من وعد «الحسم السريع» إلى كابوس الاستنزاف… كيف أسقطت الحروب الممتدة أسطورة «الأمان الإسرائيلي»؟
حسن حردان
لم تعد “إسرائيل”، بعد سنوات طويلة من الحروب المتواصلة على جبهات غزة، لبنان، وإيران، تلك القوة الإقليمية التي تتباهى بحسم معاركها الخاطفة. فقد نجح الائتلاف الصهيوني الحاكم في تحويل الصراع إلى “استراتيجية بقاء سياسي”، عائداً بالكيان إلى مربع الاستنزاف الوجودي. وبدلاً من جلب الأمن والأمان الذي وعدت به قيادات العدو الإسرائيليين، تحوّل الكيان الإسرائيلي إلى ثكنة عسكرية محاصرة بالهواجس، تتآكل منظومته الاقتصادية والعسكرية، وتتراجع فيه مقومات الاستقرار البشرية والنفسية يوماً بعد يوم.
أولاً: تداعيات حروب الاستنزاف على البنية العسكرية والاقتصادية،
أفرزت جبهات القتال المفتوحة أزمات هيكلية عميقة أصابت مفاصل الكيان الحيوية:
ـ إنهاك الجيش والاحتياط: أدّى الاعتماد المفرط والخدمة الطويلة على قوات الاحتياط إلى حالة إنهاك غير مسبوقة، وتراجع في الدافعية خصوصاً أنّ جنود الاحتلال واجهوا مقاومة ضارية أوْقعت في صفوفهم خسائر جسيمة أسفرت عن مقتل وجرح عشرات الآلاف مما ولد أزمات وأمراضاً نفسية وحالات هيسترية لدى الكثير من الجنود.. كما أدّى الاستنزاف العسكري وطول أمد الحرب الى صدامات حادة بين المؤسسة العسكرية ووزارة المالية بسبب تكاليف التسليح الباهظة…
ـ النزيف الاقتصادي وتكلفة “الاستنزاف الطويل”: قُدّرت التكلفة المالية المباشرة وغير المباشرة لحروب الاستنزاف المتواصلة بمليارات الشواكل؛ حيث تشير تقديرات “بنك إسرائيل” إلى أنّ الفاتورة المالية الإجمالية للعمليات العسكرية تجاوزت حاجز 350 مليار شيكل، مما ألقى بأعباء ثقيلة على الموازنة العامة، وأدّى إلى تفاقم عجز الميزانية وتراجع التصنيف الائتماني للكيان وتراجع الاستثمارات الأجنبية بصورة ملحوظة.
ـ العزلة الدولية المتصاعدة: تآكلت صورة “إسرائيل” وانكشفت حقيقتها ككيان استعماري استيطاني عنصري نازي على مستوى العالم، مما جعلها تعيش حصاراً سياسياً تدريجياً، ورئيس حكومتها ملاحَق بتهمة ارتكاب جرائم حرب، من قبل محكمة الجنايات الدولية.
ثانياً: فقدان الأمن والأمان وتآكل الرواية الوجودية،
لقد أسقطت جولات القتال المتبادلة ـ لا سيما الصواريخ الإستراتيجية التي طالت العمق الصهيوني ـ شعور الأمان الوهمي الذي طالما تغنّت به الحكومات الصهيونية المتعاقبة.
عاشت الجبهة الداخلية الإسرائيلية طويلاً تحت وطأة الإنذارات، وصدمات النزوح الداخلي من مستوطنات الشمال والجنوب.
تحوّلت الحياة اليومية للإسرائيليين إلى حالة طوارئ دائمة، وفقدان تامّ للثقة في المنظومات الأمنية والسياسية التي أثبتت عجزها عن حماية الجبهة الداخلية أو منع التدهور الاستراتيجي.
تبيّن بشكل لا لبس فيه ان “إسرائيل” لا تستطيع ان تحمي وجودها من دون الدعم الأميركي العسكري والسياسي والاقتصادي، ومع ذلك فإنّ هذا الدعم لم يتمكن من منع انهمار الصواريخ الإيرانية على مدن ومستوطنات الكيان على نحو غير مسبوق.
ثالثاً: الظاهرة الأبرز: الهجرة المعاكسة وتآكل “الملاذ الآمن”،
لعلّ التحوّل الأكثر دراماتيكية وتمثيلاً لانهيار مقومات “الكيان الآمن” هو تزايد نزعة المغادرة والهجرة المعاكسة:
ـ أرقام المغادرة القياسية: تُظهر بيانات دائرة الإحصاء المركزية “الإسرائيلية” وتقارير مراكز الأبحاث ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق في أعداد المغادرين، حيث سجلت أعداد المغادرين عشرات الآلاف سنوياً (بين 45,000 إلى نحو 70,000 مواطن إسرائيلي في أحدث الإحصاءات السنوية المتتالية)، في مقابل تراجع حاد في أعداد المهاجرين الجدد.
ـ صافي الهجرة السلبية: أشارت البيانات الرسمية إلى اتساع الفجوة لصالح المغادرين مقارنة بالعائدين أو القادمين الجدد، وهي هجرة صامتة تقودها الشرائح المتعلمة، والكفاءات الطبية، والنخب الأكاديمية ورجال الأعمال الذين باتوا يدركون أنّ البقاء بات مغامرة غير مأمونة العواقب على مستقبل أبنائهم.
ـ أزمة مزدوجة الجنسية: تركزت النسبة الكبرى من حركة الهجرة المعاكسة بين حملة الجنسيات المزدوجة الذين وجدوا في جوازات سفرهم الأجنبية ملاذاً للفرار من جحيم الصواريخ وصفارات الإنذار ودولة الثكنة العسكرية الدائمة.
خلاصة القول: إنّ حروب نتنياهو العبثية، الساعية حصراً لترحيل الأزمات السياسية الشخصية، لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة، بل وضعت الكيان أمام مفترق طرق كارثي. فالتكلفة لم تعد تقاس فقط بالخسائر العسكرية المباشرة أو الاقتصادية الفادحة، بل بتآكل الفكرة الأساسية التي قامت عليها الدولة كـ “ملاذ آمن لليهود”، ليتحوّل الحلم الاستيطاني إلى كابوس أمني وعزلة متسارعة، تبدّد معها أمان الملايين وفتحت باب الهجرة المعاكسة على مصراعيه…