي أن يجري تقييم هذه الإجراءات وفق المعايير القانونية المتعلقة بالإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الدولية.
2. انهيار المنظومة الصحية وتقييد المساعدات الإنسانية
أشار تقرير اللجنة إلى التدمير الممنهج للقدرات الصحية، والقيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، وما ترتّب على هذه السياسات من تبعات على السكان المدنيين. وقد دخلت هذه المسائل في تقييم الظروف المعيشية للفلسطينيين، وفي فحص العناصر القانونية لتهمة الإبادة الجماعية.
3. التهجير القسري وتغيير التركيبة الديموغرافية
حذّرت اللجنة من النقل القسري للفلسطينيين، وإقامة المناطق العازلة والممرات العسكرية، وتصريحات بعض المسؤولين الصهاينة بشأن نقل سكان غزة. ورأت اللجنة في تقييمها أن تنفيذ مخططات الطرد القسري للسكان قد يشكّل جريمةً ضد الإنسانية.
4. تصريحات كبار المسؤولين ومسألة القصد الإبادي
لم تكتفِ اللجنة بفحص الآثار الميدانية للحرب، بل قيّمت كذلك تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين في الكيان الصهيوني. واعتبرت بعض هذه التصريحات من الأدلة المعزِّزة لوجود نية الإبادة الجماعية أو التحريض على ارتكابها، وهي مسألة احتلت موقعاً محورياً في التحليل القانوني للقضية.
الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير... ما وراء حرب غزة
لا تقتصر مواقف بيلاي من فلسطين على التطورات التي أعقبت عملية السابع من أكتوبر 2023. فقد كانت اللجنة برئاستها قد درست، قبل اندلاع حرب غزة، سياسات الكيان الصهيوني في الضفة الغربية، وتوسّع الاستيطان، وهدم منازل الفلسطينيين، والإجراءات المفضية إلى ترسيخ سيطرة دائمة على الأراضي المحتلة.
وفي تقارير هذه اللجنة، عُدّ توسّع المستوطنات الصهيونية، وتضييق فضاء العيش على الفلسطينيين، وتمزّق جغرافيا الضفة الغربية، من العوامل التي تقوّض حق تقرير المصير وإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة. كما كانت اللجنة قد حذّرت من خطر الضمّ الفعلي لأجزاء من الضفة الغربية.
ومن أوضح مواقف بيلاي تشديدها على ضرورة دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ففي كلمتها أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 2025، وبعد أن أشارت إلى فداحة الدمار والخراب في غزة، دعت الدول الأعضاء إلى استخدام جميع الأدوات المعقولة المتاحة لديمومة وقف الأعمال العدائية، ودعم حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية. وفي هذا المناخ، أعلنت إحدى عشرة دولة أوروبية، من بينها بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا، العام الماضي، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وخلال اجتماع بعنوان «المؤتمر الدولي للتسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين»، اعترافها بالدولة الفلسطينية المستقلة، وهو ما عُدّ هزيمةً سياسيةً ودبلوماسيةً كبرى لتل أبيب.
كما شدّدت على ضرورة الملاحقة القضائية للجرائم الدولية، ودعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، ولجوء الدول إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية للنظر في الاتهامات المتعلقة بارتكاب هذه الجرائم.
وتكمن أهمية هذه المواقف بالنسبة إلى تل أبيب في أن انتقادات بيلاي لم تقف عند حدّ الإدانة السياسية للعمليات العسكرية، بل ارتبطت بالمطالبة بآليات قانونية تُخضع المسؤولين للمساءلة. ومن شأن هذا النهج أن يضاعف الضغوط القانونية والدبلوماسية، وإن ظلّت تبعاته العملية رهن قرارات الهيئات القضائية والحكومات وآليات التنفيذ الدولية.
من جنوب أفريقيا إلى لاهاي... بداية أحجار الدومينو القانونية ضد الكيان الصهيوني
لإدراك عمق غضب الصهاينة من اختيار بيلاي، لا ينبغي المرور مرور الكرام على جنسيتها الجنوب أفريقية. فهذا البلد، الذي عاش بنفسه عقوداً من نظام الفصل العنصري والتمييز، أطلق في التاسع والعشرين من ديسمبر 2023 واحدةً من أهم الخطوات القانونية الدولية ضد حرب غزة، حين رفع دعوى على الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية. وادّعت بريتوريا في دعواها أن أفعال الكيان الصهيوني وسياساته في غزة تنتهك التزاماته بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وطلبت من المحكمة إصدار تدابير مؤقتة ملزمة لدرء الأضرار التي لا يمكن جبرها عن الفلسطينيين.
وبعد خطوة بريتوريا، دخلت دول أخرى على الخط للمشاركة في المسار القضائي أو دعم النظر في القضية. فقد سعت نيكاراغوا وكولومبيا وليبيا والمكسيك وفلسطين وإسبانيا وتركيا وتشيلي، في مراحل مختلفة، إلى التدخل أو المشاركة في إجراءات النظر في دعوى جنوب أفريقيا ضد الكيان الصهيوني.
نوبل للسلام في ظل الضغوط الأمريكية على المؤسسات القضائية الدولية
جاء اختيار بيلاي في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية وسائر المؤسسات القانونية الدولية ضغوطاً سياسيةً كبيرةً.
ففي يوم إعلان جائزة نوبل 2026، أعلنت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، في إطار تصاعد التوتر بين واشنطن وهذه المؤسسة ومعارضة الإدارة الأمريكية لإجراءاتها ضد المسؤولين الصهاينة. وقد أضفى هذا التزامن أبعاداً جديدةً على النقاش حول استقلال المؤسسات القضائية الدولية وضغوط الحكومات على آليات المساءلة.
وكانت أمريكا قد أعلنت أيضاً في منتصف سبتمبر من العام الجاري انسحابها رسمياً من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. واتهمت واشنطن هذه الهيئة بالترويج لما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بـ«الخطاب المعادي لأمريكا»، وبمهادنة الأنظمة القمعية. وسبق لواشنطن أن حاولت، بفرض عقوبات على قضاة محكمة لاهاي ومحاميها وناشطي حقوق الإنسان، خنق صوت العدالة في المسارات القانونية الدولية بالترهيب والضغط.
ومع ذلك كله، أثبت اختيار بيلاي أن الإرادة العالمية لمساءلة مرتكبي جرائم الحرب الصهيونية لم تتوقف، بل كشفت الفجوة بين ادعاءات الغرب في مجال حقوق الإنسان ودعم واشنطن السياسي لتل أبيب بصورة أشدّ وضوحاً من ذي قبل.
وفي الحقيقة، فإن الجائزة الممنوحة لبيلاي، من حيث رسائلها السياسية، تتجاوز تكريم مسيرة امرأة حقوقية. ففي ظل ما تتعرض له المؤسسات القضائية الدولية من ضغوط سياسية متصاعدة، أعاد هذا الاختيار إلى صدارة الاهتمام مسألة المساءلة عن جرائم الحرب، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية وقواعد القانون الدولي.
الوقت